وَهِي هَل تنْتَفع أَرْوَاح الْمَوْتَى بِشَيْء من سعى الْأَحْيَاء أم لَا
فَالْجَوَاب أَنَّهَا تنْتَفع من سعى الْأَحْيَاء بأمرين مجمع عَلَيْهِمَا بَين أهل السّنة من الْفُقَهَاء وَأهل الحَدِيث وَالتَّفْسِير
أَحدهمَا مَا تسبب إِلَيْهِ الْمَيِّت فِي حَيَاته
وَالثَّانِي دُعَاء الْمُسلمين لَهُ واستغفارهم لَهُ وَالصَّدََقَة وَالْحج على نزاع مَا الَّذِي يصل من ثَوَابه هَل ثَوَاب الْإِنْفَاق أَو ثَوَاب الْعَمَل فَعِنْدَ الْجُمْهُور يصل ثَوَاب الْعَمَل نَفسه وَعند بعض الْحَنَفِيَّة إِنَّمَا يصل ثَوَاب الْإِنْفَاق
وَاخْتلفُوا فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فمذهب الإِمَام أَحْمد وَجُمْهُور السّلف وصولها وَهُوَ قَول بعض أَصْحَاب أَبى حنيفَة نَص على هَذَا الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ قيل لأبى عبد الله الرجل يعْمل الشَّيْء من الْخَيْر من صَلَاة أَو صَدَقَة أَو غير ذَلِك فَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ أَو لأمه قَالَ أَرْجُو أَو قَالَ الْمَيِّت يصل إِلَيْهِ كل شَيْء من صَدَقَة أَو غَيرهَا وَقَالَ أَيْضا اقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ ثَلَاث مَرَّات وَقل هُوَ الله أحد وَقل اللَّهُمَّ إِن فَضله لأهل الْمَقَابِر
وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك أَن ذَلِك لَا يصل
وَذهب بعض أهل الْبدع من أهل الْكَلَام أَنه لَا يصل إِلَى الْمَيِّت شَيْء الْبَتَّةَ لادعاء وَلَا غَيره
فالدليل على انتفاعه بِمَا تسبب إِلَيْهِ فِي حَيَاته مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صحيه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله قَالَ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عَنهُ عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ فاستثناء هَذِه الثَّلَاث من عمله يدل على أَنَّهَا مِنْهُ فانه هُوَ الَّذِي تسبب إِلَيْهَا
وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله
[ ١١٧ ]
إِنَّمَا يلْحق الْمُؤمن من عمله وحسناته بعد مَوته علما علمه ونشره أَو ولدا صَالحا تَركه أَو مُصحفا وَرثهُ أَو مَسْجِدا بناه أَو بَيْتا لِابْنِ السَّبِيل بناه أَو نَهرا إِكْرَاه أَو صَدَقَة أخرجهَا من مَاله فِي صِحَّته وحياته تلْحقهُ من بعد مَوته
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا من بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء وَهَذَا الْمَعْنى روى عَن النَّبِي من عدَّة وُجُوه صِحَاح وَحسان
وَفِي الْمسند عَن حُذَيْفَة قَالَ سَأَلَ رجل على عهد رَسُول الله فامسك الْقَوْم ثمَّ أَن رجلا أعطَاهُ فَأعْطى الْقَوْم فَقَالَ النَّبِي من سنّ خيرا فاستن بِهِ كَانَ لَهُ أجره وَمن أجور من تبعه غير منتقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ شرا فاستن بِهِ كَانَ عَلَيْهِ وزره وَمن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شَيْئا
وَقد دلّ على هَذَا قَوْله لَا تقتل نفس ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَفِي الْفضل وَالثَّوَاب أولى وَأَحْرَى