والمحرق وَنحن لَا نشعر بهَا لِأَن ذَلِك الرَّد نوع آخر غير الْمَعْهُود فَهَذَا الْمغمى عَلَيْهِ والمسكوت والمبهوت أَحيَاء وارواحهم مَعَهم وَلَا تشعر بحياتهم وَمن تَفَرَّقت أجزاؤه لَا يمْتَنع على من هُوَ على كل شَيْء قدير أَن يَجْعَل للروح اتِّصَالًا بِتِلْكَ الْأَجْزَاء على تبَاعد مَا بَينهَا وقربه وَيكون فِي تِلْكَ الْأَجْزَاء شُعُور بِنَوْع من الْأَلَم واللذة وَإِذا كَانَ الله ﷾ قد جعل فِي الجمادات شعورا وإدراكا تسبح رَبهَا بِهِ وَتسقط الْحِجَارَة من خَشيته وتسجد لَهُ الْجبَال وَالشَّجر وتسبحه الْحَصَى والمياه والنبات قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ وَلَو كَانَ التَّسْبِيح هُوَ مُجَرّد دلالتها على صانعها لم يقل ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ فَإِن كل عَاقل يفقه دلالتها على صانعها وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق﴾ وَالدّلَالَة على الصَّانِع لَا تخْتَص بِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا جبال أوبي مَعَه﴾ وَالدّلَالَة لَا تخْتَص معيته وَحده وَكذب على الله من قَالَ التأويب رَجَعَ الصدى فَإِن هَذَا يكون لكل مصوت وَقَالَ تَعَالَى ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَالدّلَالَة على الصَّانِع لَا تخْتَص بِكَثِير من النَّاس وَقد قَالَ تَعَالَى ألم تَرَ أَن الله يسبح لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالطير صِفَات كل قد علم صلَاته وتسبيحه فَهَذِهِ صَلَاة وتسبيح حَقِيقَة يعلمهَا الله وَإِن جَحدهَا الجاهلون المكذبون وَقد أخبر تَعَالَى عَن الْحِجَارَة أَن بَعْضهَا يَزُول عَن مَكَانَهُ وَيسْقط من خَشيته وَقد أخبر عَن الأَرْض وَالسَّمَاء أَنَّهُمَا يأذنان لَهُ وقولهما ذَلِك أى يستعمان كَلَامه وَأَنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جَوَابه فَقَالَ لَهما ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ وَقد كَانَ الصَّحَابَة يسمعُونَ تَسْبِيح الطَّعَام
[ ٧٢ ]
وَهُوَ يُؤْكَل وسمعوا حنين الْجذع الْيَابِس فِي الْمَسْجِد فاذا كَانَت هَذِه الاجسام فِيهَا الاحساس والشعور فالأجسام الَّتِي كَانَت فِيهَا الرّوح والحياة أولى بذلك وَقد أشهد الله سُبْحَانَهُ عباده فِي هَذِه الدَّار إِعَادَة حَيَاة كَامِلَة إِلَى بدن قد فارقته الرّوح فَتكلم وَمَشى وَأكل وَشرب وَتزَوج وَولد لَهُ كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف حذر الْمَوْت فَقَالَ لَهُم الله موتوا ثمَّ أحياهم أَو كالذى مر على قَرْيَة وهى خاوية على عروشها قَالَ أَنى يحيى هَذِه الله بعد مَوتهَا فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه قَالَ كم لَبِثت لَبِثت قَالَ لَبِثت يَوْمًا أَو بعض يَوْم وكقتيل بنى إِسْرَائِيل أَو كَالَّذِين قَالَ لمُوسَى ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة﴾ فأماتهم الله ثمَّ بَعثهمْ من بعد مَوْتهمْ وكأصحاب الْكَهْف وقصة إِبْرَاهِيم فِي الطُّيُور الاربعة فاذا أعَاد الْحَيَاة التَّامَّة إِلَى هَذِه الأجساد بعد مَا بردت بِالْمَوْتِ فَكيف يمْتَنع على قدرته الباهرة أَن يُعِيد إِلَيْهَا بعد مَوتهَا حَيَاة مَا غير مُسْتَقِرَّة يقْضى بهَا مَا أمره فِيهَا ويستنطقها بهَا ويعذبها أَو ينعمها بأعمالها وَهل إِنْكَار ذَلِك إِلَّا مُجَرّد تَكْذِيب وعناد وجحود وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق