تَقْصِير فَلَا يحمل كَلَامه مَالا يحْتَملهُ وَلَا يقصر بِهِ عَن مُرَاده وَمَا قَصده من الْهدى وَالْبَيَان
[ ٦٢ ]
وَقد حصل باهمال ذَلِك والعدول عَنهُ من الضلال والعدول عَن الصَّوَاب وَمَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله بل سوء الْفَهم عَن الله وَرَسُوله أصل كل بِدعَة وضلالة نشأت فِي الْإِسْلَام بل هُوَ أصل كل خطأ فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَلَا سِيمَا إِن أضيف إِلَيْهِ سوء الْقَصْد فيتفق سوء الْفَهم فِي بعض الْأَشْيَاء من الْمَتْبُوع مَعَ حسن قَصده وَسُوء الْقَصْد من التَّابِع فيا محنة الدّين وَأَهله وَالله الْمُسْتَعَان
وَهل أوقع الْقَدَرِيَّة والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والرافضة وَسَائِر الطوائف أهل الْبدع إِلَّا سوء الْفَهم عَن الله وَرَسُوله حَتَّى صَار الدّين بأيدى أَكثر النَّاس هُوَ مُوجب هَذِه الإفهام والذى فهمه الصَّحَابَة وَمن تَبِعَهُمْ عَن الله وَرَسُوله فمهجور لَا يلْتَفت اليه وَلَا يرفع هَؤُلَاءِ بِهِ رَأْسا ولكثرة أَمْثِلَة هَذِه الْقَاعِدَة تركناها فانا لَو ذَكرنَاهَا لزادت على عشرَة الوف حَتَّى أَنَّك لتمر على الْكتاب من أَوله إِلَى آخِره فَلَا تَجِد صَاحبه فهم عَن الله وَرَسُوله وَمرَاده كَمَا ينبغى فِي مَوضِع وَاحِد
وَهَذَا إِنَّمَا يعرفهُ من عرف مَا عِنْد النَّاس وَعرضه على مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَأما من عكس الْأَمر بِعرْض مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول على مَا اعتقده وانتحله وقلد فِيهِ من أحسن بِهِ الظَّن فَلَيْسَ يجدى الْكَلَام مَعَه شَيْئا فَدَعْهُ وَمَا اخْتَارَهُ لنَفسِهِ وَوَلِهَ مَا تولى وَاحْمَدْ الذى عافاك مِمَّا ابتلاه بِهِ فصل
الْأَمر الثَّالِث أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الدّور ثَلَاثًا دَار الدُّنْيَا وَدَار البرزخ وَدَار الْقَرار وَجعل لكم دَار أحكاما تخْتَص بهَا وَركب هَذَا الانسان من بدن وَنَفس وَجعل أَحْكَام دَار الدُّنْيَا على الْأَبدَان والأرواح تبعا لَهَا وَلِهَذَا جعل أَحْكَامه الشَّرْعِيَّة مرتبَة على مَا يظْهر من حركات اللِّسَان والجوارح وان أضمرت النُّفُوس خِلَافه وَجعل أَحْكَام البرزخ على الْأَرْوَاح والأبدان تبعا لَهَا فَكَمَا تبِعت الْأَرْوَاح الْأَبدَان فِي أَحْكَام الدُّنْيَا فتألمت بألمها والتذت براحتها وَكَانَت هى الَّتِي باشرت أَسبَاب النَّعيم وَالْعَذَاب تبِعت الْأَبدَان الْأَرْوَاح فِي نعيمها وعذابها والأرواح حِينَئِذٍ هى الَّتِي تباشر الْعَذَاب وَالنَّعِيم فالأبدان هُنَا ظَاهِرَة والأرواح خُفْيَة والأبدان كالقبور لَهَا والأرواح هُنَاكَ ظَاهِرَة والأبدان خُفْيَة فِي قبورها تجرى أَحْكَام البرزخ على الْأَرْوَاح فتسرى إِلَى أبدانها نعيما أَو عذَابا كَمَا تجرى أَحْكَام الدُّنْيَا على الْأَبدَان فتسرى إِلَى أرواحها نعيما أَو عذَابا فأخط بِهَذَا الْموضع علما واعرفه كَمَا ينبغى يزِيل عَنْك كل اشكال يُورد عَلَيْك من دَاخل وخارج
وَقد أرانا الله سُبْحَانَهُ بِلُطْفِهِ وَرَحمته وهدايته من ذَلِك أنموذجا فِي الدُّنْيَا من حَال النَّائِم فَإِن مَا ينعم بِهِ أَو يعذب فِي نَومه يجرى عل ى روحه أصلا وَالْبدن تبع لَهُ وَقد يقوى حَتَّى يُؤثر
[ ٦٣ ]
فِي الْبدن تاثيرا مشاهدا فَيرى النَّائِم فِي نَومه أَنه ضرب فَيُصْبِح وَأثر الضَّرْب فِي جِسْمه وَيرى أَنه قد أكل أَو شرب فيستيقظ وَهُوَ يجد أثر الطَّعَام وَالشرَاب فِي فِيهِ وَيذْهب عَنهُ الْجُوع والظمأ
وأعجب من ذَلِك أَنَّك ترى النَّائِم يقوم فِي نَومه وَيضْرب ويبطش ويدافع كَأَنَّهُ يقظان وَهُوَ نَائِم لَا شُعُور لَهُ بشىء من ذَلِك وَذَلِكَ أَن الحكم لما جرى على الرّوح استعانت بِالْبدنِ من خَارجه وَلَو دخلت فِيهِ لاستيقظ وأحس فَإِذا كَانَت الرّوح تتألم وتتنعم ويصل ذَلِك إِلَى بدنهَا بطرِيق الاستتباع فَهَكَذَا فِي البرزخ بل أعظم فَإِن تجرد الرّوح هُنَالك أكمل وَأقوى وهى مُتَعَلقَة ببدنها لم تَنْقَطِع عَنهُ كل الِانْقِطَاع فَإِذا كَانَ يَوْم حشر الأجساد وَقيام النَّاس من قُبُورهم صَار الحكم وَالنَّعِيم وَالْعَذَاب على الْأَرْوَاح والأجساد ظَاهرا باديا أصلا
وَمَتى أَعْطَيْت هَذَا الْموضع حَقه تبين لَك أَن مَا أخبر بِهِ الرَّسُول من عَذَاب الْقَبْر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وَكَونه حُفْرَة من حفر النَّار أَو رَوْضَة من رياض الْجنَّة مُطَابق لِلْعَقْلِ وَأَنه حق لَا مرية فِيهِ وَإِن من أشكل عَلَيْهِ ذَلِك فَمن سوء فهمه وَقلة علمه أَتَى كَمَا قيل
وَكم من عائب قولا صَحِيحا وآفته من الْفَهم السقيم
وأعجب من ذَلِك أَنَّك تَجِد النائمين فِي فرَاش وَاحِد وَهَذَا روحه فِي النَّعيم وَيَسْتَيْقِظ وَأثر النَّعيم على بدنه وَهَذَا روحه فِي الْعَذَاب وَيَسْتَيْقِظ وَأثر الْعَذَاب على بدنه وَلَيْسَ عِنْد أَحدهمَا خبر عِنْد الآخر فَأمر البرزخ أعجب من ذَلِك