أَن تكون دائمة الْإِدْرَاك لتِلْك الْآلَة أَو ممتنعة الْإِدْرَاك لَهَا فَهُوَ مبْنى على أصلكم الْفَاسِد أَن الْإِدْرَاك عبارَة عَن حُصُول صُورَة مُسَاوِيَة للمدرك فِي القرة المدركة ثمَّ لَو سلمنَا لكم ذَلِك الأَصْل لم يفدكم شَيْئا فَإِن حُصُول تِلْكَ الصُّورَة يكون شرطا لحُصُول الْإِدْرَاك فَأَما أَن يَقُول أَو يُقَال أَن الْإِدْرَاك عين حُصُول تِلْكَ الصُّورَة فَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل فَلم لَا يجوز أَن يُقَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة حَالَة فِي جسم مَخْصُوص ثمَّ أَن الْقُوَّة الناطقة قد تحصل لَهَا حَالَة إضافية تسمى بالشعور والإدراك فَحِينَئِذٍ تصير الْقُوَّة الْعَاقِلَة مدركة لتِلْك الْآلَة وَقد لَا تُوجد تِلْكَ الْحَالة الإضافية فَتَصِير غافلة عَنْهَا وَإِذا كَانَ هَذَا مُمكنا سَقَطت تِلْكَ الشُّبْهَة رَأْسا ثمَّ نقُول أَتَدعُونَ أَنا إِذا عقلنا شَيْئا فَإِن الصُّورَة الْحَاضِرَة فِي الْعقل مُسَاوِيَة لذَلِك الْمَعْقُول من جَمِيع الْوُجُوه والاعتبارات أَو لَا يجب حُصُول هَذِه الْمُسَاوَاة من جَمِيع الْوُجُوه لم يلْزم من حُدُوث صُورَة أُخْرَى فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ اجْتِمَاع المثلين
وَأَيْضًا فالقوة الْعَاقِلَة حَالَة فِي جَوْهَر الْقلب أَو الدِّمَاغ وَالصُّورَة الْحَادِثَة حَالَة فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة فإحدى الصُّورَتَيْنِ مَحل للقوة الْعَاقِلَة وَأَيْضًا فَنحْن إِذا رَأينَا الْمسَافَة الطَّوِيلَة والبعد الممتد فَهَل يتَوَقَّف هَذَا الإبصار على ارتسام صُورَة المرئي فِي عين الرَّائِي أَو لَا يتَوَقَّف فَإِن توقف لزم اجْتِمَاع المثلين لِأَن الْقُوَّة الباصرة عنْدكُمْ جسمانية فَهِيَ فِي مَحل لَهُ حجم وَمِقْدَار فَإِذا حصل
[ ٢٠٦ ]
فِيهِ حجم المرئي ومقداره لزم اجْتِمَاع المثلين وَإِذا جَازَ هُنَاكَ فَلم لَا يجوز مثله فِي مسئتنا وَإِن كَانَ إِدْرَاك الشَّيْء لَا يتَوَقَّف على حُصُول صُورَة المرئي فِي الرَّائِي بَطل قَوْلكُم أَن إِدْرَاك الْقلب والدماغ يتَوَقَّف على حُصُول صُورَة الْقلب والدماغ فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة
وَأَيْضًا فقولكم لَو كَانَت الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة حَالَة فِي جسم لوَجَبَ أَن تكون دائمة الْإِدْرَاك لذَلِك الْجِسْم لَكِن إدراكنا لقلبنا ودماغنا غير دَائِم فَهَذَا إِنَّمَا يلْزم من يَقُول أَنَّهَا حَالَة فِي الْقلب أَو الدِّمَاغ وَأما من يَقُول أَنَّهَا حَالَة فِي جسم مَخْصُوص وَهُوَ النَّفس وَهِي مشابكة للبدن فَهَذَا الْإِلْزَام غير وَارِد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقُول النَّفس جسم مَخْصُوص وَالْإِنْسَان أبدا عَالم بِأَنَّهُ جسم مَخْصُوص وَلَا يَزُول ذَلِك عَن عقله إِلَّا إِذا عرضت لَهُ الْغَفْلَة فَسَقَطت الشُّبْهَة الَّتِي عولتم عَلَيْهَا على كل تَقْدِير