من القوى الجسمانية كَذَلِك فَجَوَابه أَنا لَا نسلم أَنَّهَا تقوى على أَفعَال غير متناهية
وقولكم أَنَّهَا تقوى على إدراكات لَا تتناهي هِيَ والإدراكات أَفعَال مقدمتان كاذبتان فَإِن إدراكاتها وَلَو بلغت مَا بلغت فَهِيَ متناهية فَلَو كَانَ لَهَا بِكُل نفس ألف ألف إِدْرَاك لتناهت إدراكاتها فَهِيَ قطعا تَنْتَهِي فِي الإدراكات والمعارف إِلَى حد لَا يُمكنهَا أَن تزيد عَلَيْهِ شَيْئا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ إِلَى أَن يَنْتَهِي الْعلم إِلَى من هُوَ بِكُل شَيْء عليم فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَحده وَذَلِكَ من خَصَائِصه الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا سواهُ
فَإِن قُلْتُمْ لَو انتهي إِدْرَاكهَا إِلَى حد لَا يُمكنهَا الْمَزِيد عَلَيْهِ لزم انقلاب الشَّيْء من الْإِمْكَان الذاتي قُلْنَا فَهَذَا بِعَيْنِه لَو صَحَّ دلّ على أَن الْقُوَّة الجسمانية تقوى على أَفعَال غير متناهية وَذَلِكَ يُوجب سُقُوط الشُّبْهَة وبطلانها
وَأَيْضًا فَإِن قُوَّة التخيل والتفكر والتذكر تقوى على استحضار المخيلات والمذكرات إِلَى غير نِهَايَة مَعَ أَنَّهَا عنْدكُمْ قُوَّة جسمانية
فَإِن قُلْتُمْ لَا نسلم أَنَّهَا تقوى على مَالا يتناهي قيل لكم هَكَذَا يَقُول خصومكم فِي الْقُوَّة الْعَاقِلَة سَوَاء
وَأما كذب الْمُقدمَة الثَّانِيَة فَإِن الْإِدْرَاك لَيْسَ بِفعل فَلَا يلْزم من تناهي فعلهَا تناهي إِدْرَاكهَا وَقد صرحتم بِأَن الْجَوْهَر الْعقلِيّ قَابل لصورة الْمَعْلُوم لَا أَنَّهَا فَاعل لَهَا وَالشَّيْء الْوَاحِد لَا يكون
[ ٢٠٥ ]
فَاعِلا وقابلا عنْدكُمْ وَقد صرحتم بِأَن الْأَجْسَام يمْتَنع عَلَيْهَا أَفعَال لَا نِهَايَة لَهَا وَلَا يمْتَنع عَلَيْهَا مجهولات وانفعالات لَا نتناهي وَقد أورد ابْن سيناء على هَذِه الشُّبْهَة سؤالا فَقَالَ أَلَيْسَ النَّفس الفلكية الْمُبَاشرَة لتحريك الْفلك قُوَّة جسمانية مَعَ أَن الحركات الفلكية غير متناهية وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهَا وَإِن كَانَت قُوَّة جسمانية إِلَّا أَنَّهَا تستمد الْكَمَال من الْعقل المفارق فَلهَذَا السَّبَب قدرت على أَفعَال غير متناهية
فَنَقُول فَإِذا كَانَ الْأَمر عنْدك كَذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يُقَال النَّفس الناطقة تستمد الْكَمَال وَالْقُوَّة من فاطرها ومنشئها الَّذِي لَهُ الْقُوَّة جَمِيعًا فَلَا جرم تقوى مَعَ كَونهَا جسمانية على مَالا يتناها فَإِذا قلت بذلك وَافَقت الرُّسُل وَالْعقل وَدخلت مَعَ زمرة الْمُسلمين وَفَارَقت الْعصبَة المبطلين