وَهِي مبلية على أَربع مُقَدمَات
إِحْدَاهَا أَن فِي الْوُجُود مَا لَا يقبل الْقِسْمَة بِوَجْه من الْوُجُوه
الثَّانِيَة أَنه يُمكن الْعلم بِهِ
الثَّالِثَة أَن الْعلم بِهِ غير منقسم
الرَّابِعَة أَنه يجب أَن يكون مَحل للْعلم بِهِ كَذَلِك إِذْ لَو كَانَ جسما لَكَانَ منقسما
وَقد نازعهم فِي ذَلِك جُمْهُور الْعُقَلَاء وَقَالُوا لم تُقِيمُوا دَلِيلا على أَن فِي الْوُجُود مَا لَا يقبل الْقِسْمَة الْحِسْبَة وَلَا الوهمية وَإِنَّمَا بِأَيْدِيكُمْ دُعَاء لَا حَقِيقَة لَهَا وَإِنَّمَا أثبتموه من وَاجِب الْوُجُود وَهُوَ بِنَاء على أصلكم الْبَاطِل عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء من أهل الْملَل وَغَيرهم من انكار مَاهِيَّة الرب
[ ٢٠١ ]
تَعَالَى وَصِفَاته وَأَنه وجود مُجَرّد لَا صفة لَهُ وَلَا مَاهِيَّة وَهَذَا قَول باينتم بِهِ الْعُقُول وَجَمِيع الْكتب الْمنزلَة من السَّمَاء وَإِجْمَاع الرُّسُل ونفيتم بِهِ علم الله وَقدرته ومشيئته وسَمعه وبصره وعلوه على خلقه ونفيتم بِهِ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وسميتموه توحيدا وَهُوَ أصل كل تَعْطِيل
قَالُوا والنقطة الَّتِي استدللتم بهَا هِيَ من أظهر مَا يبطل دليلكم فَإِنَّهَا غير منقسمة وَهِي حَالَة فِي الْجِسْم المنقسم فقد حل فِي المنقسم مَا لَيْسَ بمنقسم ثمَّ إِن مثبتي الْجَوْهَر الْفَرد وهم جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين ينازعونكم فِي هَذَا الأَصْل وَيَقُولُونَ الْجَوْهَر حَال فِي الْجِسْم بل هُوَ مركب مِنْهُ فقد حل فِي المنقسم مَا لَيْسَ بمنقسم وَلَا يُمكن تتميم دليلكم إِلَّا بِنَفْي الْجَوْهَر الْفَرد فَإِن قُلْتُمْ النقطة عبارَة عَن نِهَايَة الْخط وفنائه وَعَدَمه فَهِيَ أَمر عدمي بَطل استدلالكم بهَا وَإِن كَانَت أمرا وجوديا فقد حلت فِي المنقسم فَبَطل الدَّلِيل على التَّقْدِيرَيْنِ
قَالُوا أَيْضا فَلم لَا يكون الْعلم حَالا فِي مَحَله لَا على وَجه النَّوْع والسريان فَإِن حُلُول كل شَيْء فِي مَحَله يحسبه فحلول الْحَيَوَان فِي الدَّار نوع وحلول الْعرض فِي الْجِسْم نوع وحلول الْخط فِي الْكتاب نوع وحلول الدّهن فِي السمسم نوع وحلول الْجِسْم فِي الْعرض نوع وحلول الرّوح فِي الْبدن نوع وحلول الْعُلُوم والمعارف فِي النَّفس نوع
قَالُوا وَأَيْضًا فالوحدة حَاصِلَة فَإِن كَانَت جوهرا فقد ثَبت الْجَوْهَر الْفَرد بَطل دليلكم فَإِنَّهُ لَا يتم إِلَّا بنفيه وَإِن كَانَ عرضا وَجب أَن يكون لَهَا مَحل فمحلها إِن كَانَ منقسما فقد جَازَ قيام غير المنقسم بالمنقسم فَهُوَ الْجَوْهَر وَبَطل الدَّلِيل فَإِن قُلْتُمْ الواحده أَمر عدمي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج فَكَذَلِك أثبتم بِهِ وجود مَالا يَنْقَسِم كلهَا أُمُور عدمية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج فَإِن وَاجِب الْوُجُود الَّذِي أثبتموه أَمر عدمي بل مُسْتَحِيل الْوُجُود
قَالُوا وَأَيْضًا فالإضافات عارضة لَا أَقسَام مثل الْفَوْقِيَّة والتحتية والمالكية والمملوكية فَلَو انقسم الْحَال بانقسام مَحَله لزم انقسام هَذِه الإضافات فَكَانَ يكون لحقيقة الْفَوْقِيَّة والتحتية ربع وَثمن وَهَذَا لَا يقبله الْعقل
قَالُوا وَأَن الْقُوَّة الوهمية والفكرية جسمانية عِنْد زعيمكم ابْن سيناء فَيلْزم أَن يحصل لَهَا أَجزَاء وأبعاض وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهَا لَو انقمست لَكَانَ كل وَاحِد من أبعاضها إِن كَانَ مثلهَا كَانَ الْجُزْء مُسَاوِيا للْكُلّ وَإِن لم يكن مثلهَا لم تكن تِلْكَ الْأَجْزَاء كَذَلِك
وَأَيْضًا فَإِن الْوَهم لَا معنى لَهُ إِلَّا كَون هَذَا صديقا وَهَذَا عدوا وَذَلِكَ لَا يقبل الْقِسْمَة
قَالُوا وَأَن الْوُجُود أَمر زَائِد على الماهيات عنْدكُمْ فَلَو لزم انقسام الْحَال لانقسام مَحَله
[ ٢٠٢ ]
لزم انقسام ذَلِك الْوُجُود بانقسام مَحَله وَهَذَا الْوَجْه لَا يلْزم من جعل وجود الشَّيْء غير ماهيته
قَالُوا وَأَيْضًا فطبائع الْأَعْدَاد ماهيات مُخْتَلفَة فالمفهوم من كَون الْعشْرَة عشرَة مَفْهُوم وَاحِد وماهية وَاحِدَة فَتلك الْمَاهِيّة أما أَن تكون عارضة لكل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد وَهُوَ محَال وَأما أَن تَنْقَسِم بانقسام تِلْكَ الْآحَاد وَهُوَ محَال لِأَن الْمَفْهُوم من كَون الْعشْرَة عشرَة لَا يقبل الْقِسْمَة نعم الْعشْرَة تقبل الْقِسْمَة لَا عشريتها قَالُوا فقد قدم مَالا يَنْقَسِم بالمقسم
قَالُوا وَأَيْضًا فالكيفيات المختصات بالكميات كالاستدارة والنقوش وَنَحْوهمَا عِنْد الفلاسفة أَعْرَاض مَوْجُودَة فِي شبه الاستدارة إِن كَانَ عرضا فَأَما أَن يكون بِتَمَامِهِ قَائِما وَإِمَّا أَن يكون بِكُل وَاحِد من الْأَجْزَاء وَهُوَ محَال وَأما أَن يَنْقَسِم ذَلِك الْعرض بانقسام الْأَجْزَاء وَيقوم بِكُل جُزْء من أَجزَاء الْخط جُزْء من أَجزَاء ذَلِك الْعرض وَهُوَ محَال لِأَن جزأه إِن كَانَ استدارة لزم أَن يكون جُزْء الدائرة دَائِرَة وَإِن لم يكن استدارة فَعِنْدَ اجْتِمَاع الْأَجْزَاء إِن لم يحدث أَمر زَائِد وَجب أَن لَا تحصل الاستدارة وَإِن حدث أَمر زَائِد وَجب أَن لَا تحصل الاستدارة وَإِن حدث أَمر زَائِد فَإِن كَانَ منقسما عَاد التَّقْسِيم وَإِن لم يَنْقَسِم كَانَ الْحَال غير منقسم وَمحله منقسما
قلت وَهَذَا لَا يلْزمهُم فَإِن لَهُم أَن يَقُولُوا يَنْقَسِم بانقسام مَحَله تبعا لَهُ كَسَائِر الْأَعْرَاض الْقَائِمَة بمحالها من الْبيَاض والسواد وَأما مَالا يَنْقَسِم كالطول فَشرط حُصُوله اجْتِمَاع الْأَجْزَاء وَالْمُعَلّق على الشَّرْط مُنْتَفٍ بانتفائه
قَالُوا وَإِن هَذِه الْأَجْسَام مُمكنَة بذواتها وَذَلِكَ صفة لَهَا خَارِجَة عَن ماهيتها فَإِن لم تَنْقَسِم بانقسام محلهَا بَطل الدَّلِيل وَإِن انقسمت عَاد الْمَحْذُور الْمَذْكُور من مُسَاوَاة الْجُزْء للْكُلّ والتسلسل
قلت وَهَذِه أَيْضا لَا يلْزمهُم لِأَن الْإِمْكَان لَيْسَ أَمر يدل على قبُول الْمُمكن للوجود والعدم وَذَلِكَ الْقبُول من لَوَازِم ذَاته لَيْسَ صفة عارضة لم وَلَكِن الذِّهْن يجرد هَذَا الْقبُول عَن الْقَابِل فَيكون عروضه للماهية بتجريد الذِّهْن وَأما قَضِيَّة مُشَاركَة الْجُزْء للْكُلّ فَلَا امْتنَاع فِي ذَلِك كَسَائِر الماهيات البسيطة فَإِن جزأها مسَاوٍ لكلها فِي الْحَد والحقيقة كَالْمَاءِ وَالتُّرَاب والهواء وَإِنَّمَا الْمُمْتَنع أَن يُسَاوِي الْجُزْء للْكُلّ فِي الْكمّ لَا فِي نفس الْحَقِيقَة
والمعول فِي إبِْطَال هَذِه الشُّبْهَة على أَن الْعلم لَيْسَ بِصُورَة حَالَة فِي النَّفس وَإِنَّمَا هُوَ نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الْعلم والمعلوم كَمَا نقُول فِي الْأَبْصَار أَنه لَيْسَ بانطباع صُورَة مُسَاوِيَة للمبصر فِي الْقُوَّة الباصرة وَإِنَّمَا هُوَ نِسْبَة وَإِضَافَة بَين الْقُوَّة الباصرة والمبصر وَعَامة شبههم الَّتِي أوردوها
[ ٢٠٣ ]
فِي هَذَا الْفَصْل مَبْنِيَّة على انطباع صُورَة الْمَعْلُوم فِي الْقُوَّة العالمة ثمَّ بنوا على ذَلِك أَن انقسام مَالا يَنْقَسِم فِي المنقسم محَال
وَقَوْلهمْ مَحل الْعُلُوم الْكُلية لَو كَانَ جسما أَو جسمانيا لانقسمت تِلْكَ الْعُلُوم لِأَن الْحَال فِي المنقسم منقسم لم يذكرُوا جِسْمه هَذِه الْمُقدمَة دَلِيلا وَلَا شُبْهَة وَإِنَّمَا بِأَيْدِيهِم مُجَرّد الدَّعْوَى وَلَيْسَت بديهية حَتَّى تَسْتَغْنِي عَن الدَّلِيل وَهِي مَبْنِيَّة على الْعلم بالشَّيْء عَن حُصُول صُورَة مُسَاوِيَة لماهية الْمَعْلُوم فِي نفس الْعَالم وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل للوجوه الَّتِي نذكرها هُنَاكَ
وَأَيْضًا فَلَو سلمنَا لكم ذَلِك كَانَ من أظهر الْأَدِلَّة على بطلَان قَوْلكُم فَإِن هَذِه الصُّورَة إِذا كَانَت حَالَة فِي جَوْهَر النَّفس الناطقة فَهِيَ صُورَة جزئية حَالَة فِي نفس جزئية تقارنها سَائِر الْأَعْرَاض الْحَالة فِي تِلْكَ النَّفس الْجُزْئِيَّة فَإِذا اعْتبرنَا تِلْكَ الصُّورَة مَعَ جملَة هَذِه اللواحق لم تكن صُورَة مُجَرّدَة بل مقرونة بلواحق وعوارض وَذَلِكَ يمْنَع كليتها
فَإِن قُلْتُمْ المُرَاد بِكَوْنِهَا كُلية إِنَّا إِذا حذفنا عَنْهَا تِلْكَ اللواحق واعتبرناها من حَيْثُ هى هِيَ كَانَت كُلية قُلْنَا لكم فَإِذا جَازَ هَذَا فَلم لَا يجوز أَن يُقَال هَذِه الصُّورَة حَالَة فِي مَادَّة جسمانية مَخْصُوصَة بِمِقْدَار معِين وَبِكُل معِين إِلَّا أَنا حذفنا عَنْهَا ذَلِك واعتبرناها من حَيْثُ هِيَ هِيَ كَانَت بِمَنْزِلَة تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي فعلنَا بهَا ذَلِك فالمعين فِي مُقَابلَة الْمعِين الْمُطلق الْمَأْخُوذ من حَيْثُ هُوَ هُوَ فِي مُقَابلَة مَحَله الْمُطلق وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُول الَّذِي شهِدت بِهِ الْعُقُول الصَّحِيحَة وَالْمِيزَان الصَّحِيح فَظهر أَن هَذِه الشُّبْهَة من أفسد الشّبَه وأبطلها وَإِنَّمَا أَتَى الْقَوْم من الكليات فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي خربَتْ دُورهمْ وأفسدت نظرهم ومناظرهم فَإِنَّهُم جردوا أمورا كُلية لَا وجود لَهَا فِي الْخَارِج ثمَّ حكمُوا عَلَيْهَا بِأَحْكَام الموجودات وجعلوها ميزانا وأصلا للموجودات
فَإِذا جردوا صور المعلومات وجعلوها كُلية جردنا نَحن محلهَا وجعلناه كليا وَإِن أخذُوا جزئية مُعينَة فمحلها كَذَلِك فالكلى فِي مُقَابلَة الكلى والجزئي فِي مُقَابلَة الجزئي
على أَنا نقُول لَيْسَ فِي الذِّهْن كلى وَإِنَّمَا فِي الذِّهْن صُورَة مُعينَة مشخصة منطبعة على سَائِر أفرادها فَإِن سميت كُلية بِهَذَا الِاعْتِبَار فَلَا مشاحة فِي الْأَلْفَاظ وَهِي كُلية وجزئية باعتبارين