أَحدهمَا أَنه قد ذهب إِلَى ذَلِك بعض الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم قَالَ القَاضِي وَكَلَام أَحْمد لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالْمَيتِ فانه قَالَ يفعل الْخَيْر وَيجْعَل نصفه لِأَبِيهِ وَأمه وَلم يفرق وَاعْترض عَلَيْهِ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَقَالَ هَذَا فِيهِ بعد وَهُوَ تلاعب بِالشَّرْعِ وَتصرف فِي أَمَانَة الله واسجال على الله سُبْحَانَهُ بِثَوَاب على عمل يَفْعَله إِلَى غَيره وَبعد الْمَوْت قد جعل لنا طَرِيقا إِلَى إِيصَال النَّفْع كالاستغفار وَالصَّلَاة على الْمَيِّت
[ ١٣٠ ]
ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا وَهُوَ فَإِن قيل أَلَيْسَ قَضَاء الدّين وَتحمل الْكل حَال الْحَيَاة كقضائه بعد الْمَوْت فقد اسْتَوَى ضَمَان الْحَيَاة وَضَمان الْمَوْت فِي أَنَّهُمَا يزيلان الْمُطَالبَة عَنهُ فَإِذا وصل قَضَاء الدُّيُون بعد الْمَوْت وَحَال الْحَيَاة فإجعلوا ثَوَاب الإهداء واصلا حَال الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت
وَأجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا وَجب أَن تكون الذُّنُوب تكفر عَن الْحَيّ بتوبة غَيره عَنهُ ويندفع عَنهُ مآثم الْآخِرَة بِعَمَل غَيره واستغفاره
قلت وَهَذَا لَا يلْزم بل طرد ذَلِك انْتِفَاع الْحَيّ بِدُعَاء غَيره لَهُ واستغفاره لَهُ وَتصدقه عَنهُ وَقَضَاء دُيُونه وَهَذَا حق وَقد أذن النَّبِي فِي أَدَاء فَرِيضَة الْحَج عَن الْحَيّ المعضوب وَالْعَاجِز وهما حَيَّان
وَقد أجَاب غَيره من الْأَصْحَاب بِأَن حَال الْحَيَاة لَا نثق بسلامة الْعَاقِبَة خوفًا أَن يرْتَد المهدى لَهُ فَلَا ينْتَفع بِمَا يهدى إِلَيْهِ
قَالَ ابْن عقيل وَهَذَا عذر بَاطِل بإهداء الْحَيّ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن أَن يرْتَد وَيَمُوت فيحبط عمله وَمن جملَته ثَوَاب مَا أهْدى إِلَى الْمَيِّت
قلت هَذَا لَا يلْزمهُم وموارد النَّص وَالْإِجْمَاع تبطله وترده فان النَّبِي أذن فِي الْحَج وَالصَّوْم عَن الْمَيِّت وَأجْمع النَّاس على بَرَاءَة ذمَّته من الدّين إِذا قَضَاهُ عَنهُ الْحَيّ مَعَ وجود مَا ذكر من الِاحْتِمَال
وَالْجَوَاب أَن يُقَال مَا أهداه من أَعمال الْبر إِلَى الْمَيِّت فقد صَار ملكا لَهُ فَلَا يبطل بردة فَاعله بعد خُرُوجه عَن ملكه كتصرفاته الَّتِي تصرفها قبل الرِّدَّة من عتق وَكَفَّارَة بل لَو حج عَن معضوب ثمَّ ارْتَدَّ بعد ذَلِك لم يلْزم المعضوب أَن يُقيم غَيره يحجّ عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤمن فِي الثَّانِي وَالثَّالِث ذَلِك
على أَن الْفرق بَين الْحَيّ وَالْمَيِّت أَن الْحَيّ لَيْسَ بمحتاج كحاجة الْمَيِّت إِذْ يُمكنهُ أَن يُبَاشر ذَلِك الْعَمَل أَو نَظِيره فَعَلَيهِ اكْتِسَاب الثَّوَاب بِنَفسِهِ وسعيه بِخِلَاف الْمَيِّت
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اتكال بعض الْأَحْيَاء على بعض وَهَذِه مفْسدَة كَبِيرَة فان أَرْبَاب الْأَمْوَال إِذا فَهموا ذَلِك واستشعروه استأجروا من يفعل ذَلِك عَنْهُم فَتَصِير الطَّاعَات معاوضات وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى إِسْقَاط الْعِبَادَات والنوافل وَيصير مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله يتَقرَّب بِهِ إِلَى الْآدَمِيّين فَيخرج عَن الْإِخْلَاص فَلَا يحصل الثَّوَاب لوَاحِد مِنْهُمَا
[ ١٣١ ]
وَنحن نمْنَع من أَخذ الْأُجْرَة على كل قربَة ونحبط بِأخذ الْأجر عَلَيْهَا كالقضاء والفتيا وَتَعْلِيم الْعلم وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَغَيرهَا فَلَا يثيب الله عَلَيْهَا إِلَّا لمخلص اخلص الْعَمَل لوجهه فَإِذا فعله للأجرة لم يثب عَلَيْهِ الْفَاعِل وَلَا الْمُسْتَأْجر فَلَا يَلِيق بمحاسن الشَّرْع أَن يَجْعَل الْعِبَادَات الْخَالِصَة لَهُ معاملات تقصد بهَا الْمُعَاوَضَات والإكساب الدُّنْيَوِيَّة وَفَارق قَضَاء الدُّيُون وضمانها فَإِنَّهَا حُقُوق الْآدَمِيّين يَنُوب بَعضهم فِيهَا عَن بعض فَلذَلِك جَازَت فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَوْت