حَال الْأَرْوَاح من الْقُوَّة والضعف وَالْكبر والصغر فللروح الْعَظِيمَة الْكَبِيرَة من ذَلِك مَا لَيْسَ لمن هُوَ دونهَا وَأَنت ترى أَحْكَام الْأَرْوَاح فِي الدُّنْيَا كَيفَ تَتَفَاوَت أعظم تفَاوت بِحَسب تفارق الْأَرْوَاح فِي كيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لَهَا فللروح الْمُطلقَة من أسر الْبدن وعلائقه وعوائقه من التَّصَرُّف وَالْقُوَّة والنفاذ والهمة وَسُرْعَة الصعُود إِلَى الله والتعلق بِاللَّه مَا لَيْسَ للروح المهينة المحبوسة فِي علائق الْبدن وعوائقه فَذا كَانَ هَذَا وَهِي محبوسة فِي بدنهَا فَكيف إِذا تجردت
[ ١٠٢ ]
وفارقته وَاجْتمعت فِيهَا قواها وَكَانَت فِي أصل شَأْنهَا روحا علية زكيه كَبِيرَة ذَات همة عالية فَهَذِهِ لَهَا بعد مُفَارقَة الْبدن شَأْن آخر وَفعل آخر
وَقد تَوَاتَرَتْ الرُّؤْيَا فِي أَصْنَاف بنى آدم على فعل الْأَرْوَاح بعد مَوتهَا مَا لَا تقدر على مثله حَال اتصالها بِالْبدنِ من هزيمَة الجيوش الْكَثِيرَة بِالْوَاحِدِ والاثنين وَالْعدَد الْقَلِيل وَنَحْو ذَلِك وَكم قد رئى النَّبِي وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر فِي النّوم قد هزمت أَرْوَاحهم عَسَاكِر الْكفْر وَالظُّلم فَإِذا بجيوشهم مغلوبة مَكْسُورَة مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وعددهم وَضعف الْمُؤمنِينَ وقلتهم
وَمن الْعجب أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ المتحابين المتعارفين تتلاقى وَبَينهَا أعظم مَسَافَة وأبعدها فتتألم وتتعارف فَيعرف بَعْضهَا بَعْضًا كَأَنَّهُ جليسه وعشيرة فَإِذا رَآهُ طابق ذَلِك مَا كَانَ عَرفته روحه قبل رُؤْيَته
قَالَ عبد الله بن عَمْرو ان أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تتلاقى على مسيرَة يَوْم وَمَا أرى أَحدهمَا صَاحبه قطّ وَرَفعه بَعضهم إِلَى النَّبِي
وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد إِذا نَام الْإِنْسَان فان لَهُ سَببا يجرى فِيهِ الرّوح وَأَصله فِي الْجَسَد فتبلغ حَيْثُ شَاءَ الله مَا دَامَ ذَاهِبًا فالإنسان نَائِم فَإِذا رَجَعَ إِلَى الْبدن انتبه الْإِنْسَان وَكَانَ بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس الَّذِي هُوَ سَاقِط بِالْأَرْضِ فأصله مُتَّصِل بالشمس وَقد ذكر أَبُو عبد الله بن مَنْدَه عَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ إِن الرّوح يَمْتَد من منخر الْإِنْسَان ومركبه وَأَصله فِي بدنه فَلَو خرج الرّوح بِالْكُلِّيَّةِ لمات كَمَا أَن السراج لَو فرق بَينه وَبَين الفتيلة أَلا ترى أَن مركب النَّار فِي الفتيلة وضؤوها وشعاعها يمْلَأ الْبَيْت فَكَذَلِك الرّوح تمتد من منخر الْإِنْسَان فِي مَنَامه حَتَّى تأتى السَّمَاء وتجول فِي الْبلدَانِ وتلتقي مَعَ أَرْوَاح الْمَوْتَى فَإِذا أرَاهُ الْملك الْمُوكل بأرواح الْعباد مَا أحب أَن يرِيه وَكَانَ المرئي فِي الْيَقَظَة عَاقِلا ذكيا صَدُوقًا لَا يلْتَفت فِي يقظته إِلَى شَيْء من الْبَاطِل رَجَعَ إِلَيْهِ روحه فَأدى إِلَى قلبه الصدْق مِمَّا أرَاهُ الله ﷿ على حسب خلقه وَإِن كَانَ خَفِيفا نزقا يحب الْبَاطِل وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَإِذا نَام وَأرَاهُ الله أمرا من خيرا وَشر رجعت روحه إِلَيْهِ فَحَيْثُ مَا رَأْي شَيْئا من مخاريق الشَّيْطَان أَو الْبَاطِل وقفت روحه عَلَيْهِ كَمَا تقف فِي يقظته فَكَذَلِك لَا يُؤدى إِلَى قلبه فَلَا يعقل مَا رَأْي لِأَنَّهُ خلط الْحق بِالْبَاطِلِ فَلَا يُمكن معبر أَن يعبر لَهُ وَقد خلط الْحق بِالْبَاطِلِ
[ ١٠٣ ]
وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَهُوَ دَلِيل على معرفَة قَائِله وبصيرته بالأرواح وأحكامها
وَأَنت ترى الرجل يسمع الْعلم وَالْحكمَة وَمَا هُوَ أَنْفَع شَيْء لَهُ ثمَّ يمر بباطل وَلَهو من غناء أَو شُبْهَة أَو زور أَو غَيره فيصغي إِلَيْهِ وَيفتح لَهُ قلبه حَتَّى يتَأَدَّى إِلَيْهِ فيتخبط عَلَيْهِ ذَلِك الَّذِي سَمعه من الْعلم وَالْحكمَة ويلتبس عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ فَهَكَذَا شَأْن الْأَرْوَاح عِنْد النّوم وَأما بعد الْمُفَارقَة فَإِنَّهَا تعذب بِتِلْكَ الاعتقادات والشه الْبَاطِلَة الَّتِي كَانَت حظها حَال اتصالها بِالْبدنِ وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَابهَا بِتِلْكَ الإرادات والشهوات الَّتِي حيل بَينهَا وَبَينهَا وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَاب آخر ينشئه الله لَهَا ولبدنها من الْأَعْمَال الَّتِي اشتركت مَعَه فِيهَا وَهَذِه هِيَ الْمَعيشَة الضنك فِي البرزخ والزاد الَّذِي تزَود بِهِ إِلَيْهِ
وَالروح الزكيه العلوية المحقة الَّتِي لَا تحب الْبَاطِل وَلَا تألفه بضد ذَلِك كُله تنعم بِتِلْكَ الاعتقادات الصَّحِيحَة والعلوم والمعارف الَّتِي تلقتها من مشكاة النُّبُوَّة وَتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سُبْحَانَهُ لَهَا من أَعمالهَا نعيما ينعمها بِهِ فِي البرزخ فَتَصِير لَهَا رَوْضَة من رياض الْجنَّة ولتلك حُفْرَة من حفر النَّار