فهذا موضعٌ قد (^٣) تكلَّم فيه الناس. فقال أبو عبد الله الترمذي (^٤): إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصّةً؛ لأنّ الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبوا كفَّت الرسل، واعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب. فلما بَعث الله محمدًا - ﷺ - بالرحمة أمانًا (^٥) للخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أمسك عنهم العذابَ، وأعطى السيفَ، حتى يدخل في دين الإسلام مَن دخل لمهابة (^٦) السيف، ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فأُمهِلوا. فمِن هاهنا ظهر أمرُ النِّفاق، فكانوا يُسِرُّون الكفر، ويُعلِنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في سِتْر. فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّانَي القبر ليستخرج سرّهم بالسؤال. و﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]،
_________________
(١) ما عدا الأصل: «عشر» بالتذكير. وفي (ن): «الثالثة عشرة» ولم يرد فيها «فصل وأمَّا».
(٢) «وهي» ساقط من (ب، ج). والواو ساقطة من (ط).
(٣) ساقطة من (ب، ط، ن، ج).
(٤) في نوادر الأصول ــ المسندة (١٠٢٠). والمؤلف صادر عن تذكرة القرطبي (٤١٤).
(٥) (ق، ن): «إمامًا»، تصحيف. وفي النوادر: «وأمانًا».
(٦) كان في الأصل: «من مهابة»، ثم ضرب على «من»، ولم تظهر اللام في الصورة. وفي غيره والتذكرة والنوادر ما أثبتنا. ولو قيل: «مهابةَ السيف» لكان صوابًا أيضًا.
[ ١ / ٢٦١ ]
فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وخالف (^١) في ذلك آخرون، منهم عبدُ الحق الإشبيليُّ والقرطبيُّ (^٢)، وقالوا (^٣): السؤال لهذه الأمة ولغيرها (^٤).
وتوقَّف في ذلك آخرون، منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد (^٥) بن ثابت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها» (^٦). ومنهم (^٧) من يرويه: «تُسأل» (^٨). وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خُصَّت بذلك، فهذا (^٩) أمر لا يُقطَع عليه (^١٠).
وقد احتجَّ مَن خصَّه بهذه الأمة بقوله - ﷺ -: «إنَّ هذه الأمة تُبتلى في
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «وخالفه».
(٢) «منهم القرطبي» ساقط من (ب، ج). و«القرطبي» فقط ساقط من (ط).
(٣) (أ، غ): «وقال».
(٤) (ب، ط، ن، ج): «وغيرها». وانظر قول عبد الحق في كتاب العاقبة (٢٤٦). وقد صوَّبه القرطبي في التذكرة (٤١٥).
(٥) (ب، ط، ج): «يزيد». وكان في الأصل أيضًا هكذا ثم أصلح. وقد سبق الحديث في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٠).
(٦) (ب، ط، ج): «قبورهم».
(٧) الواو ساقطة (ب، ط، ن، ج).
(٨) تحرف في (ب، ج) إلى «قال»، ثم زاد قبله في (ط) «يسأل». وفي (ن): «ولا يسأل»، خطأ.
(٩) (ب، ط، ج، ن): «وهذا».
(١٠) التمهيد (٢٢/ ٢٥٣). وانظر تذكرة القرطبي (٤١٤).
[ ١ / ٢٦٢ ]
قبورها»، وبقوله: «أوحي إليَّ أنَّكم تُفتَنون في قبوركم» (^١). وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة. قالوا: ويَدلُّ عليه قول الملَكين له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول المؤمن: أشهد أنه عبد الله ورسوله (^٢). فهذا خاصٌّ بالنبي - ﷺ -. وقوله في الحديث الآخر: «إنّكم بي تُمتَحنون، وعنّي تُسألون» (^٣).
وقال الآخرون: لا يدلُّ هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر الأمم، فإنّ قوله: «إنّ (^٤) هذه الأمة» إما أن يراد به أمّة الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] وكلُّ جنس من أجناس الحيوان يُسمَّى أمّةً، وفي الحديث: «لولا أنّ الكلاب أمةٌ من الأمم لأمَرْتُ بقتلها (^٥)» (^٦). وفيه أيضًا حديث النبي الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٦) ومسلم (٥٠٥) من حديث أسماء.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قطعة من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد (٢٥٠٨٩)، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» (٣٧، ٣٨) من حديث عائشة ﵂، بلفظ: «وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تُسألون». وكذا رواه إسحاق بن راهويه (١١٧٠، مسند عائشة) بلفظ: «وأما فتنة القبر فإنهم يسألون عني». وصحَّح إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٥١٨٤). (قالمي)
(٤) ساقطة من (ب، ط، ج).
(٥) (أ، غ): «بقتلهم».
(٦) أخرجه أبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (٤٢٨٠)، وابن ماجه (٣٢٠٥)، وأحمد (٦٧٨٨)، وابن حبان (٥٦٥٧) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل ﵁. وإسناده صحيح. والحسن صرَّح بالتحديث عند ابن حبان (٥٦٥٦) من وجه آخر. (قالمي)
[ ١ / ٢٦٣ ]
قرصته نملةٌ، فأمَرَ بقرية النمل، فأُحرِقت، فأوحى الله إليه (^١): من أجل أن قرصتك (^٢) نملةٌ واحدةٌ [٥٦ ب] أحرقْتَ أمّةً من الأمم تسبِّح (^٣)؟
وإن كان المراد به أمته - ﷺ - الذين (^٤) بُعِث فيهم، لم يكن فيه ما ينفي سؤالَ غيرهم من الأمم؛ بل قد يكون ذكرُهم إخبارًا بأنهم مسؤولون (^٥) في قبورهم، وأنَّ ذلك لا يختصُّ بمن قَبْلَهم لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم.
وكذلك قوله - ﷺ -: «أوحي إلي أنّكم تُفتنون في قبوركم»، وكذلك إخباره عن قول الملكين: «ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟» هو إخبارٌ لأمته بما تُمتَحن به في قبورها.
والظاهر ــ والله أعلم ــ أنّ كلَّ نبيٍّ (^٦) مع أمته كذلك، وأنَّهم معذَّبون (^٧) في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامةِ الحجّة عليهم، كما يعذَّبون في الآخرة بعد السؤال (^٨) وإقامة الحجَّة (^٩)، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) «إليه» ساقط من (ن).
(٢) «أن قرصتك» ساقط من (ب).
(٣) أخرجه البخاري (٣٠١٩) من حديث أبي هريرة.
(٤) (ق، غ): «الذي». وكذا كان في الأصل، فأصلح.
(٥) الأصل: «مساولون». يعني: مساءلون.
(٦) في (ب، ط) زيادة: «أرسل».
(٧) (ط): «يعذبون».
(٨) في (ط، ن) زيادة: «لهم».
(٩) في (ب، ط، ن) زيادة: «عليهم». وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٠): «ظاهر الأحاديث الأول، وبه جزم الحكيم الترمذي وجنح ابن القيم إلى الثاني. وقال » فنقل جوابه. وانظر تلخيص المسألة من كتابنا هذا في شرح الطحاوية (٣٩٧).
[ ١ / ٢٦٤ ]