فصل
الأمر الخامس (^١): أنَّ النار التي في القبر والخُضْرة (^٢) ليست (^٣) من نار الدنيا ولا من (^٤) زرع الدنيا، فيشاهدَه مَن شاهد نار الدنيا وخُضرَتها. وإنما هي (^٥) من نار الآخرة وخضرتها، وهي (^٦) أشدُّ من نار الدنيا. ولا يحسُّ به أهل الدنيا، فإن الله سبحانه يُحْمي عليه ذلك الترابَ والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظمَ حرًّا من جمر الدنيا. ولو مسَّها أهل الدنيا لم يحسُّوا بذلك.
بل أعجبُ من هذا أنَّ الرجلين يُدفنان، أحدُهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حُفَر النار، لا يصل حرُّها إلى جاره. وذلك في روضة من رياض الجنة، لا يصل رَوْحُها ونعيمُها إلى جاره.
وقدرة الربِّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك. وقد أرانا من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجبُ من ذلك بكثير، ولكنَّ النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تُحِط به علمًا، إلا من وفَّقه الله وعصمه. فيفرَش للكافر لوحان من نار، يشتعل عليه قبرُه بهما كما يشتعل التنور. فإذا شاء الله سبحانه أن يُطلِع على ذلك بعضَ عَبيده (^٧) أطلعه، وغيَّبه عن غيره؛ إذ لو اطَّلع عليه العباد
_________________
(١) لخَّصه شارح الطحاوية (٣٩٦) دون إشارة إلى المصنف.
(٢) في (ب، ج) هنا وفيما يلي: «خَضِر» مكان «الخضرة».
(٣) (ب، ط): «ليس».
(٤) هنا وقع خرم كبير في (ز) امتدَّ إلى المسألة التاسعة عشرة.
(٥) (ب، ط، ج): «هو».
(٦) (أ، ب، ط، ج): «هو».
(٧) (ب، ط، ن، ج): «عباده».
[ ١ / ١٩٢ ]
كلُّهم لزالت حكمةُ (^١) التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافَنَ الناس، كما في الصحيح (^٢) عنه - ﷺ -: «لولا أن تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر [٤٣ أ] ما أسمع».
ولما كانت هذه الحكمة منفيَّةً في حقّ البهائم سمعت ذلك وأدركته (^٣)، كما حادت برسول الله - ﷺ - بغلتُه، وكادت تُلقِيه لمّا مرَّ بمن يُعذب في قبره (^٤).
وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرُّزَيز (^٥) الحَرَّانيُّ أنه خرج من
_________________
(١) في جميع النسخ: «كلمة» غير الأصل التي يحتمل رسمها قراءة «حكمة»، وهي الصواب.
(٢) (أ، ق، غ): «الصحيحين» والحديث في صحيح مسلم، وقد سبق.
(٣) (ق): «فأدركته».
(٤) جزء من الحديث السابق.
(٥) كذا في (أ، غ) بالراء والزاي مكررةً. وضبط بعض قراء (غ) بضم الراء وفتح الزاي مصغَّرًا. وهذا هو الصواب. وقد نصّ عليه في تبصير المنتبه (٦٤٢) وتوضيح المشتبه (٤/ ٢٩٤). وفي (ق): «رزين». وفي النسخ الأخرى والبداية والنهاية (١٨/ ١٧٩، ٤٥٨) والدارس (٢/ ٤١٧، ٤١٨): «الوزير»، وكلاهما تصحيف. وهو محمد بن عبد الواحد بن يوسف الحرّاني الآمدي (في البداية والنهاية: «الأسدي»، تحريف) الحنبلي. نعته ابن كثير بـ «الإمام العالم العابد الناسك الصالح خطيب الجامع الكريمي بالقُبيبات»، وأرخ وفاته في ١٧ شعبان من سنة ٧٤٣. وقد ضبط في السحب الوابلة (٩٩٤): «الرَّزيز» مكبّرًا، وقال محققه: «ولم أجده في مصدر آخر ــ يعني غير الدرر الكامنة (٤/ ٣٥) - لذا لا نحسن ضبط الرزيز» ومن ثم لم يقف على الصواب في تاريخ وفاته أيضًا، فاكتفى بالنقل من حاشية الدرر: «مات في رجب سنة ٧٩٦ هـ» مع التنبيه على أن الحافظ لم يذكره في وفياتها في إنباء الغمر.
[ ١ / ١٩٣ ]
داره بعد العصر بآمِدَ إلى بستانٍ. قال: فلمّا كان قبل غروب الشمس توسطتُ (^١) القبورَ، فإذا بقبر منها، وهو جمرةُ نار مثلُ كُور الزجَّاج (^٢)، والميتُ في وسطه. فجعلتُ (^٣) أمسح عينيَّ، وأقول: أنائم أنا أم يقظانُ؟ قال: ثم التفتُّ إلى سور المدينة، وقلت: والله ما أنا بنائم. ثم ذهبت إلى أهلي، وأنا مدهوشٌ، فأتَوْني بطعام، فلم أستطع أن آكلُ. ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مَكَّاسٌ قد توفِّي ذلك اليوم (^٤).
فرؤيةُ هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجنِّ تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يُريه ذلك.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا في «كتاب القبور» (^٥) عن الشعبي أنّه ذكر
_________________
(١) (أ، غ): «توسط».
(٢) ضبطه من (غ). وكور الزجّاج: مَوقده لصهر الزجاج.
(٣) (ب، ط، ج): «وجعلت».
(٤) (ن): في ذلك اليوم. وقد نقل الحكاية من كتابنا هذا ابن رجب في أهوال القبور (٦٩).
(٥) برقم (٩٢)، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٨٩، ٩٠)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد الهمداني فيه ضعف، وهو مرسل. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧٨) بسنده عن مسلم (وهو ابن صُبَيْح أبو الضُّحى) نحوه ورجاله ثقات وهو مرسل أيضًا. وجاء موصولًا عن ابن عمر ﵄، رواه الطبراني في الأوسط (٦٥٦٠)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٧٣٩) من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مالك بن مغول، عن نافع عن ابن عمر قال: «بينا أنا أسير، بجنبات بدر إذ خرج رجل من الأرض » فذكره بنحوه، وفي سنده عبد الله بن محمد بن المغيرة الكوفي نزيل مصر، له ترجمة في لسان الميزان (٣/ ٣٣٢) قال أبو حاتم: «ليس بقوي»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابع عليه». لكنه توبع على هذا الحديث، فرواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٥٣) من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر. وإسناده لا بأس به في المتابعات. وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن لغيره. والله أعلم. (قالمي).
[ ١ / ١٩٤ ]
رجلًا (^١) قال للنبي - ﷺ -: مررتُ ببدر، فرأيت رجلًا يخرج من الأرض، فيضربُه رجلٌ بمِقْمعة حتى يغيبَ في الأرض؛ ثم يخرج، فيفعل به ذلك. فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك أبو جهل بن هشام يُعذَّب إلى يوم القيامة».
وذكر (^٢) من حديث حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة، وأنا مُحقِبٌ (^٣) إداوةً، إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارجٌ من قبره يلتهب نارًا، وفي عنقه سلسلةٌ يجرُّها. فقال: يا عبد الله انضَحْ، يا عبد الله انضح (^٤). فوالله ما أدري أعرفني باسمي، أم كما يدعو الناس. قال: فخرج آخَرُ فقال: لا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح. ثم اجتذب السلسلة، فأعاده في قبره.
وقال ابن أبي الدنيا (^٥): وحدَّثني أبي، ثنا موسى بن داود، ثنا حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: بينما راكبٌ يسير بين مكة والمدينة،
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «الشعبي أن رجلًا».
(٢) في كتاب القبور (٩٣).
(٣) (ن): «محتقب»، وهو بمعناه.
(٤) هذه الجملة هنا وفيما يأتي وردت في (ن) مرة واحدة. ظنّها ناسخها مكررةً. ثم فيها في الموضعين: «يا أبا عبد الله» وهو غلط. نبَّه عليه بعض القراء في حاشية النسخة.
(٥) في كتاب القبور (٩٥).
[ ١ / ١٩٥ ]
إذ مرَّ بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره، يلتهبُ نارًا، مصفَّدًا في الحديد، فقال: يا عبد الله انضح، يا عبد الله انضح، قال: وخرج [٤٣ ب] آخرُ يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح. قال: وغُشِي على الراكب، وعَدَلتْ به راحلته إلى العَرْج (^١). قال: وأصبح قد (^٢) ابيضَّ شعره. فأُخبِر عثمانُ بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحدَه.
وذكر (^٣) من حديث سفيان، حدثنا داود بن شابور (^٤)، عن أبي قَزَعة (^٥) قال: مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيقُ؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا، كانت أمه (^٦) تكلِّمه بالشيء، فيقول لها: انهقي نهيقَك. فلما مات سُمِع هذا النهيقُ من قبره كلَّ ليلة.
وذكر (^٧) أيضًا عن عمرو بن دينار قال: كان رجلٌ من أهل المدينة، وكانت له أخت في ناحية المدينة، فاشتكت، وكان يأتيها يعودها. ثم ماتت، فدفنها. فلما رجع ذكَر أنه نسي شيئًا في القبر (^٨) كان معه، فاستعان برجل من
_________________
(١) واد في طريق الحاج القديم بين مكة والمدينة، ويقع على بعد ١١٣ كِيلا من المدينة. معجم المعالم الجغرافية في السيرة (٢٠٣).
(٢) (ب، ط، ن، ج): «وقد».
(٣) في كتاب القبور (٩٦) ومن عاش بعد الموت (٢٦).
(٤) ما عدا الأصل: بالسين المهملة.
(٥) في كتاب القبور زيادة: «رجل من أهل البصرة، عنه أو عن رجل». وفي كتاب من عاش: « عنه أو عن غيره».
(٦) في (أ، غ): «له أمّ»، وهو مستدرك في حاشية الأصل. وفي (ط): «امرأته»، تحريف.
(٧) في كتاب القبور (٩٧). وأخرجه أيضًا في كتاب الوَرع (٨٤).
(٨) (ب، ط): «قبرها».
[ ١ / ١٩٦ ]
أصحابه. قال: فنبشنا (^١) القبر، ووجدتُ (^٢) ذلك المتاع. فقال للرجل: تنحَّ، حتَّى أنظر على أي حال أختي؟ فرفع بعضَ ما على اللحد؟ فإذا القبر مشتعلٌ نارًا، فردَّه، وسوَّى القبر. فرجع إلى أمه، فقال: ما كان حال أختي؟ فقالت: ما تسألُ عنها، وقد هلكتْ؟ فقال: لَتُخْبِرِنِّي (^٣). قالت: كانت تؤخِّر الصلاة، ولا تصلِّي فيما أظنّ بوضوء؛ وتأتي أبواب الجيران، فتُلْقِمُ أذنهَا أبوابَهم، وتُخرِج حديثهم.
وذَكر (^٤) عن حصين الأسدي قال: سمعت مَرثَد بن حَوشَب قال: كنتُ جالسًا عند يوسف بن عمر، وإلى جنبه رجل كأنَّ شُقَّة وجهه صفحةٌ من حديد. فقال له يوسف: حدِّث مرثدًا بما رأيت. فقال: كنت شابًّا قد أتيتُ هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرجُ إلى ثغر من هذه الثغور. ثم رأيت أن أحفر القبور، فإنّي لِلَيلةٍ (^٥) بين المغرب والعشاء قد حفرتُ قبرًا، وأنا متكئٌ على تراب قبر آخر، إذ جيء (^٦) بجنازة رجلٍ حتى دُفن في ذلك القبر، وسوَّوا عليه. فأقبل طيران أبيضان من المغرب مثلُ البعيرين حتَّى سقط أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه. ثم أثاراه، ثم تدلَّى أحدهما في القبر، والآخر على شفيره. فجئت حتى [٤٤ أ] جلست على شفير القبر، وكنتُ رجلًا لا يملأ جوفي شيءٌ. قال: فسمعته يقول: ألستَ الزائرَ أصهارَك في
_________________
(١) (ط): «نبشنا». (ب): «فنبشا».
(٢) (ط): «ووجدنا». (ن): «فوجدنا». (ب): «ووجدا».
(٣) (ق، ن، غ): «لتخبريني».
(٤) في كتاب القبور (٩٨).
(٥) (ق، ن، ج): «الليلة». وفي كتاب القبور: «فإذا بي بليلة».
(٦) (ق): «جاءوا».
[ ١ / ١٩٧ ]
ثوبين مُمَصَّرين تسحبُهما (^١) كِبْرًا، تمشي الخيلاء؟ فقال: أنا أضعف من ذلك (^٢). قال: فضربه ضربةً امتلأ القبر حتى فاض ماءً ودُهنًا. ثم عاد، فأعاد عليه القول، حتى ضربه ثلاث ضربات، كلَّ ذلك يقول ذلك. ويذكر أنّ القبر يفيض ماءً ودهنًا. قال: ثم رفع رأسه، فنظر إليَّ، فقال: انظر (^٣)، أين هو جالس نكَّسه (^٤) الله! قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطتُ. فمكثتُ ليلتي حتّى أصبحت. قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر، فإذا هو على حاله.
فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي هو نار تأجَّجُ للميِّت، كما أخبر النبي - ﷺ - عن الدجّال: أنه يأتي معه بماء ونار، فالنار ماء بارد، والماء نار تأجَّجُ (^٥).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٦) أنَّ رجلًا سأل أبا إسحاق الفزاريَّ عن النَّباش: هل له توبة؟ فقال: نعَم إن صحَّت نيته، وعلم الله منه الصدقَ. فقال له الرجل: كنت أنبُش القبور، وكنت أجد قومًا وجوهُهم لغير القِبلة. فلم يكن عند الفزاريِّ في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك، فكتب إليه
_________________
(١) (ق): «بمصرين». وفي (ب، ط): «نسجتهما». وكلاهما تصحيف. وثوب ممصَّر: مصبوغ بالطين الأحمر أو بحمرة خفيفة.
(٢) «فقال ذلك» ساقط من (ن).
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «انظروا».
(٤) (ن): «ثبَّتَه». وفي غيرها: «بلسه» وتصحيحه من كتاب القبور، وشرح الصدور (١٣٨).
(٥) أخرجه البخاري (٣٤٥٠) من حديث حذيفة بن اليمان.
(٦) في كتاب القبور (٩٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
الأوزاعي: تُقبَل توبتُه (^١) إذا صحَّت نيته، وعلم الله الصدق من قلبه. وأما قوله: إنَّه كان يجد قومًا وجوههم لغير القبلة، فأولئك قوم ماتوا على غير السنّة.
وقال ابن أبي الدنيا (^٢): حدَّثني عبد المؤمن بن عبد الله بن عيسى القيسي أنه قيل لنبّاشٍ قد تاب: ما أعجبُ ما رأيتَ؟ قال: نبشتُ رجلًا. قال (^٣): فإذا هو مسمَّر بالمسامير في سائر جسده، ومسمارٌ كبير في رأسه، وآخرُ في رجليه.
قال (^٤): وقيل لنبَّاشٍ آخر: ما أعجبُ ما رأيتَ؟ قال: رأيتُ جمجمةَ إنسانٍ مصبوبٌ (^٥) فيها رصاص (^٦).
قال (^٧): وقيل لنبَّاشٍ آخرَ: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامَّةُ مَن كنت أنبُش، كنتُ أراه محوَّلَ الوجه عن القبلة.
قلتُ: وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد ابن مُنتاب السَّلامي (^٨)،
_________________
(١) «توبته» ساقط من (ق).
(٢) في كتاب القبور (١٠٠).
(٣) من (أ، ق، غ).
(٤) هذا الخبر ساقط من كتاب القبور المطبوع.
(٥) كذا ضبط في (غ). وفي شرح الصدور (٢٣٨): «مصبوبًا».
(٦) (ق، ب، ج): «رصاصًا».
(٧) وقد عزاه إليه ابن رجب في أهوال القبور (٦٨) وهو ساقط من كتاب القبور المطبوع.
(٨) هو محمد بن داود بن محمد بن منتاب، شمس الدين أبو عبد الله الموصلي السلامي الشافعي التاجر. قال الذهبي: قلّ أن رأيت مثله في الدين والمحاسن والوقار والإيثار. وقف كتبًا كبارًا بدمشق وبغداد. توفي بدمشق سنة ٧٢٨. أعيان العصر (٤/ ٤٣٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٤٣٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
وكان من خيار عباد الله، وكان يتحرَّى [٤٤ ب] الصدق. قال: جاء رجل إلى سوق الحدَّادين ببغداد، فباع مساميرَ صغارًا، المسمارُ برأسين. فأخذها الحدَّاد، وجعل يُحْمي عليها، فلا تلينُ معه حتى عجَز عن ضربها. فطلب البائعَ، فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟ فقال: لقيتُها. فلم يزل به حتَّى أخبره أنه (^١) وجد قبرًا مفتوحًا، وفيه عظامُ ميِّتٍ منظومةٌ بهذه المسامير. قال: فعالجتُها على أن أُخرِجها، فلم أقدر، فأخذتُ حجرًا، فكسرتُ عظامه، وجمعتُها. قال: وأنا رأيت تلك المسامير. قلت له: فكيف صفتها؟ قال: المسمار صغير برأسين (^٢).
قال ابن أبي الدنيا (^٣): وحدَّثني أبي، عن أبي الحَريش (^٤)، عن أمِّه قالت (^٥): لما حفر أبو جعفر (^٦) خندقَ الكوفة حوَّل الناسُ موتاهم، فرأينا
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «بأنه»
(٢) نقله من كتاب الروح: ابن رجب في أهوال القبور (٦٨) وعلَّق عليه بقوله: «هذه الحكاية مشهورة ببغداد، وقد سمعتها وأنا صبي ببغداد، وهي مستفيضة بين أهلها». ونقله أيضًا السيوطي في شرح الصدور (٢٤٥). وتحرّف «منتاب» في الكتابين إلى «سنان».
(٣) في كتاب القبور (١٠٢).
(٤) كذا في (ن). وفي (ط): «الحرس». وفي (غ) بالجيم. وفي النسخ الأخرى: «الحريس». وفي مطبوعة القبور وشرح الصدور: «الجريش».
(٥) ما عدا (ق): «عن أبيه قال». والمثبت موافق لما في كتاب القبور وشرح الصدور (٢٣٨)، والأهوال (٦٨). ويظهر أنه كان كذا في الأصل، فغيَّره بعضهم.
(٦) تعني: المنصور الخليفة، وقد أمر بحفر خندق الكوفة سنة ١٥٥. البداية والنهاية (١٣/ ٤٣٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
شابًّا ممن حُوِّل عاضًّا على يديه.
وذكر (^١) عن سِمَاك بن حرب قال: مرَّ أبو الدرداء بين القبور، فقال: ما أسكَنَ ظواهرَك، وفي دواخلك (^٢) الدواهي!
وقال ثابت البُنَاني: بينا أنا أمشي في المقابر، وإذا صوتٌ خلفي (^٣)، وهو يقول: يا ثابتُ، لا يغرَّنَّك سكوتُها (^٤)، فكم من مغمومٍ فيها! فالتفتُّ فلم أر أحدًا (^٥).
ومرَّ الحسن على مقبرة، فقال: يا لهم من عسكر، ما أسكتهم (^٦)! وكم فيهم من مكروب (^٧)!
وذكر ابن أبي الدنيا (^٨) أنّ عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك: يا مسلمةُ، مَن دفن أباك؟ قال: مولاي فلان. قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان. قال: فأنا أحدِّثك ما حدَّثني به: إنه لما دفَن أباك والوليدَ، فوضعهما في قبورهما، وذهب ليحُلَّ العقد عنهما= وجد وجوههما قد حُوِّلت في أقفيتهما. فانظر يا مسلمة، إذا أنا مِتُّ فالتمس وجهي، فانظر:
_________________
(١) في كتاب القبور (١٠١).
(٢) (ب، ق، ن): «داخلك». وكان في الأصل: «دواخلك»، فضرب بعضهم على الواو.
(٣) (ب، ج): «خفي»، تحريف.
(٤) (ق، ط): «سكونها».
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٠٧، ١٤) والهواتف (٤٥).
(٦) (ق، ب، ط): «أسكنهم». وفي الأهوال (١٣٠): «يسكتهم».
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٠٨).
(٨) في كتاب القبور (١٢٣).
[ ١ / ٢٠١ ]
هل نزل بي ما نزل بالقوم، أوْ هل عوفيتُ من ذلك؟ قال مسلمة: فلما مات عمر وضعته في قبره، فلمست وجهه، فإذا هو مكانه.
وذكر ابن أبي الدنيا (^١) عن بعض السلف قال: ماتت ابنة لي، فأنزلتُها القبر. فذهبتُ أُصلِح اللَّبِنَة، فإذا هي قد حُوِّلت عن القبلة. فاغتممتُ لذلك غمًّا شديدًا، فأُريتُها في النوم، فقالت: يا أبتِ أغتممتَ لِما رأيت؟ فإنَّ عامَّة مَن حولي محوَّلون (^٢) عن القبلة. قال: كأنها تريد الذين ماتوا مُصرِّين على الكبائر.
وقال عمرو بن ميمون: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنتُ فيمن دلَّى الوليدَ بن عبد الملك في قبره، فنظرتُ إلى ركبتيه قد جُمِعتا في عنقه. فقال ابنه: عاش أبي، وربِّ الكعبة! فقلتُ: عُوجِلَ أبوك، وربِّ الكعبة! فاتَّعظ بها عمر بعده (^٣).
وقال عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلَّب لما استعمله (^٤)
على العراق: يا يزيدُ، اتَّقِ الله، فإنّي حين وضعتُ الوليد في لحدِه، فإذا هو
_________________
(١) في كتاب القبور (١٢٥)، قال: حدثني عبد المؤمن، حدثني رجل قال: ماتت ابنة لي إلخ.
(٢) ما عدا (ن): «محوّلين». وكذا في كتاب القبور، فلعل ناسخ (ن) أصلح المتن.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٧).
(٤) الذي في كتاب القبور أن سليمان بن عبد الملك لما استعمل يزيد على العراق وخراسان ودَّعه عمر بن عبد العزيز قائلًا: يا يزيد إلخ. وانظر: تاريخ دمشق (٦٣/ ١٨١). ولعلّ المصنف كتب: «اُستُعمل» مبنيًّا للمجهول، فقرأه الناسخون: استعمله.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يركض (^١) في أكفانه (^٢).
وقال يزيد بن هارون: أبنا هشام بن حسَّان، عن واصلٍ مولى أبي عُيينة (^٣)، عن عَمرو بن هَرِم (^٤) عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فأتاه قوم، فقالوا: إنّا خرجنا حُجَّاجًا، ومعنا صاحبٌ لنا، حتى إذا أتينا ذا الصِّفاح (^٥) مات. فهيأناه، ثم انطلقنا، فحفرنا له، ولحَدْناه (^٦). فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسْودَ قد ملأ اللحد، فحفرنا له آخر، فإذا به قد ملأ لحدَه. فحفرنا آخر، فإذا به. فقال ابن عباس: ذاك الغُلُّ الذي يُغَلُّ به (^٧). انطلقوا، فادفنوه في بعضها. فوالذي نفسي بيده، لو حفرتم
_________________
(١) (ب): «إذا هو يركض». (ق): «فإذا يركض». وفي كتاب القبور: «يرتكض». وفي رواية أخرى في تاريخ دمشق: «اضطرب في أكفانه»، وفيه: «ركض في لحده، أي: ضرب برجله الأرض».
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٦).
(٣) في جميع النسخ: «ابن عيينة»، والصواب ما أثبتنا من كتاب القبور. وانظر: تهذيب التهذيب (١١/ ١٠٥) وغيره.
(٤) في جميع النسخ: «زهدم»، وهو تحريف ما أثبتنا من كتاب العقوبات، وشعب الإيمان (٥٣١١)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائي (١٧٤٢). وهو عمرو بن هرم الأزدي البصري، مات سنة ٢٤٥. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ١١٣).
(٥) كذا في جميع النسخ وكتاب القبور، وغيّره بعضهم في الأصل إلى «ذات» كما في الأهوال (٦٦) وشرح الصدور (٢٣٩). وفي شعب الإيمان وكتاب اللالكائي: «الصفاح»، وهو المعروف. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤١٢).
(٦) (ق): «لحدنا له». وهو ساقط من (ن).
(٧) في شعب الإيمان وكتاب اللالكائي: «ذاك عمله الذي كان يعمل». ولا يبعد أن يكون ما في كتاب القبور تحريفًا لهذا.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الأرضَ كلَّها لوجدتموه فيه (^١)، فانطلقنا فوضعناه في بعضها. فلما رجعنا أتينا أهله بمُتَيِّعٍ (^٢) له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان يعمل زوجك؟ قالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ منه كلَّ يومٍ قوتَ أهله، ثم يقرِضُ القَصَل (^٣) مثلَه (^٤)، فيلقيه فيه (^٥).
وقال ابن أبي الدنيا (^٦): حدثني محمد بن الحسين، قال: حدَّثني أبو إسحاق صاحب الشاء (^٧) قال: دُعيت إلى ميت لأغسِّله، فلما كشفت الثوب
_________________
(١) كذا في جميع النسخ. ولعل المقصود: في لحده. وفي كتاب القبور: «فيها».
(٢) تصغير «متاع».
(٣) وهو ما يخرج من الطعام فيرمى به، ومثله: القُصالة .. قال اللحياني: هي ما يخرج من الطعام، فيرمى به، ثم يُداس الثانيةَ، وذلك إذا كان أجَلَّ من التراب والدقاق قليلًا. انظر: اللسان (١١/ ٥٥٨). وفي كتاب العقوبات: «ثم ينظر مثله من الشعير والقصب، فيقطعه، ويخلطه في طعامه». وفي شعب الإيمان: «ثم ينظر مثله من قصب الشعير». ولعل القصب تحريف القصل.
(٤) (ب، ط): «منه».
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (١٢٨) والعقوبات (٣٣٨).
(٦) في كتاب القبور (١٢٩).
(٧) رسمها في الأصل: «السا» وفوقها تضبيب. وفي الحاشية: «ط» فأثبت صاحبا نشرتي دار ابن تيمية ودار ابن كثير «الشاط». والظاهر أنها «ظ» المعجمة وهو رمز معروف لما فيه نظر. وفي كتاب القبور: «الشاة»، فأقرب ما يكون منه ومن رسم الأصل: «الشاء» جمع الشاة كما أثبتنا. وفي (ن): «صاحب أبي». وفي (غ): «صاحب النعا» وفوق الألف: ن. أما في (ب، ط، ج) فحذفوا الكلمتين، واستراحوا. وكذا فعل السيوطي أو ناسخ كتابه شرح الصدور (٢٣٨). وممن لقب بصاحب الشاء: أبو سعيد سكن بن أبي خالد، يروي عن الحسن. ويقال له أيضًا: صاحب الغنم. انظر: الزهد لأحمد (٢٧٠) والجوع لابن أبي الدنيا (٢٠٠). ومنهم خلف بن عنبس صاحب الشاء. انظر: الإكمال (٦/ ٨٢).
[ ١ / ٢٠٤ ]
عن وجهه إذا بحيَّة قد تطوَّقتْ على حلقه. فذكر من غِلَظها، قال: فخرجت ولم أغسله. فذكروا أنه كان يسبُّ الصحابة ﵃.
وذكر ابن أبي الدنيا (^١)، عن سعيد بن خالد بن يزيد (^٢) الأنصاري، عن رجل من أهل البصرة كان يحفر القبور. قال: حفرت قبرًا ذات يوم، ووضعت رأسي قريبًا منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقالت إحداهما: يا عبد الله، نَشَدتُك [٤٥ ب] بالله إلا صرَفتَ عنَّا هذه المرأة، ولم تجاورنا بها. فاستيقظتُ فَزِعًا، فإذا (^٣) بجنازة امرأة قد جيء بها. فقلت: القبر وراءكم، فصرفتُهم عن ذلك القبر. فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في منامي تقول إحداهما: جزاك الله عنَّا خيرًا، فلقد صرفتَ عنا شرًّا طويلًا. قلت (^٤): ما لِصاحبتِك لا تكلّمني، كما تكلِّميني (^٥) أنت؟ قالت: إن هذه ماتت عن غير وصية وحُقَّ لمن مات عن غير وصية (^٦) ألا يتكلَّم إلى يوم القيامة.
وهذه (^٧) الأخبار وأضعافُها وأضعاف أضعافِها ــ مما لا يتَّسع لها
_________________
(١) في كتاب القبور (١٣٧).
(٢) (ب، ج): «زيد».
(٣) (ط): «وإذا».
(٤) (ط): «فقلت».
(٥) كذا بحذف نون الرفع في جميع النسخ وكتاب القبور.
(٦) «وحقّ وصية» ساقط من (ن).
(٧) ما عدا (أ، ق، غ): «فهذه».
[ ١ / ٢٠٥ ]