وأما الجواب المفصل، فهو أنَّ نعيم البرزخ (^١) وعذابَه مذكور في القرآن في غير موضع. فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا (^٢)، وقد أخبرت الملائكة ــ وهم الصادقون ــ أنَّهم حينئذٍ يُجزون عذاب الهون. ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾.
ومنها (^٣) قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. فذَكَر عذابَ الدَّارَين ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيره.
ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٥ ــ ٤٧] وهذا يحتمل أن (^٤) يراد به عذابهم بالقتل
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «الروح»، تصحيف. وفي (ق): «النعيم»، خطأ.
(٢) لم يرد «قطعًا» في (أ، ق، غ).
(٣) «منها» من (أ، ق، غ).
(٤) في (ب، ط، ج): «الذي». تحريف اختلّ به المعنى.
[ ١ / ٢١٩ ]
وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابُهم في البرزخ. وهو أظهر، لأن كثيرًا منهم مات (^١)، ولم يعذَّب في الدنيا. وقد يقال ــ وهو أظهر ــ أنَّ من مات منهم عُذِّب في البرزخ، ومن بقي منهم (^٢) عُذِّب في الدنيا بالقتل وغيره. فهو وَعيدٌ بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. وقد احتجَّ بهذه الآية جماعة ــ منهم عبد الله بن عباس (^٣) ــ على عذاب القبر. وفي الاحتجاج بها شيءٌ؛ لأنَّ هذا عذابٌ في الدنيا يُستدعى به (^٤) رجوعُهم عن الكفر. ولم يكن هذا مما يخفَى على حبر الأمة وترجمان القرآن (^٥)، لكن من فِقْهه [٤٩ أ] في القرآن ودِقَّة فهمه فيه، فَهِم منها عذابَ القبر؛ فإنَّه سبحانه أخبر أنَّ له فيهم عذابين: أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقُهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدلَّ على أنه بقي لهم من الأدنى بقيةٌ يعذَّبون بها بعد عذاب الدنيا. ولهذا قال: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، ولم يقل: ولنذيقنَّهم العذاب الأدنى (^٦) فتأمَّلْه.
_________________
(١) «مات» ساقط من (ن).
(٢) «منهم» من (أ، ق، غ).
(٣) لم أجده منهم، وإنما نُسب إليه في رواية ابن أبي طلحة: أنه مصائب الدنيا. وفيما رواه عكرمة: الحدود. أما القول بأن المراد عذاب القبر أو هو وعذاب الدنيا، فنسب إلى البراء بن عازب، ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (١٨/ ٦٣١)، وزاد المسير (٦/ ٣٤١).
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «بهم»، وهو خطأ.
(٥) في (ب، ط، ج) دون واو العطف قبله.
(٦) «ولم يقل الأدنى» ساقط من (ن).
[ ١ / ٢٢٠ ]
وهذا نظير قول النبي - ﷺ -: «فيفتح له طاقةٌ إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسَمومها» (^١). ولم يقل: فيأتيه حرُّها وسمومها، فإنَّ الذي وصل إليه بعض ذلك، وبقي له أكثر. والذي ذاقه أعداء الله في الدنيا بعضُ العذاب الأدنى، وبقي لهم ما هو أعظم منه.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٣ ــ ٩٦] (^٢)، فذكر هاهنا أحكامَ الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر (^٣)، وقدَّم ذلك على هذا تقديم الغاية (^٤)، إذ هي أهم وأولى بالذكر. وجعلهم عند الموت ثلاثةَ أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (^٥) [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد اختلف السلف
_________________
(١) سبق تخريجه في المسألة السادسة.
(٢) في (ن) اكتفى الناسخ بكتابة الآيات إلى «المقربين» ثم قال: «إلى آخرها».
(٣) ما عدا (أ، غ): «الآخرِ». وانظر: المسألة الرابعة عشرة، وطريق الهجرتين (٤٢٠).
(٤) زاد في (ق): «للقائه».
(٥) هنا أيضًا أثبت ناسخ (ن) الآيتين ٢٧ ــ ٢٨ ثم قال: إلى آخر الآية.
[ ١ / ٢٢١ ]
متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها ذلك (^١) عند الموت. وظاهرُ اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطابٌ للنفس التي قد تجرَّدت عن البدن، وخرجت منه. وقد فسَّر ذلك النبيُّ - ﷺ - بقوله في حديث البراء وغيره: «فيقال لها: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنك» (^٢). وسيأتي تمام تقرير هذا في المسألة التي يُذكَر فيها مُستقَرُّ الأرواح في البرزخ إن شاء الله تعالى (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ مطابق لقوله ﵇ [٤٩ ب]: «اللهم الرفيق الأعلى» (^٤)، وأنت إذا تأمَّلت أحاديث (^٥) عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلًا وتفسيرًا لما دلَّ عليه القرآن. وبالله التوفيق (^٦).
_________________
(١) «ذلك» من (ب، ط، ج).
(٢) سبق تخريجه في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٥٩).
(٣) انظر المسألة الخامسة عشرة. ومدارج السالكين (٢/ ١٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (٤٤٦٣) ومسلم (٢٤٤٤) من حديث عائشة.
(٥) كلمة «أحاديث» ساقطة من (ن).
(٦) «وبالله التوفيق» لم يرد في (ن).
[ ١ / ٢٢٢ ]