فصل
وأما (^١) المسألة الثانية
وهي أن أرواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر أم لا؟
فهي أيضًا مسألة شريفة كبيرة القَدْر، وجوابُها أن الأرواح قسمان: أرواح معذَّبة، وأرواح منعَّمة. فالمعذَّبة في شغلٍ مما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي. والأرواحُ المنعَّمةُ المرسَلَةُ غيرُ المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كلُّ روح مع رفيقها الذي هو (^٢) على مثل عملها. [١٠ أ] وروحُ نبينا محمد (^٣) - ﷺ - في الرفيق الأعلى.
قال الله تعالى (^٤): ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. وهذه المعيَّةُ ثابتةٌ في الدنيا وفي دار البرزخ وفي دار الجزاء. والمرءُ مع من أحبَّ (^٥) في هذه الدور الثلاثة (^٦).
_________________
(١) لم يرد في (ز).
(٢) "هو": ساقط من (ط).
(٣) لم يرد في (ب، ط).
(٤) (ب): "قال تعالى".
(٥) يشير إلى حديث: "المرء مع من أحبّ" المتفق عليه من حديث ابن مسعود وأبي موسى. أخرجه البخاري (٦١٦٨، ٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤٠، ٢٦٤١).
(٦) (ز): "الثلاث". والمثبت من غيرها جائز.
[ ١ / ٤٤ ]
وروى جرير، عن منصور، عن أبي الضحي، عن مسروق قال: قال أصحاب محمد - ﷺ -: ما ينبغي لنا أن نفارقك (^١) في الدنيا، فإذا مِتَّ رُفِعْتَ فوقنا، فلم نَرَك. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (^٢).
وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار وهو يبكي إلى النبي - ﷺ -، فقال: "ما يُبكيك يا فلان؟ " فقال: يا نبيَّ الله والذي (^٣) لا إله إلا هو لأَنت (^٤) أحبُّ إليّ من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو لأنت أحبُّ إلي من نفسي. وإنّا نذكرك أنا وأهلي، فيأخذُني كذا حتَّى أراك. فذكرتُ موتَك وموتي، فعرفتُ أنّي لن أجامعك إلا في الدنيا (^٥)، وأنّك تُرفَعُ في النبيين (^٦)، وعرفتُ أنّي إن دخلتُ الجنة كنتُ في منزل أدنى من منزلك. فلم يَرُدَّ (^٧) النبي - ﷺ - (^٨) شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (^٩)
_________________
(١) (ب، ط): "نقاربك"، تصحيف.
(٢) تفسير الطبري ــ شاكر (٨/ ٥٣٤). وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٦١٤).
(٣) (ب، ج، ط): "والله الذي".
(٤) في الأصل و(ق، ز): "أنت".
(٥) "فعرفت الدنيا" ساقط من (ب، ج). وجامَعَه: اجتمع معه.
(٦) (ب، ط): "مع النبيين".
(٧) (ق): "فلم يردّ عليه".
(٨) من هنا تبدأ المقابلة على (ن).
(٩) في (ب، ج، ط) اكتفى بتكملة الآية (٦٩).
[ ١ / ٤٥ ]
[النساء: ٦٩،٧٠] (^١).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. أي ادخلي في جملتهم، وكوني معهم. وهذا يقال للروح عند الموت (^٢).
وفي قصة الإسراء من حديث عبد الله بن مسعود قال: "لما أسري بالنبي - ﷺ - لقي إبراهيمَ وموسى وعيسى ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، ثم بموسى فلم يكن عنده منها علم، حتى أجمعوا (^٣) الحديثَ إلى [١٠ ب] عيسى فقال عيسى: عَهِد الله إليَّ فيما دون وَجْبَتها (^٤). فذكر خروج الدجال، قال: فأهبطُ، فأقتلُه. ويرجع الناس (^٥) إلى بلادهم فيستقبلهُم يأجوجُ ومأجوج، وهم من كلِّ حَدَب ينسِلون، فلا يمرُّون بماء إلا شربوه، ولا
_________________
(١) تفسير الطبري، طبعة التركي (٧/ ٢١٦). وهو ساقط من طبعة شاكر. وانظر: تفسير ابن المنذر (٧٨١). وروي مرفوعًا من حديث عائشة، أخرجه الطبراني في الصغير (٥٢)، والأوسط (٤٧٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧): ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة.
(٢) وقيل: عند البعث. وسيأتي في المسألة الثامنة أن ظاهر الآية يؤيد القول الأول. وقد رجّح في المسألة الرابعة عشرة ومدارج السالكين (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠) عدم التنافي بين القولين، فيقال لها ذلك عند الموت وعند البعث. وتبعه ابن كثير في التفسير (٤/ ٥١١).
(٣) "حتى أجمعوا" كذا في جميع النسخ. وفي المستدرك ــ وهو مصدر المؤلف ــ "فتراجعوا". وفي تفسير الطبري (١٥/ ٤١٣) وغيره: "فردُّوا الأمر".
(٤) الوجبة: صوت الشيء يسقط، فيسمع له كالهدّة. يعني: قيام الساعة.
(٥) "الناس" ساقط من (أ، ق، غ).
[ ١ / ٤٦ ]
يمرُّون بشيءٍ إلا أفسدوه. فيجأرون إلى الله ﵎، فيدعون (^١) الله، فيميتهم. فتَجْأَرُ الأرض إلى الله من ريحهم، ويجأرون إليَّ، فأدعو، ويرسل اللهُ السماءَ بالماء، فتحملُ أجسامهم، فتقذفها (^٢) في البحر. ثم تُنسَفُ الجبالُ وتُمَدُّ الأرض مدَّ الأديم. فعهِدَ الله إليَّ إذا كان كذلك (^٣) فإنّ الساعة من الناس كالحامل المتِمِّ لا يدري أهلُها متى تَفْجَؤُهم بولادتها (^٤) ليلًا أو نهارًا" (^٥).
ذكره الحاكم والبيهقي (^٦) وغيرهما.
وهذا نصٌّ في تذاكُر الأرواحِ العلمَ.
وقد أخبر الله ﷾ عن الشهداء بأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرزَقون، وأنهم يستبشِرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وأنهم
_________________
(١) في النسخ: "فيدعوا" بالباء أو التاء. صوابه ما أثبتنا من المستدرك. و"فيدعوا الله": ساقط من (ب).
(٢) (ن، ق): "فيحمل فيقذف" بالياء، وكذا في المستدرك.
(٣) (ب، ج، ط): "ذلك".
(٤) (ب، ج، ق، غ): "بولادها".
(٥) أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وابن أبي شيبة (٣٧٥٢٥)، وأبو يعلى (٥٢٩٤)، والحاكم (٢/ ٣٨٤)، و(٤/ ٤٨٨ ــ ٤٨٩). وفي إسناده مؤثر بن عفازة. قال العجلي: "من أصحاب عبد الله، ثقة" (معرفة الثقات ترجمة ١٨٠٨). وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٦٣). وبقية رجاله ثقات. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" .. وزاد في الموضع الأول: "ومؤثر فليس بمجهول، قد روى عن عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب، وروى عنه جماعة من التابعين". وكذا صحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ٢٦١). (قالمي).
(٦) في كتاب البعث والنشور، وليس في المطبوع. وقد عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٦٧٤).
[ ١ / ٤٧ ]
يستبشرون بنعمة من الله وفضل (^١). وهذا يدلُّ على تلاقيهم من ثلاثة أوجه:
أحدها (^٢): أنهم أحياءٌ عند الله، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون.
الثاني: أنَّهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم.
الثالث: أنّ (^٣) لفظ "يستبشرون" يفيد في اللغة أنهم يبشِّر بعضُهم بعضًا مثل "يتباشرون".
وقد تواترت المرائي بذلك. فمنها ما ذكره صالح بن بَشِير قال: رأيت عطاءً السَّلِيمي (^٤) في النوم بعد موته فقلت له: يرحمك الله (^٥)، لقد كنتَ طويل الحزن في الدنيا. فقال: أما والله لقد أعقبني ذلك فرحًا طويلًا وسرورًا دائمًا. فقلتُ: في أيّ الدرجات أنت؟ قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (^٦).
_________________
(١) يشير إلى الآيات (١٦٩ - ١٧١) من سورة آل عمران.
(٢) "أحدها": ساقط من (ن).
(٣) "أن": ساقط من (ب، ط).
(٤) في جميع النسخ: "السلمي". وقد ضبط في: (أ، ط، غ) بضم السين، وهو تحريف. والصواب ما أثبتنا، نسبة إلى سَليمة بن مالك بن فهم، بطن من الأزد. وهو زاهد مشهور من أهل البصرة، من صغار التابعين، قيل إ نه مات بعد سنة ١٤٠. انظر: اللباب لابن الأثير (٢/ ١٣٤) وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٦) وتوضيح المشتبه (٥/ ١٥٧).
(٥) (ب، ط): "رحمك الله".
(٦) إحياء علوم الدين (٤/ ٥٠٨). وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٦) بنحوه. ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٨٤).
[ ١ / ٤٨ ]
وقال عبد الله بن المبارك: رأيت سفيانَ الثوريَّ في النوم فقلت له: ما فَعَل الله بك؟ قال: لقيتُ (^١) محمدًا وحِزْبَه (^٢).
وقال صخر بن راشد (^٣): رأيتُ عبد الله بن المبارك في النوم بعد موته، فقلتُ أليس قد متَّ؟ قال: بلى، قلت: فما صنَعَ الله بك؟ قال: غفر لي مغفرةً أحاطت بكل ذنبٍ. قلت: فسفيان الثوري؟ قال (^٤): بخٍ بخ! [١١ أ] ذاك ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (^٥).
وذكر ابن أبي الدنيا (^٦) من حديث حمّاد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن حفصة (^٧) بنت راشد قالت: كان مروان المُحَلِّمي لي جارًا (^٨)، وكان قاضيًا (^٩)
مجتهدًا، قالت: فمات فوجَدْتُ عليه وَجْدًا شديدًا، قالت: فرأيته
_________________
(١) (ط): "أتيت".
(٢) العاقبة في ذكر الموت (٢٢٣). وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٤٥).
(٣) (ب): "أسد"، تحريف.
(٤) (أ، ق): "فقال".
(٥) العاقبة (٢٢٣). وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٦٣).
(٦) في المنامات (٣٥). وانظر: العاقبة (٢٢٩).
(٧) في (أ، ق، ن): "يقضة"، تحريف.
(٨) (ن): "جارًا لي". (ط): "قالت: رأيت مروان المحلِّمي، وكان لي جارًا". ونحوه في (ب، ج)، ولكن سقط منهما: "وكان".
(٩) كذا في (أ، ط، غ)، والمنامات، وأنا في ريب منه. وفي العاقبة: "عابدًا" وهو أقرب إلى السياق. وفي تاريخ مدينة السلام (٣/ ٢٩٣): "ناصبًا". وفي (ب): "مخلصًا"، وهو مغيَّر. ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١٥٨٢)، والجرح والتعديل (١٢٤٧). وكنّاه أبو حاتم بأبي عثمان العجلي، وكنيته في هذه الحكاية أبو عبد الله.
[ ١ / ٤٩ ]
فيما يرى النائم، قلت: أبا عبد الله، ما صنع بك ربُّك؟ قال: أدخلني الجنة. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم رُفِعتُ إلى أصحاب اليمين. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم رُفِعتُ إلى المقرَّبين. قلت: فمَنْ رأيتَ من إخوانك؟ قال: رأيت الحسن (^١)، وابنَ سيرين، وميمون بن سِيَاه.
قال حمّاد: قال هشام بن حسَّان: فحدَّثتني أمُّ عبد الله ــ وكانت من خيار نساء أهل البصرة ــ قالت: رأيتُ فيما يرى النائم كأنّي دخلتُ دارًا حسنة ثم دخلتُ بستانًا ــ فذكرَتْ من حسنه ما شاء الله ــ فإذا أنا فيه برجل متَّكئٍ على سرير من ذهب، وحوله الوُصَفاء (^٢)، بأيديهم الأكاويب (^٣). قالت: فإني لمتعجِّبةٌ من حسن ما أرى، إذ قيل: هذا مروان المحلِّمي أقبلَ، فوثبَ، فاستوى جالسًا على سريره. قالت: واستيقظتُ (^٤) من منامي، فإذا جنازة مروان قد مُرَّ بها على بابي تلك الساعة.
وقد جاءت سنّةٌ صريحةٌ بتلاقي الأرواح وتعارُفِها. قال ابن أبي الدنيا (^٥): حدَّثني محمَّد بن عبد الله بن بَزيع، أخبرنا فُضَيل بن سليمان
_________________
(١) زاد في (ن): "البصري". وكذا في العاقبة.
(٢) (ق): "الوصائف". وفي العاقبة: "الوصائف بأيديهن". (ن): "الوصيفات". (ز): "الوصفان". والوصيف: الخادم، غلامًا كان أو جارية. انظر: لسان العرب (٩/ ٣٥٧).
(٣) جمع أكواب. وفي (ن): "الأكاوب".
(٤) (ط): "فاستيقظت".
(٥) في المنامات (١٤). وعزاه ابن حجر في الإصابة (٧/ ٣٥١) إلى كتاب القبور لابن أبي الدنيا.
[ ١ / ٥٠ ]
النُّمَيْري (^١)، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لَبيبة (^٢)، عن جدِّه قال: لما مات بِشْر بن البراء بن معرورٍ وجَدَتْ عليه أمُّ بشر وَجْدًا شديدًا، فقالت: يا رسول الله، إنه لا يزال الهالكُ يهلِك من بني سَلَمة، فهل تتعارف الموتى، فأُرسِلَ إلى بشرٍ بالسلام؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم والذي نفسي بيده، يا أمَّ بشر، إنهم ليتعارفون كما يتعارف الطيرُ في رؤوس الشجر". فكان (^٣) لا يهلك هالك من بني سَلَمة إلا جاءته أمّ بِشْر، فقالت: يا فلان، عليك السلام. فيقول: وعليك. فتقول: اقرأ على بِشْرٍ السلام (^٤).
وذكر [١١ ب] ابن أبي الدنيا (^٥) من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار،
_________________
(١) تحرفت في (ق) إلى "البهري"، وفي (ن) إلى "النهري".
(٢) تحرفت في النسخ إلى: "ليينة، ولبينة، وكبيبة".
(٣) (ب، ن): "وكان".
(٤) إسناده ضعيف، لأجل يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، نُسب إلى جدِّه وهو يحيى بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة. قال ابن معين في تاريخه (٢٥١ ــ رواية الدوري): "ابن أبي لبيبة الذي يروي عنه وكيع ليس حديثه بشيء". وقال أبو حاتم: "ليس بقوي" الجرح والتعديل (٩/ ١٦٦). وانظر: الكامل لابن عدي (٧/ ٢٣٣). تنبيه: وقول ابن معين أنزله المزي على والد المترجم (محمد بن عبد الرحمن) الذي أخرج حديثه أبو داود والنسائي. وجدُّه يحتمل جده الأدنى وهو عبد الرحمن، ويحتمل جدّه الأعلى وهو أبو لبيبة، كما في لسان الميزان (٧/ ٣٤٣). وكل منهما مترجم في القسم الأول من الإصابة لابن حجر على اختلاف في إثبات صحبتهما راجع ترجمة الأول برقم (٥٢١٤)، والآخر برقم (١٠٥٦٣). (قالمي).
(٥) في كتاب القبور ــ فيما يبدو ــ وليس في القطعة المطبوعة منه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١١). والبيهقي في الشعب (٧/ ٢١).
[ ١ / ٥١ ]
عن عبيد بن عمير، قال: أهل القبور يتوَكَّفون (^١) الأخبار، فإذا أتاهم الميِّت قالوا: ما فَعَل فلان؟ فيقول: صالح. ما فعل فلان؟ يقول (^٢): صالح. ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ أوَما قدِمَ عليكم؟ فيقولون: لا. فيقول: إنّا لله وإنا إليه راجعون، سُلِك به غيرُ سبيلنا (^٣).
وقال صالح المُرِّيُّ (^٤): بلغني أنّ الأرواح تتلاقى عند الموت، فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم: كيف كان مأواك؟ وفي أي الجسدين (^٥) كنتِ: في طيِّب أم خبيث؟ ثم بكى حتى غلبه البكاء (^٦).
وقال عُبَيد بن عُمَير أيضًا: إذا مات الميت تلقَّته الأرواح يستخبرونه كما يُستخبَر الرَّكْبُ: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فإذا قال: توفي، ولم يأتهم، قالوا: ذُهِب به إلى أمِّه الهاوية (^٧).
وقال سعيد بن المسيِّب (^٨): إذا مات الرجل استقبله ولده (^٩) كما
_________________
(١) أي: ينتظرونها ويسألون عنها. اللسان (٩/ ٣٦٤).
(٢) (ب، ج، ط): "فيقول".
(٣) (ط): "إلى غير سبيلنا".
(٤) (ج، ق): "المزني"، تصحيف.
(٥) (ج، ن، ق): "الجسد".
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٦٠) وذكر الموت (٢٧٣).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٢٧٦). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٠).
(٨) كذا في جميع النسخ. والصواب: سعيد بن جبير، كما صرَّح به ابن رجب في أهوال القبور (٣٠). وانظر: شرح الصدور (١٣٥).
(٩) في (ن): "والده"، ولعلّه مغيّر. وفي أهوال القبور: "أهله".
[ ١ / ٥٢ ]
يُستقبَل الغائب (^١).
وقال عبيد بن عمير: لو أنِّي آيسٌ من لقاء (^٢) مَن مات من أهلي لألفاني قد متُّ كَمَدًا (^٣).
وذكر معاوية بن يحيى، عن عبد الله بن سَلَمة (^٤) أنَّ أبا رُهْمٍ السِّمَعِيَّ (^٥) حدَّثه أنّ أبا أيوب الأنصاريَّ حدَّثه أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنّ نفس المؤمن إذا قُبضت تلقَّاها أهلُ الرحمة من عند الله كما يُتلقَّى البشيرُ في الدنيا، فيقولون: أنظِروا أخاكم حتَّى يستريح فإنّه كان في كرب شديد، فيسألونه: ماذا فعل فلان (^٦)؟ وما فعلتْ فلانة؟ وهل تزوّجت فلانة؟ فإذا سألوه عن رجل (^٧) مات
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٥)، وذكر الموت (٢٧٥).
(٢) (ب، ج، ن): "لُقيّ" مضبوطًا بضمّ اللام.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٢٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٠).
(٤) في (ن) وحدها: "عبد الرحمن بن سلمة". وفي المعجمين الكبير والأوسط للطبراني: "عبد الرحمن بن سلامة"، وكذا في أهوال القبور (٣٠). وهو أحد شيوخ مكحول الشامي كما في تهذيب الكمال (٢/ ٢٨١) و(٢٨/ ٤٦٥).
(٥) في الأصل و(غ): "المسمعي"، وهو تحريف. والسِّمَعي نسبة إلى السِّمَع بكسر السين وفتح الميم، وقيل: بسكون الميم، وقيل: بفتحهما. وهو السمع بن مالك بطن من حمير. ويقال في السمعي: "السِّماعي" أيضًا. انظر: الإكمال (٤/ ٤٥٩) والمشتبه (٣٧٠) وتوضيح المشتبه (٥/ ١٦٦). وتحرّف "أبو رهم" في (ب، ق) إلى: "إبراهيم". وهو أحزاب بن أسِيد. قال ابن حجر في التقريب (٢٨٦): مختلف في صحبته، والصحيح أنه مخضرم ثقة.
(٦) في (ب، ط) تكرّر "ماذا فعل فلان".
(٧) (ط): "قد مات".
[ ١ / ٥٣ ]
قبله قال: إنه قد مات (^١) قبلي، قالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ذُهِبَ به إلى أمّه الهاوية؛ فبئست الأمُّ، وبئست المربِّية! " (^٢).
_________________
(١) (ن): "إنه مات".
(٢) في إسناده معاوية بن يحيى ــ لعله الصدفي ــ أبو روح الشامي الدمشقي، وهو ضعيف كما في التقريب، وشيخه لم نظفر له بترجمة، كما سبق .. والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٣٨٨٧)، والأوسط (١٤٨)، ومسند الشاميين (١٥٤٤) من طريق مسلمة بن علي، عن زيد بن واقد ــ وزاد في الأوسط والمسند: وهشام بن الغاز ــ عن مكحول، عن عبد الرحمن بن سلامة، عن أبي رهم، به، نحوه، وزاد في آخره: "إن أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من أهل الآخرة ". ومسلمة بن علي هو الخشني الدمشقيّ متروك، كما في التقريب. ورواه ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٣٥ ــ ٣٣٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٢٢) من طريق سلام بن سلم الطويل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي رُهْم، به، بنحو حديث مسلمة. وسلام الطويل واهٍ، قال ابن حبان: "يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وسلام هو الطويل وقد أجمعوا على تضعيفه، وقال النسائي والدار قطني: "متروك". وقد روي عن أبي أيوب موقوفًا، وهذا شيء يروى عن عبيد بن عمير". والموقوف عن أبي أيوب رواه ابن المبارك في الزهد (٤٤٣) عن ثور بن يزيد، عن أبي رهم السماعي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال (فذكره). قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤٤٥٦): "إسناده جيد". قلت: وهو كذلك إن كان الواسطة بين ثور بن يزيد الحمصي وأبي رُهم خالد بن معدان ــ كما في الطريق السابق ــ وإلا فالظاهر أنه منقطع. والمروي عن عبيد بن عمير أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٠٠٦)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١٤٦٤) ورجاله ثقات. قال الحافظ في فتاوى له مطبوعة مع الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص ٨٨): "وهذا موقوف على عبيد بن عمير أحد كبار التابعين والإسناد صحيح إليه ومثله لا يقال من قبيل الرأي فهو من قبيل المرسل". ويشهد له وللذي قبله ما رواه النسائي (١٨٣٢)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٣٥٣) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - وفيه: "فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمِّه الهاوية". ورواه الحاكم أيضًا من طريق معمر عن قتادة بهذا الإسناد، ومن طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، رفعه. ثم قال: "هذه الأسانيد كلها صحيحة، وشاهدها حديث البراء بن عازب" وحديث البراء أورده المصنف تحت المسألة السادسة، وسيخرج هناك. (قالمي).
[ ١ / ٥٤ ]
وقد تقدمَّ حديث يحيى بن بسطام (^١): حدّثني مِسْمَع بن عاصم، قال: رأيتُ عاصمًا الجَحْدَري (^٢) في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد مِتَّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفرٌ من أصحابي، نجتمع كلَّ ليلةِ جمعةٍ وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المُزَني، فنتلقَّى (^٣) أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! بلِيت الأجسام، وإنّما تتلاقى [١٢ أ] الأرواح (^٤).
_________________
(١) في المسألة الأولى.
(٢) (ق): "الحجازي"، تحريف.
(٣) (ب، ط): "نتلقى".
(٤) زاد في (ن): "والله أعلم بالصواب".
[ ١ / ٥٥ ]