فصل
وأما (^١) المسألة الخامسة
وهي أنّ الأرواحَ، بعد مفارقة الأبدان إذا تجرَّدت، بأيِّ شيء يتميَّز بعضُها من بعض، حتى تتعارفَ وتتلاقى؟ وهل تَشَكَّلُ (^٢) إذا تجردتْ بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلبس صورتَه، أم كيف يكون حالُها؟
فهذه (^٣) مسألةٌ لا تكاد تجد من تكلَّم فيها، ولا تظفرُ فيها من كتب الناس بطائلٍ ولا غير طائل، ولا سيّما على (^٤) أصول من يقول بأنها مجرّدةٌ عن المادة وعلائقها، وليست بداخل العالم ولا خارجه، ولا لها (^٥) شكلٌ ولا قدرٌ ولا شخصٌ؛ فهذا السؤال على أصولهم مما لا جوابَ لهم عنه (^٦).
وكذلك من يقول: هي عَرضٌ من أعراض البدن، فتميُّزها عن غيرها مشروطٌ بقيامها (^٧) ببدنها. فلا تميُّزَ (^٨) لها بعد الموت، بل لا وجودَ لها على أصولهم، بل تعدمُ وتبطل باضمحلال [٢٤ أ] البدن كما تبطل سائر صفات
_________________
(١) «فصل وأما» لم ترد في (ن). وفي (ز) لم ترد «وأما».
(٢) ما عدا (أ، ق): «تتشكل».
(٣) (ن): «وهذه».
(٤) «فيها على» ساقط من (ب).
(٥) «لها» ساقط من الأصل.
(٦) ستأتي الأقوال في حقيقة الروح في المسألة التاسعة عشرة.
(٧) (ط): «ببقائها».
(٨) كذا في (أ، غ). وفي (ق): «تمييز»، وفي غيرها: «ولا تميز».
[ ١ / ١٠٧ ]
الحي (^١).
ولا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة التي تظاهرتْ عليها أدلةُ القرآن والسنة والآثار والاعتبار والعقل (^٢)، والقولِ (^٣): إنّها ذاتٌ قائمةٌ بنفسها تصعَدُ وتنزل، وتتصلُ وتنفصل، وتخرج وتذهب وتجيء، وتتحرك وتسكن. وعلى هذا أكثر من مئة دليلٍ قد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس (^٤)، وبينَّا بطلانَ ما خالف هذا القول من وجوهٍ كثيرة، وأنَّ من قال غيرَه لم يعرف نفسَه.
وقد وصفها الله ﷾ بالدخول والخروج والقبض والتوفي والرجوع وصعودها إلى السماء وفتحِ أبوابها لها وغَلْقها عنها، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠] وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد.
وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]،
_________________
(١) في الأصل: «صفات سائر الحي»، سبق قلم.
(٢) «والعقل» ساقط من (ب).
(٣) «والقول» معطوف على «أصول». وقد ضبط في (ق، غ) بالكسر. وضبط في (ط) بالضم، وهو خطأ. وفي (ن): «فالقول تسكن وغير هذا عليه» وهو سياق فاسد.
(٤) ذكر المؤلف كتابه هذا في جلاء الأفهام (٢٩٨، ٣٧١) ومفتاح دار السعادة (٣/ ١٠٥) أيضًا. وفي (ن): «الأرواح والأنفس»، وفي (ب): «الأرواح والنفس».
[ ١ / ١٠٨ ]
فأخبر أنه سوَّى النفس، كما أخبر أنه سوَّى البدن (^١) في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، فهو سبحانه سوَّى نفسَ الإنسان كما سوَّى بدنَه، بل سوَّى بدنه كالقالَب لنفسه (^٢). فتسويةُ البدن تابعٌ لتسوية النفس، والبدن موضوعٌ لها كالقالَب لما هو موضوعٌ له (^٣).
ومن هاهنا يُعلم أنها تأخذ من بدنها صورةً تتميَّز بها عن غيرها، فإنها تتأثَّر وتنتقل عن البدن، كما يتأثَّر البدنُ وينتقل عنها. فيكتسبُ البدنُ الطيّبَ والخبيثَ من طيِّب النفس وخبيثها، وتكتسب النفسُ الطيِّب والخَبيثَ من طيِّب البدن وخبيثه (^٤). فأشدُّ الأشياء ارتباطًا وتناسبًا وتفاعلًا وتأثُّرًا من أحدهما بالآخر الروحُ والبدنُ. ولهذا يقال لها عند المفارقة: اخرُجي أيتها الروح (^٥) الطيبة كانت في الجسدِ الطيِّبِ، واخرُجي أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسدِ الخبيث (^٦).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فوصفَها بالتوفِّي والإمساك والإرسال، كما وصفَها بالدخولِ والخروجِ
_________________
(١) (أ، غ): «النفس كما سوى البدن».
(٢) ساقط من (ب).
(٣) (ن): موضوع لما هو له.
(٤) كذا في جميع النسخ إلا (ن)، ففيها سقط واضطراب، فأثبتت مرة «الخبيث» وأخرى «الخبث».
(٥) (ق): «النفس».
(٦) سيأتي الحديث بتمامه في المسألة القادمة.
[ ١ / ١٠٩ ]
والرجوع والتسوية.
وقد أخبر النبيُّ - ﷺ - أن بصرَ الميت يتبع نفسَه إذا قُبضت (^١).
وأخبر أن الملك يَقبِضُها، فتأخذها الملائكةُ من يده، فيوجد لها كأطيبِ نفحةِ مسك وُجدت على وجه الأرض، أو كأنتن (^٢) ريحِ جِيفةٍ وُجدت على وجه الأرض (^٣). والأعراض لا ريحَ لها، ولا تُمسَك (^٤)، ولا تُؤخذ من يدٍ إلى يد.
وأخبر أنها تصعَدُ إلى السماء، ويصلِّي عليها كلُّ ملك لله بين السماء والأرض، وأنها تُفتح لها أبوابُ السماء، فتصعد من سماءٍ إلى سماء، حتى يُنتهَى بها إلى السماء التي فيها (^٥) الله ﷿، فتوقفُ بين يديه، ويأمر بكتابةِ اسمه (^٦) في ديوان أهل عِلِّيِّين أو ديوان أهل سِجِّين، ثم تردُّ إلى الأرض. وأنّ روح الكافر تُطرح طرحًا، وأنها تدخل مع البدن في قَبرها للسؤال (^٧).
وقد أخبر النبي - ﷺ - أن نَسَمةَ المؤمن ــ وهي روحه ــ طائرٌ يعلُقُ في شجر
_________________
(١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٩٢٠) وسيأتي نصه في المسألة التاسعة عشرة.
(٢) (ن): «كأشرّ»، تصحيف.
(٣) يشير إلى حديث البراء بن عازب، وهو حديث طويل سيأتي في أول المسألة القادمة.
(٤) (ق): «مسك»، غلط.
(٥) في (ق) طمس بعض القراء: «السماء التي فيها» وكتب مكانها: «بين يدي».
(٦) ما عدا (أ، غ): «اسمها».
(٧) كما في حديث البراء الطويل، وسيأتي بتمامه.
[ ١ / ١١٠ ]
الجنة حتى يردَّها الله إلى جسدها (^١).
وأخبر أن أرواح الشهداء في حواصل طيرٍ خضر ترِد أنهارَ الجنة وتأكلُ من ثمارها (^٢).
وأخبر أن الروحَ تُنَعَّم وتُعذَّب في البرزخ إلى يوم القيامة (^٣).
وقد أخبر سبحانه عن أرواح قومِ فرعونَ أنها تُعرض على النار غُدوًّا وعَشيًّا قبل يوم القيامة (^٤).
وقد أخبر سبحانه عن الشهداءِ بأنهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وهذه حياةُ أرواحهم، ورزقُها دارًّا (^٥)، وإلا فالأبدان قد تمزَّقتْ.
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ٢٤٠) ومن طريقه النسائي (٢٠٧٢)، وابن ماجه (٤٢٧١) والإمام أحمد (١٥٧٧٨) من حديث كعب بن مالك ﵁. وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٤٦٥٧). (قالمي). وسيأتي الحديث مع كلام مفصل عليه للمصنف في المسألة الخامسة عشرة.
(٢) كما ورد في بعض روايات الأحاديث الآتية عن ابن مسعود وابن عباس.
(٣) ستأتي الأحاديث الدالّة عليه في المسألة القادمة.
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
(٥) كذا «دارًّا» في (أ، ب، ق، ج)؛ غير أن بعضهم ضرب على الألف في الأصل، وطمسها في (ب) ليكون مرفوعًا خبرًا للرزق. وفي (ز): «درًّا». ثم في (ب، ج): «دارًّا والأبدان» بحذف «وإلا». وفي (ن، غ): «رزقها وإلا فالأبدان» بحذف «دارًّا». ولعل هذا أقرب. ولا أستبعد أن تكون «وإلا» تحرفت إلى «دارا»، ثم أضيفت «وإلا» من نسخة أخرى. وفي (ط): «رزقها والأبدان» بحذف الاثنين.
[ ١ / ١١١ ]
وقد فسَّر رسول الله - ﷺ - هذه الحياةَ بأنّ «أرواحَهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ مُعلَّقة بالعرش، تسرحُ في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطَّلع عليهم ربهم اطّلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيَّ شيء نشتهي؟ ونحن نسرحُ من الجنة حيث شئنا، ففعل (^١) بهم ذلك ثلاثَ مرات، فلما رَأَوا أنهم لن (^٢) يُترَكوا من أن يسألوا قالوا: نريد أن تُرَدَّ أرواحُنا في أجسادنا، حتى نُقتَلَ في سبيلك مرةً أخرى» (^٣).
وصحَّ عنه - ﷺ -: «أنّ أرواح الشهداء [٢٥ أ] في طيرٍ خُضْر تَعْلُقُ من ثمر الجنة» (^٤). وتعلُق بضم اللام: أي تأكل العُلْقة (^٥).
وقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ -: «لما أُصيب إخوانُكم بأُحد جعل الله أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْر ترِدُ أنهارَ الجنة، وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل (^٦) من ذهب في ظلِّ العرش. فلما وجدوا طيبَ مَشربهم ومأكلهم وحسنَ مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهَدوا في الجهاد، ولا ينكُلوا (^٧) عن الحرب. فقال الله ﷿: أنا أُبلِّغهم
_________________
(١) (ب، ط، ن): «يفعل».
(٢) (ب، ط، ن): «لم».
(٣) أخرجه مسلم (١٨٨٧) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٤) أخرجه الترمذي من حديث مالك بن أبي كعب (١٦٤١) وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) في هامش (ط): «العلقة: الشيء اليسير».
(٦) (ن): «قناديل معلقة».
(٧) (ن): «يتكلفوا»، تحريف.
[ ١ / ١١٢ ]
عنكم. فأنزل الله تعالى على رسوله - ﷺ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآيات». رواه الإمام أحمد (^١).
وهذا صريحٌ في أكلها، وشربها، وحركتها، وانتقالها، وكلامِها. وسيأتي مزيدٌ لتقرير ذلك عن قرب (^٢) إن شاء الله تعالى.
وإذا كان هذا شأنَ الأرواح، فتميُّزُها بعد المفارقة يكون أظهرَ من تميُّز (^٣) الأبدان. والاشتباهُ بينها أبعد من اشتباهِ الأبدان، فإن الأبدانَ تشتبه كثيرًا، وأما الأرواح فقلَّما تَشتبه.
يوضِّح هذا أنَّا لم نشاهد أبدانَ الأنبياء والصحابة والأئمة، وهم متميِّزون في علمنا أظهرَ تميُّز، وليس ذلك التميُّز راجعًا إلى مجرَّد أبدانهم، وإن ذكر لنا من صفات أبدانهم ما يختصُّ به أحدُهم عن الآخر. بل التميُّز
_________________
(١) في المسند (٢٣٨٨) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس. ورواه أبو داود (٢٥٢٠)، وعبد الله بن أحمد في زيادته على المسند (٢٣٨٩)، وأبو يعلى (٢٣٣١)، والحاكم (٢/ ٨٨، ٢٩٧ ــ ٢٩٨) من طريق عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٦٣): «وهذا أثبت» يعني بذكر سعيد بن جبير. وقال الحاكم في الموضعين: «صحيح على شرط مسلم». وحسنه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٣٨)، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٣٧٩). (قالمي).
(٢) (ب، ط، ن، ج): «عن قريب».
(٣) (أ، غ): «تمييز».
[ ١ / ١١٣ ]
الذي عندنا بما عَلِمناه وعَرَفناه من صفات أرواحهم وما قام بها. وتميُّزُ الروح عن الروح بصفاتها أعظمُ من تميُّز البدن عن البدن بصفاته. ألا ترى أن بدنَ المؤمن والكافر قد يشتبهانِ كثيرًا، وبين روحَيْهما أعظمُ التباين والتميُّز. وأنت ترى أخوين شقيقين مشتبهين في الخِلْقة (^١) غاية الاشتباه، وبين روحَيْهما غايةُ التباين. فإذا تجردتْ هاتان الروحان كان تميُّزهما في غاية الظهور.
وأُخبركَ بأمرٍ إذا تأمَّلتَ أحوال الأنفس والأبدان شاهدتَه عِيانًا: قَلَّ أن ترى بدنًا قبيحًا وشكلًا شنيعًا إلا وجدتَه مُرَكَّبًا على نفسٍ تُشاكله وتناسبه، وقَلَّ أن ترى آفةً في بدن إلا وفي روح صاحبه آفةٌ تناسبها (^٢). ولهذا [٢٥ ب] تأخذ أصحاب الفراسة أحوالَ النفوس من أشكال الأبدان وأحوالها، فقلَّ أن تخطئ (^٣) ذلك. ويُحكَى (^٤) عن الشافعي ﵀ في ذلك عجائب (^٥).
وقلَّ أن ترى شكلًا حسنًا وصورةً جميلة وتركيبًا لطيفًا إلا وجدتَ الروح المتعلِّقةَ به مناسبةً له. هذا ما لم يُعارض ذلك ما يُوجِب خلافَه من تعلُّم وتدرُّب واعتياد.
وإذا كانت الأرواح العلوية ــ وهم الملائكة ــ متميزًا بعضهم عن بعض من غير أجسامٍ تحملهم، وكذلك الجن، فتميُّز الأرواح البشرية أولى.
_________________
(١) (ط): «الخلقة والصورة».
(٢) «وقل أن ترى آفة تناسبها» ساقط من (ق).
(٣) (ب، ط): «يخطئ».
(٤) (ب، ط، ن): «حكي».
(٥) وقد حكى المصنف طائفة منها في مفتاح دار السعادة (٣/ ٢٥١ ــ ٢٥٣).
[ ١ / ١١٤ ]