فصل
وأما المسألة الرابعة عشرة (^١)
وهي قوله: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟ (^٢)
فجوابها أنه نوعان:
نوع دائم، سوى ما وردَ في بعض الحديث (^٣) أنه يخفَّف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^٤) [يس: ٥٢].
ويدلُّ على دوامه قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
ويدلُّ عليه ما تقدَّم (^٥) في حديث سَمُرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي - ﷺ - وفيه: «فهو يُفعَل به ذلك إلى يوم القيامة». وفي [٥٧ ب] حديث ابن عبّاس في قصة الجريدتين: «لعله يخفَّف عنهما ما لم يَيْبَسا». فجعل التخفيف مقيَّدًا بمدّة رطوبتهما فقط.
_________________
(١) (أ، ق، غ): «عشر». وفي (ن): «الخامسة عشرة» ولم يرد فيها «فصل وأمَّا».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «ينقطع».
(٣) لم أجد فيه حديثًا مرفوعًا. ولعله يشير إلى ما روي عن أُبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم أن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين، فيرقدون. تفسير البغوي (٣/ ٦٤٤). وانظر: تفسير الطبري (١٩/ ٤٥٦) وتذكرة القرطبي (٤٧٨) وتفسيره (١٧/ ٤٦٤ ــ ٤٦٥).
(٤) فيما عدا (أ، ن، غ): « مرقدنا هذا».
(٥) في المسألة الملحقة بالسادسة (ص ١٦٩)، وكذا الحديثان الآتيان (ص ١٥٠، ١٧٢).
[ ١ / ٢٦٩ ]
وفي حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة: «ثم أتى على قوم ترضَخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضخت عادت، لا يفتَّر عنهم من ذلك شيء» وقد تقدَّم.
و(^١) في الصحيح (^٢) في قصة الذي لبس بُردين، وجعل يمشي يتبختر: «فخَسَف الله به الأرض، فهو يتجَلجَل فيها إلى يوم القيامة».
وفي حديث البراء بن عازب في قصة الكافر: «ثمّ يُفتَح له بابٌ (^٣) إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة». رواه الإمام أحمد (^٤). وفي بعض طرقه: «ثمّ يخرِقُ له خرقًا إلى النار، فيأتِيه من غَمِّها ودخانها إلى يوم القيامة» (^٥).
النوع الثاني: إلى (^٦) مدّةٍ، ثم ينقطع. وهو عذابُ بعض العصاة الذين خفَّت جرائمهم، فيعذَّب بحسَب جُرْمه (^٧)، ثم يخفَّفُ عنه؛ كما يعذَّب في النار مدّةً، ثم يزول عنه العذاب.
وقد ينقطع عنه العذاب بدعاءٍ أو صدقة أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءةٍ تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم. وهذا كما يشفع الشافع في
_________________
(١) الواو ساقطة من (أ، ب، غ).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٨٩) ومسلم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة.
(٣) (ق): «بابًا».
(٤) سبق تخريجه في المسألة السادسة (ص ١٣١).
(٥) نحوه في فتاوى ابن حجر في آخر كتابه الإمتاع (٧٥). ولعله صادر عن كتاب الروح.
(٦) (ب): «أنه»، تحريف.
(٧) (ط): «جريمته».
[ ١ / ٢٧٠ ]
المعذَّب في الدنيا (^١)، فيخلصُ من العذاب بشفاعته (^٢)؛ لكن هذه شفاعة قد تكون بدون (^٣) إذن المشفوع عنده. والله تعالى لا يتقدَّم أحدٌ بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع إذا أراد أن يرحمَ المشفوعَ له (^٤).
ولا يُغترَّ (^٥) بغير هذا، فإنه شركٌ وباطل يتعالى الله عنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (^٦) [يونس: ٣]، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤].
وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا (^٧): حدَّثني محمد بن موسى الصائغ، حدثنا عبد الله بن نافع، قال: مات رجل من أهل المدينة، فرآه رجل كأنه من أهل النار، فاغتمَّ لذلك. ثم إنه بعد سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة، فقال (^٨):
_________________
(١) «في الدنيا» ساقط من (ط).
(٢) (أ، غ): «بشفاعة». و«الشافع بشفاعته» ساقط من (ب). وكذا «في المعذب بشفاعته» ساقط من (ج).
(٣) (ق): «بذلك»، تحريف.
(٤) (ب، ط، ج): «الميت المشفوع له».
(٥) (ب، ط، ج): «فلا يغتر». (ن): «فلا تغتر».
(٦) ما عدا (أ، غ): «فما »، وهو خطأ. ولم ترد هذه الآية في (ن).
(٧) في كتاب القبور (١٣٩).
(٨) (ب، ط، ج): «قال».
[ ١ / ٢٧١ ]
ألم تكن قلت إنّك من أهل النار؟ قال: قد كان ذلك إلا أنه دُفن معنا رجل من الصالحين [٥٨ أ]، فشفَع في أربعين من جيرانه، فكنت أنا (^١) منهم.
قال ابنُ أبي الدنيا (^٢): وحدَّثنا أحمد بن يحيى (^٣) قال: حدثني بعضُ أصحابنا (^٤) قال: مات أخي (^٥)، فرأيته في النوم، فقلت: ما كان حالُك حين وُضِعْت في قبرك؟ قال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار، فلولا أنّ داعيًا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به (^٦).
وقال عمرو (^٧) بن جرير: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه بها ملَكٌ إلى القبر، فقال: يا صاحب القبر الغريب (^٨)، هديةٌ من أخ عليك شفيق (^٩).
وقال بشَّار بن غالب: رأيت رابعةَ في منامي، وكنتُ كثير الدعاء لها، فقالت لي: يا بشَّار بن غالب، هداياك تأتينا على أطباقٍ من نور مخمَّرةٍ بمناديل الحرير. قلت: وكيف ذاك؟ قالت: هكذا دعاءُ المؤمنين الأحياء إذا
_________________
(١) ساقط من (ب، ط، ن، ج).
(٢) عزاه إليه ابن رجب في الأهوال (٢٢) والسيوطي في شرح الصدور (٣٦٦).
(٣) الأهوال وشرح الصدور: أحمد بن بجير.
(٤) (ن): «يحيى عن بعض أصحابه».
(٥) (ط، ن، ج): «أخ لي». وكذا في الأهوال وشرح الصدور.
(٦) هذا الخبر ساقط من (ب).
(٧) (ط): «عمر».
(٨) في الأصل وضع بعض القراء علامة بعد «الغريب» وكتب في الحاشية: «لعله هذه». يعني: هذه هدية. فظنه ناسخ لحقًا، وأقحم في (غ) في المتن.
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا كما في الأهوال (١٢٥) وشرح الصدور (٣٩٦).
[ ١ / ٢٧٢ ]
دَعَوا للموتى فاستُجيب لهم، جُعِل (^١) ذلك الدعاء على أطباقِ النور، وخُمِّرَ بمناديل الحرير، ثم أُتِيَ (^٢) الذي دُعِيَ (^٣) له من الموتى، فقيل: هذه هدية فلان إليك (^٤).
قال ابنُ أبي الدنيا: وحدَّثني أبو عبد الله بن بُجير (^٥) قال: حدثني بعض أصحابنا (^٦) قال: رأيتُ أخًا لي في النوم بعد موته، فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء؟ قال: إي والله، يترفرف (^٧) مثلَ النور، ثم نَلبَسه (^٨)!
وسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ تمامٌ لهذا (^٩) في جواب السؤال عن (^١٠) انتفاع الأموات بما يُهديه إليهم الأحياء.
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «يجعل».
(٢) زاد بعده في (ط): «به».
(٣) (ب، ط، ن، ج): «دعا».
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا كما في الأهوال (١٢٥) وشرح الصدور (٣٩٧).
(٥) (أ، غ): «أبو عبد بن بحتر». وفي (ق) أيضًا: «أبو عبد» وفي (ن): «عبد الله بن بجير». والصواب المثبت من غيرها.
(٦) (ن): « بجير عن بعض أصحابه».
(٧) (أ، ق): «يترفون». وفي حاشية الأصل: «لعله يترفرف».
(٨) كذا بالنون في (ق) والمصادر الأخرى. ولم يتضح أوله في الأصل. وفي غيرها: «يلبسه». والخبر عزاه إلى ابن أبي الدنيا: ابن رجب في الأهوال (١٢٥) والسيوطي في شرح الصدور (٣٩٦).
(٩) ما عدا (أ، ن، غ): «لهذه».
(١٠) «جواب السؤال عن» ساقط من (ن).
[ ١ / ٢٧٣ ]