فصل
وأما (^١) المسألة السادسة
وهي أنَّ الروح هل تُعاد إلى الميتِ في قبره وقتَ السؤال، أم لا تُعاد؟
فقد كفانا رسولُ الله - ﷺ - أمرَ هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرَّح بإعادة الروح إليه، فقال البراء بن عازب:
كنا في جنازة في بقيع الغَرْقد، فأتانا النبيُّ - ﷺ -، فقعد، وقعدنا حوله، كأنّ على رؤوسنا الطير، وهو يُلحَدُ له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر» ثلاث مرات. ثم قال: «إن العبدَ المؤمن (^٢) إذا كان في إقبالٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه الملائكة (^٣) كأنَّ وجوهَهم (^٤) الشمس، فجلسوا (^٥) منه مدَّ البصر. ثم يجيء ملكُ الموت حتى يجلِسَ عند رأسه، فيقول: أيتها النفسُ الطيِّبة، اخرُجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان».
قال: «فتخرُج تَسيل، كما تسيل القطرةُ من فِي السِّقاء، فيأخذُها. فإذا أخذَها لم يَدَعوها في يده طرفةَ عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحَنُوط، ويخرج منها كأطيبِ نفحةِ مسكٍ وُجدَتْ على وجه الأرض».
_________________
(١) «فصل وأما» لم يرد في (ن). ولم يرد «وأما» في (ز).
(٢) «المؤمن» من (أ، غ).
(٣) (ن): «ملائكة».
(٤) (ب، ط، ن): «على وجوههم».
(٥) (أ، ز، غ): «يجلسوا». (ق): «يجلسون».
[ ١ / ١١٥ ]
قال: «فيصعَدون بها فلا يمرُّون بها ــ يعني: على ملأ من الملائكة ــ إلا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطيِّب؟ (^١) فيقولون: فلانُ بن فلان ــ بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمونه به (^٢) في الدنيا ــ حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيُفتَحُ له. فيُشيِّعه من كل سماء مقرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿ (^٣)، فيقول الله ﷿: اكتُبوا [٢٦ أ]
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «هذه الروح الطيبة».
(٢) «به» ساقط من (ب، ط، م، ن).
(٣) في (ن) بعد «فيها» فوق السطر: «أمر». يعني أن تأويل «فيها الله»: فيها أمر الله. وقد طغى بعض القراء فطمس في (م): «السماء التي فيها»، وكتب مكانها: «بين يدي»! وفي (ط) طمس «فيها الله ﷿» وكتب مكانها: «يسمع فيها الخطاب». وهذه جراءة غريبة على تغيير لفظ الحديث. وفي الحاشية العليا من (ق ٢٩/ب) من هذه النسخة تعليق منقول من كتاب التذكرة للقرطبي يفيد أن معنى «فيها الله»: فيها أمر الله وحكمه. وفيها تعليق طويل استغرق الحاشيتين اليمنى والسفلى من الصفحة المذكورة، والسفلى واليسرى من (ق ٣٠/أ). وهو بخط الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين ﵀. أوله: «يا عجبا لمحرّف حديث رسول الله - ﷺ - ومغيِّر ألفاظه! كيف يصف رسول الله - ﷺ - ربه بأنه في السماء كما في حديث البراء المذكور، وكذلك حديث أبي هريرة الموافق لحديث البراء في إثبات الله سبحانه بأنه في السماء، وكذلك حديث الرقية المرفوع، وكذلك قوله للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء= فهذا أعلم الأمة بربه وأخشاهم يصف ربه بأنه في السماء ويشهد لمن وصفه بذلك بالإيمان، ونقل الصحابة ألفاظه للتابعين، ونقلها التابعون وبلّغوها لمن بعدهم كما سمعوها، وتداولها أهل الحديث وأئمة الإسلام، وأثبتوها في كتبهم وأقرُّوها على ظاهرها، وقالوا: أمِرّوها كما جاءت، وقالوا: تفسيرها قراءتها. فلمّا لم يتسع عطن هذا المعطِّل لذلك حمله تعطيله وجهله على أن غيَّر لفظ رسول الله - ﷺ - وحرَّفه. ولم يكتف بتغيير معناه مع إقرار لفظه كما يفعله الكثير كقول القرطبي في تأويل هذا الحديث. فلهذا المحرّف أوفر نصيب من مشابهة اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ففيه تصديق قوله - ﷺ -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم». ثم ردّ على تأويل القرطبي وغيره بأنه «باطل قطعًا فإن أمرَه وحكمه لا يختص بسماء دون سماء ولا بالسماء دون الأرض ومن توهم من قوله: إنه سبحانه في السماء أنه سبحانه داخل السماوات فهو جاهل ضال. وليس هذا بمراد من اللفظ ولا ظاهر فيه، إذ السماء يراد بها العلو، فكلُّ ما علا فهو سماء سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها إلخ.
[ ١ / ١١٦ ]
كتابَ عبدي في علِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتُهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أخرجهم (^١) تارة أخرى» (^٢).
قال: «فتُعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلامُ. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ به، وصدَّقت. فينادي منادٍ من السماء أن: صدَق عبدي، فأفرِشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة».
قال: «فيأتيه من ريحها (^٣) وطِيبها، ويُفسَح له في قبره مدَّ بصره».
قال: «ويأتيه رجل حسنُ الوجه حسنُ الثياب طَيِّبُ الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يسُرُّك، هذا يومُك الذي كنت تُوعَد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجهُ يجيء بالخير! فيقول له: أنا عملُك الصالح. فيقول: ربِّ أقم الساعة، حتى أَرجع إلى أهلي ومالي».
_________________
(١) (ن): «خلقته، أعيده، أخرجه» بضمير الإفراد.
(٢) (ب، ط): «قال قال».
(٣) (ب، ط، ن، ج): «روحها».
[ ١ / ١١٧ ]
قال: «وإنَّ العبدَ الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسُوح (^١)، فيجلسون منه مدَّ البصر. ثم يجيء ملكُ الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفسُ الخبيثة اخرُجي إلى سَخَطٍ من الله وغَضَب».
قال: «فتَفرَّق في جسده، فينتزعها، كما يُنتزَع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذَها لم يدَعوها في يده طرفةَ عين حتى يجعلوها في تلك المُسوح، ويخرج منها كأنتنِ ريح جيفةٍ وُجدت على وجه الأرض. فيصعَدون بها فلا يمرُّون بها (^٢) على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخبيث؟ فيقولون: فلانُ بن فلان ــ بأقبحِ أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا ــ حتى يُنتهى بها (^٣) إلى السماء الدنيا، فيُستفتح له (^٤) فلا يُفتَح له».
ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله ﷿: اكتُبوا كتابَه في سِجِّين في الأرض السُّفلى، فتُطرح روحُه طرحًا». ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
فتعاد روحُه في جسده، ويأتيه ملكان، فَيُجلِسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟
_________________
(١) جمع المِسْح، وهو الكساء من الشعر.
(٢) (ن): «فلا تمرّ».
(٣) (ق، ج): «به».
(٤) (ط): «لها».
[ ١ / ١١٨ ]
فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فينادي منادٍ من السماء: أن: كَذَب، فأفرِشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حرِّها وسَمُومها، ويُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلِفَ فيه أضلاعُه. ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه قبيح الثياب مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يَسوءك! هذا يومك الذي كنت تُوعَد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجهُ يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيثُ. فيقول: ربِّ (^١) لا تُقِم الساعة».
رواه الإمام أحمد، وأبو داود. وروى النسائي وابن ماجه أوله. ورواه أبو عوانة الإسفراييني في «صحيحه» (^٢).
_________________
(١) (ب، ط): «ربّي».
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)، وأبو داود الطيالسي (٧٨٩)، وعبد الرزاق (٦٧٣٧)، والإمام أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو عوانة في صحيحه كما في إتحاف المهرة (٢/ ٤٥٩)، والحاكم (١/ ٣٧ ــ ٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٥) بطوله، بعضهم يزيد على بعض. وأخرج بعضه النسائي (٢٠٠١)، وابن ماجه (١٥٤٩)، وابن خزيمة في التوحيد (١٧٥، ١٧٦)، كلهم من طريق المِنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب. وصحَّح إسناده البيهقي، والبوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٣٨). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة». كذا قال ﵀، وإنما زاذان من رجال مسلم وحده، والمنهال من رجال البخاري وحده. وصحَّحه المؤلف. كما سيأتي، وردّ على من طعن فيه، وكذا فعل في تهذيب مختصر سنن أبي داود (٤٥٨٦) ونقل فيه تصحيح أبي نعيم أيضًا وتحسين أبي موسى المديني له. (قالمي).
[ ١ / ١١٩ ]