فصل
وأمّا المسألة الخامسة عشرة (^١)
وهي: أين (^٢) مستقرُّ الأرواح ما بين الموت إلى القيامة؟ هل هي في السماء أم (^٣) في الأرض؟ وهل هي في الجنة والنار (^٤) أم لا؟ وهل تُودَع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها، فتنعَّم وتعذَّب فيها، أم تكون مجرَّدة؟
فهذه مسألة عظيمة تكلَّم فيها الناس، واختلفوا فيها. وهي إنما تُتلقَّى من السمع فقط، واختُلِف في ذلك (^٥).
فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة ــ شهداء كانوا أم غير شهداء ــ إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرةٌ ولا دَيْن، وتلقَّاهم (^٦) ربّهم بالعفو عنهم والرحمة لهم. وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو (^٧).
_________________
(١) (ق، غ): «عشر» بالتذكير. وفي (ن): «السادسة عشر». ولم يرد فيها «فصل وأمَّا».
(٢) ما عدا الأصل: «أن».
(٣) (ن): «هل هو في السماء أو».
(٤) (ق، ن): «أو النار».
(٥) لخَّص هذه المسألة من كتاب الروح شارح الطحاوية (٣٩٨ ــ ٤٠١) دون الإشارة إليه.
(٦) في (أ، ب، ط، ج): «يلقاهم». والمثبت من (ق) والتمهيد لابن عبد البر (١١/ ٥٩).
(٧) في (أ، ق، غ): «عبد الله بن عمر»، وكذا في التمهيد، ولعل الصواب: «عبد الله بن عمرو» كما أثبتنا من النسخ الأخرى. وسيأتي هكذا في الأصل أيضًا. وكذا نقله ابن رجب في الأهوال (١٠٥) عن ابن عبد البر. والعبارة «فقال قائلون عمرو» منقولة من التمهيد، وسيأتي النص على ذلك.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها يأتيهم من رَوْحها [٥٨ ب] ونعيمها ورزقها.
وقال طائفة: الأرواح على أفنية قبورها.
وقال مالك: بلغني أنَّ الروح مرسَلة تذهب حيث شاءت (^١).
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: أرواح الكفار (^٢) في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة (^٣).
وقال أبو عبد الله بن منده: وقال طائفة من الصحابة والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله ﷿، ولم يزيدوا على ذلك.
قال: وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنّ (^٤) أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفار ببَرَهُوتَ: بئرٌ بحضرموت (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا عنه في كتاب ذكر الموت. كذا في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٥) ولم أجده في المطبوع منه. وذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٨٨).
(٢) (ب، ط، ج، ن): «إن أرواح».
(٣) كذا حكاه القاضي أبو يعلى ومن اتبعه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه. ولم ينقله عبد الله، وإنما نقله حنبل. قاله ابن رجب في الأهوال (١٠٣). وفي مسائل عبد الله (٥٤٦): سألت أبي عن أرواح الموتى: أتكون في أفنية قبورها، أم في حواصل طير، أم تموت كما تموت الأجساد؟ فقال: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نسمة المؤمن طائر يعلق » الحديث. ثم ذكر قول عبد الله بن عمرو: إن أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر إلخ.
(٤) لم ترد «أن» في (ب، ط، ج، ن).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٤) عن عبد الله بن عمرو.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمَع؟ فقال: إنَّ الأرض التي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين (^١) حتى يكون البعث (^٢)، وقالوا: هي الأرض التي يُورِثها الله المؤمنين في الدنيا.
وقال كعب: أرواح المؤمنين في علِّيين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجِّينٍ في الأرض السابعة تحت خَدّ إبليس (^٣).
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر بَرَهُوتَ (^٤).
وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين (^٥) في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفار في سجِّين (^٦). وفي لفظ عنه: نَسَمةُ المؤمن
_________________
(١) زاد في (ط): «في الدنيا».
(٢) قال السيوطي في شرح الصدور (٣٣٠): «أخرجه ابن منده. وهذا غريب جدًّا. وتفسير الآية بذلك أغرب». وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٤٣٧). وانظر: الأهوال (١١٤). وسيأتي الكلام على الآية.
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٢٣) والطبري في التفسير (٢٤/ ١٩٤، ١٩٥) وسيأتي الأثر كاملًا عند مناقشة القائلين بأن أرواح المؤمنين عند الله تعالى ولم يزيدوا على ذلك.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤١، ٥٤٢) عن علي بن أبي طالب.
(٥) (ط): «إن أرواح المؤمنين». وقد سقط من (ب، ج): «أرواح من الأرض».
(٦) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٤٢٩) وابن أبي الدنيا في ذكر الموت (٥٤٣).
[ ١ / ٢٧٦ ]
تذهب في الأرض حيث شاءت (^١).
وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن حزم (^٢): مستقرُّها حيث كانت قبل خلق أجسادها.
قال (^٣): والذي نقول به (^٤) في مستقَرِّ الأرواح هو ما قاله الله ﷿ ونبيُّه - ﷺ -، لا نتعداه. فهو البرهان الواضحُ، وهو أنَّ الله ﷿ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (^٥) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١]، فصحَّ أنَّ الله تعالى خلق الأرواح جملةً. وكذلك أخبر - ﷺ -: «أنّ الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^٦). وأخذ الله عهدها وشهادتها له (^٧) بالربوبية، وهي
_________________
(١) صفة الصفوة (١/ ٥٥٥).
(٢) (ن): «أبو محمد ابن حزم».
(٣) في الفِصَل (٢/ ٣٢١ ــ ٣٢٢).
(٤) (ن): «نعوِّل عليه، ونقول به».
(٥) كذا في جميع النسخ على قراءة أبي عمرو من السبعة. ولم يثبت ناسخ (ن) الآية كاملة.
(٦) أخرجه البخاري من حديث عائشة (٣٣٣٦)، ومسلم من حديث أبي هريرة (٢٦٣٨).
(٧) «له» ساقط من (ن). وفي (ط): «وأخذ شهادتها له». وفي (ب، ج): «وأخذ الله شهادتها له».
[ ١ / ٢٧٧ ]
مخلوقة مصوَّرة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يُدخلَها في الأجساد، والأجسادُ يومئذ تراب وماء. ثم أقرَّها (^١) حيث شاء، وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت. ثم لا يزال يبعث منها الجملةَ بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولِّدة من المنيِّ.
إلى أن قال: فصحَّ أنَّ الأرواح أجسام حاملة (^٢) لأعراضها من التعارف والتناكر، وأنَّها عارفة مميزة. فيبلوهم الله في الدنيا كما يشاء، ثم يتوفّاها، فترجعُ إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله - ﷺ - ليلة أُسري به عند سماء الدنيا. أرواحُ أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر. وتُعجَّل أرواحُ الأنبياء والشهداء إلى الجنة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه. قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام. قال: وهذا هو قول الله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨ ــ ١٤] (^٣)، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ ــ ٨٩] إلى
آخرها.
_________________
(١) (ب، ط): «أخرها». (ج): «أخرجها». وكلاهما تصحيف.
(٢) (ب، ط، ق، ج): «كاملة»، تصحيف.
(٣) لم يثبت ناسخ (ن) إلا الآيتين (٨، ٩).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فلا تزال (^١) الأرواح هنالك حتى يتمَّ عدد الأرواح (^٢) كلِّها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها (^٣) إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويعيد الله ﷿ الأرواح إلى الأجساد ثانيةً (^٤)، وهي الحياة الثانية، ويحاسب الخلق: فريق في الجنة، وفريق في السعير، مخلَّدين أبدًا. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامَّة المؤمنين على أفنية قبورهم. [٥٩ ب] ونحن نذكر كلامه وما احتجَّ به، ونبيِّن ما فيه.
وقال ابن المبارك، عن ابن جريج، فيما قرئ (^٥) عليه عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها (^٦).
وذكر معاويةُ بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين، فقال: بلغني أنَّ أرواح الشهداء كطير خضر معلَّقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربَّها في (^٧) كلِّ يوم، تسلِّمُ عليه (^٨).
_________________
(١) (ن): «ولا تزال».
(٢) (ن): «عددها».
(٣) (ن): «يرجعها» ولعله إصلاح من الناسخ؛ لأنه أثبت قبله: «ينفخها».
(٤) (ن): «ثانيًا».
(٥) كذا في الأصل والتمهيد. وفي (ب، ط، ق، ج): «قرأ»، ومثله في تفسير ابن المنذر. وفي (ن): «قرأه».
(٦) أخرجه من هذا الطريق ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٦٣) وابن المنذر في تفسيره (١١٧٩). وانظر تفسير مجاهد (٢١). وقوله: «هي» أي أرواح الشهداء. وانظر: الاستذكار (٣/ ٩٠).
(٧) ساقطة من (ن).
(٨) عزاه ابن رجب في الأهوال (٩٣) إلى ابن منده. وفيه: «يحيى بن صالح عن سعيد». وانظر: شرح الصدور (٣٠٥).
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقال أبو عمر بن عبد البرّ (^١) في شرح حديث ابن عمر: «إنّ أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة» (^٢). قال (^٣): وقد استدَلَّ به مَن ذهب إلى أنَّ الأرواح على أفنية القبور. وهو أصحُّ ما ذُهِب إليه في ذلك ــ والله أعلم ــ لأنَّ الأحاديث بذلك أحسنُ مجيئًا وأثبتُ نقلًا من غيرها (^٤).
قال: والمعنى عندي أنَّها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم (^٥) ولا تفارقُ أفنية القبور. بل هي (^٦) كما قال مالك (^٧) ﵀: إنه (^٨) بلغنا أنَّ الأرواح تسرح حيث شاءت.
قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفنِ الميت، لا تفارق ذلك. والله أعلم (^٩).
وقالت فرقة: مستقرُّها العدمُ المحض. وهذا قول من يقول: إنّ النفس
_________________
(١) (ب، ط، ج): «وقال أبو عمرو» وهو خطأ.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٩) ومسلم (٢٨٦٦).
(٣) ساقط من (ن). وفي (ب، ط): «وقال».
(٤) «لأن غيرها» ساقط من (ق).
(٥) (ن): «لا تلزم»، وهو خطأ. وفي الاستذكار: «لا تريم» ولعله تحرّف في (ن).
(٦) «بل هي» ساقط من (أ، ق، غ). ولا يستقيم المعنى بدونها.
(٧) (ق): «الإمام مالك».
(٨) «إنه» ساقط من (أ، غ).
(٩) الاستذكار (٣/ ٨٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
عرَض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، فتُعدَم بموت البدن، كما تُعدَم سائرُ الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قولٌ مخالفٌ لنصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، كما سنذكر ذلك إن شاء الله. والمقصود: أنَّ عند هذه الفرقة المبطِلة مستقَرّ الأرواح بعد الموت العدمُ المحض.
وقالت فرقة: مستقرُّها بعد الموت أبدان أُخَر تُناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصيرُ كلُّ روح إلى بدن حيوانٍ يشاكِلُ تلك الأرواحَ. فتصيرُ النفس السَّبُعيّةُ إلى أبدان السباع، والكَلبيةُ إلى أبدان الكلاب، والبهيميةُ إلى أبدان البهائم، والدنيَّة السُّفليَّة (^١) إلى أبدان الحشرات. وهذا قول التناسُخيَّة منكري المعاد [٦٠ أ] وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلّهم.
فهذا ما تلخَّص لي من جميع (^٢) أقوال الناس في مصير أرواحهم بعد الموت، ولا تظفر (^٣) به مجموعًا في كتاب واحد غير هذا (^٤) البتَّة. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دلَّ عليه الكتاب والسنَّة، على طريقتنا التي مَنَّ الله بها، وهو مَرجوُّ الإعانة (^٥) والتوفيق.
_________________
(١) (ق): «والسفلية».
(٢) كذا في (أ، ن). وهي ساقطة من (غ). وفي غيرها: «جمع».
(٣) (ب، ط، ن): «يظفر» وضبطت الياء في (ط) بالضم.
(٤) (ق): «واحد هكذا».
(٥) (ب، ط، ج): «المرجو للاعانة». وقد تحرّف «المرجو» في (ن) إلى «الموجد».
[ ١ / ٢٨١ ]