فصل
ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ ما ذكرناه من شأن الروح يختلفُ بحسَب حال الأرواح، مِن (^١) القوة والضعف، والكِبَر والصغر. فللروح العظيمة الكبيرة (^٢) من ذلك ما ليس لمن هو دونها (^٣). وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوتُ أعظمَ تفاوت بحسَب تفاوت (^٤) الأرواح في كيفيَّاتها، وقواها، وبِطائها (^٥) وإسراعها، والمعاونة (^٦) لها.
فللروح المطلَقة من أَسْر البدن وعلائقه وعوائقه مِن التصرُّف والقوة والنَّفاذ والهمَّة وسرعة الصعود إلى الله والتعلُّق بالله ما ليس للروح المَهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه. فإذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها، فكيف إذا تجرَّدت، وفارقته، واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحًا عليِّة زكيَّة كبيرة ذات همّة عالية، فهذه لها بعد مفارقة البدن (^٧) شأنٌ آخر، وفعلٌ آخر.
وقد تواترت الرُّؤيا من أصناف (^٨) بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «في».
(٢) «الكبيرة» ساقط من (ن).
(٣) (ن): «لمن دونها» بإسقاط «هو».
(٤) ساقط من (أ، غ).
(٥) كذا في الأصل (أ، غ). والبطاء مصدر كالبطء. وفي غيرهما: «إبطائها».
(٦) (ب، ج): «المعاوق» وهو: المانع. (ن): «العارف»، وهذا تصحيف.
(٧) (ن): «مفارقتها للبدن».
(٨) «أصناف» ساقط من (ن).
[ ١ / ٣١١ ]
ما لا تقدِرُ (^١) على مثله حالَ اتصالها بالبدن، من هزيمةِ الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك. وكم قد رُئِيَ النبيُّ - ﷺ - ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزَمتْ أرواحُهم عساكرَ الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبةً (^٢) مكسورة، مع كثرة عَدَدهم وعُدَدهم (^٣)، وضعف المؤمنين وقلَّتهم.
ومن العجب أنَّ أرواحَ المؤمنين المتحابِّين المتعارفين تتلاقَى وبينها أعظم مسافة وأبعدها، فتتشامُّ (^٤)، وتتعارف، فيعرف بعضُها بعضًا كأنه جليسُه وعشيرُه. فإذا رآه طابقَ ذلك ما كان عرفَتْه به روحه قبل رؤيته.
قال عبد الله بن عمرو: إنَّ أرواح المؤمنين تتلاقَى على مسيرة يوم، وما رأى أحدهما صاحبه قطُّ. ورفعه بعضهم إلى النبي - ﷺ - (^٥).
_________________
(١) ضبط في (ن): «يُقدَر».
(٢) كذا في (أ، غ). وفي غيرها: «مفلولة».
(٣) «وعُددهم» ساقط من (ب، ج).
(٤) في (أ، ق، ن، غ): «فتتسالم». والصواب ما أثبتنا من (ط). وكذا في (ب) ولكن بعضهم زاد همزة مفتوحة قبل الميم. وفي (ج): «هشام». والتشامّ: التقارب والتعارف. وقد ورد في حديث تقدَّم.
(٥) المرفوع أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦٦٣٦، ٧٠٤٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٦١)، وأبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة (٧٣٦٢، ٧٣٦٣) من طريق درّاج أبي السّمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو ﵄. ودرّاج وثقه ابن معين، وضعّفه الجمهور، فقال الإمام أحمد: حديثه منكر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك. انظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٢٠٨ ــ ٢٠٩). وانظر: السلسلة الضعيفة (١٩٤٧). (قالمي).
[ ١ / ٣١٢ ]
وقال عكرمة ومجاهد: إذا نام [٦٦ ب] الإنسانُ فإنَّ له سببًا تجري فيه الروح، وأصلُه (^١) في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله. فما دام (^٢) ذاهبًا فالإنسانُ نائمٌ، فإذا رجعَ (^٣) إلى البدن انتبه الإنسان. وكان بمنزلة شعاع الشمس، هو ساقطٌ بالأرض، وأصلُه مُتَّصِلٌ بالشمس (^٤).
وقد ذكر أبو عبد الله بن منده عن بعض أهل العلم (^٥) أنه (^٦) قال: إنَّ الروحَ (^٧) تمتدُّ من منخر الإنسان، ومركبُه وأصلُه (^٨) في بدنه، فلو خرج الروحُ بالكلّية لمات؛ كما أنّ السِّراجَ لو فُرِّق بينه وبين الفتيلة لطفئتْ. ألا ترى أنَّ (^٩) مركبَ النار في الفتيلة، وضَوْؤها وشعاعها يملأ البيت؟ فكذلك الروحُ تمتدُّ من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتجول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى، فإذا أراه (^١٠) الملَك الموكَّلُ بأرواح
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «داخله»، تصحيف.
(٢) (أ، ق، غ): «ما دام». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى، وشرح الصدور (٣٥٧).
(٣) (ب، ط): «راجع».
(٤) قول عكرمة ومجاهد هذا نقله شيخ الإسلام في شرح حديث النزول، ولعل مصدره كتاب النفس والروح لابن منده. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٥) هو علي بن يزيد السمرقندي. قال ابن منده: وكان من أهل العلم والأدب، وله بصر بالطب والتعبير. مجموع الفتاوى (٥/ ٤٥٧).
(٦) «أنه» ساقطة من (ب، ط، ج).
(٧) (ب): «قال الأرواح».
(٨) (ب، ن، ج): «داخله»، تحريف.
(٩) «أن» ساقطة من (ط).
(١٠) (ن، ق): «رآه».
[ ١ / ٣١٣ ]
العباد ما أحبَّ أن يُريَه، وكان المرأ (^١) في اليقظة عاقلًا ذكيًّا صَدوقًا لا يلتفت في يقظته إلى شيء من الباطل= رجع إليه روحُه، فأدَّى إلى قلبه الصِّدقَ مما أراه الله ﷿ على حسب خلقه. وإن كان خفيفًا نَزقًا يُحبُّ الباطل والنظرَ إليه، فإذا نام وأراه الله أمرًا من خيرٍ أو شرٍّ= رجعت روحُه إليه، فحيثما رأى شيئًا من مخاريق الشيطان أو الباطل وقفتْ روحُه عليه، كما تقف في يقظته، فكذلك يؤدي (^٢) إلى قلبه، فلا يعقل ما رأى؛ لأنه خَلَطَ الحقَّ بالباطل، فلا يمكن معبِّرًا (^٣) أن يعبِّر له، وقد خلط الحق بالباطل (^٤).
وهذا من أحسن الكلام، وهو دليل على معرفة قائله (^٥) وبصيرته بالأرواح وأحكامها. وأنت ترى الرجل يسمع العلم والحكمة وما هو أنفع شيء له، ثم يمرُّ بباطل ولهو من غناءٍ أو شبهة (^٦) أو زور أو غيره، فيصغي إليه، ويفتحُ له قلبه حتى يتأدَّى (^٧) إليه، فيتخبَّط عليه ذلك الذي سمعه (^٨) مع العلم والحكمة، ويلتبس (^٩) عليه الحقُّ بالباطل.
_________________
(١) (ق): «الرائي».
(٢) (أ، ق، ن): «لا يؤدي». والمثبت من غيرها ومجموع الفتاوى.
(٣) ما عدا (ج): «معبِّرٌ»، وهو خطأ.
(٤) «فلا يمكن بالباطل» ساقط من (ب). وانظر النصَّ في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٧).
(٥) في (ط، ن) غيّر بعضهم إلى «قابليته»!
(٦) في (ب، ج): «شبه»، وفي (ط) بالمهملة وتشديد الباء.
(٧) (ب، ط، ج): «يبادر». (ن): «يُنادى» وكلاهما تصحيف.
(٨) (ب، ن، ج): «يسمعه».
(٩) (ن): «يُلبس».
[ ١ / ٣١٤ ]
فهكذا شأن الأرواح عند النوم (^١). وأما بعد المفارقة فإنها تُعَذَّب بتلك الاعتقادات والشُّبه الباطلة التي كانت حظَّها (^٢) حال اتصالها بالبدن. وينضافُ إلى ذلك عذابها بتلك الإرادات والشهوات التي حيل بينها (^٣) وبينها. وينضاف إلى ذلك (^٤) عذابٌ آخر يُنشئه الله لها ولبدنها من الأعمال التي اشتركت معه فيها. وهذه هي المعيشةُ الضَّنْك [٦٧ أ] في البرزخ، والزاد الذي تزودته (^٥) إليه.
والروحُ الزكية العُلْوية المحِقَّة التي لا تُحبُّ الباطلَ ولا تألفه بضدِّ ذلك كلِّه. تَنعَّمُ بتلك الاعتقادات الصحيحة والعلوم والمعارف التي تلقّتها (^٦) من مشكاة النبوة، وتلك الإرادات والهمم الزَّكية. وينشئُ الله لها من أعمالها نعيمًا يُنعِّمها (^٧) به في البرزخ، فتصيرُ (^٨) لها روضةً من رياض الجنة؛ وكذلك (^٩) حفرة من حفر النار.
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «في النوم». وفي طرّة (ط) ذكر ما أثبتنا من غيرها.
(٢) (ن): «جَنَتْها».
(٣) (ط): «بينه» وسقط من (ق) «بينها» الثانية.
(٤) (ط): «ويضاف إلى ذلك». وقد سقط من (ب): «عذابها ذلك».
(٥) (أ، ج، غ): «يزود به». (ب): «تزود به». (ق): «تردد به». والصواب المثبت من (ط، ن) و«إليه» بعده ساقط من (ن).
(٦) (أ، غ): «تلقيها»، تصحيف. وفي (ن): «بُلِّغَتْها»، هكذا مضبوطًا.
(٧) (ب، ط): «تتنعّم». (ج): «يتنعّم». (ن): «تَنَعَّمُ».
(٨) (ق): «تصير» يعني الأعمال. وفي (ب، ط، ن، غ): «يصير» يعني البرزخ. وفي الأصل بالتاء والياء جميعًا.
(٩) كذا في جميع النسخ. يعني: وكذلك ينشئ الله من أعمال الروح السفلية المبطلة عذابًا يعذِبها به في البرزخ، فتصير لها حفرة من حفر النار. وفي النسخ المطبوعة التي بين يديّ: «ولتلك».
[ ١ / ٣١٥ ]