فصل (^١)
«ونحن ننصر (^٢) ما ذكرناه. فأما أحاديثُ عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير، فكثيرةٌ متواترة عن النبي - ﷺ -، كما في «الصحيحين» (^٣) عن ابن عباس أنَّ النبيَّ - ﷺ - مرَّ بقبرين، فقال: «إنهما لَيُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير. أما أحدُهما فكان لا يستتر (^٤) من البول، وأما الآخرُ فكان يمشي بالنميمة». ثم دعا بجريدة رَطْبة، فشقَّها نصفين، فقال: «لعله يخفَّفُ عنهما ما لم يَيْبسا».
وفي «صحيح مسلم» (^٥): عن زيد بن ثابت قال: بينا رسولُ الله - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغلته، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، فإذا أقبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة. فقال: «من يعرف أصحابَ هذه القبور؟» فقال رجل: أنا. قال: «فمتى مات هؤلاء؟» قال: ماتوا في الإشراك. فقال: «إنَّ هذه الأمةَ تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعكم من عذاب القبر الذي أسمعُ منه». ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «تعوَّذوا بالله من عذاب النار». قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال (^٦): «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر». قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. [٣٤ أ] قال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما
_________________
(١) لا وجود لكلمة «فصل» في (ب، ن، ج) والفتاوى.
(٢) من (أ، غ). وفي (ب، ط، ن): «نبيّن». وفي الفتاوى: «ونحن نذكر ما يبيِّن ما ذكرناه». وفي (ق): «نضمن». وفي (ز): «نضم». ولعلها تصحيف «ننصر».
(٣) البخاري (٢١٦) ومسلم (٢٩٢).
(٤) (ن): «يستبرئ».
(٥) برقم (٢٨٦٧).
(٦) «تعوّذوا قال» ساقط من (ط).
[ ١ / ١٥٠ ]
ظهر منها وما بطن». قالوا: نعوذُ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: «تعوَّذوا بالله من فتنة الدجَّال». قالوا: نعوذُ بالله من فتنة الدجَّال.
وفي «صحيح مسلم» (^١) وجميع السنن (^٢): عن أبي هريرة أن النبيَّ - ﷺ - قال: «إذا فَرَغ أحدُكم من التشهد الأخير، فليتعوَّذ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجَّال».
وفي «صحيح مسلم» (^٣) أيضًا وغيره (^٤): عن ابن عبّاس أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يُعلِّمهم هذا الدعاءَ، كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن: «اللهم إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذُ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذُ بك من فتنة المسيح الدجَّال».
وفي «الصحيحين» (^٥): عن أبي أيوب قال: خرج النبيُّ - ﷺ -، وقد وجَبت الشمسُ، فسمع صوتًا، فقال: «يهود تُعذَّب في قبورها».
وفي «الصحيحين» (^٦): عن عائشة قالت: دخلتْ عليَّ عجوزٌ من عجائز
_________________
(١) برقم (٥٨٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٨٣) والنسائي (١٣٠٩) وابن ماجه (٩٠٩). وانظر: الترمذي (٣٦٠٤).
(٣) برقم (٥٩٠).
(٤) «وغيره» ساقط من (ط). وأخرجه أبو داود (١٥٤٢) والترمذي (٣٤٩٤) والنسائي (٢٠٦٢).
(٥) البخاري (١٣٧٥) ومسلم (٢٨٦٩).
(٦) البخاري (٦٣٦٦) ومسلم (٥٨٦). وكذا سياق الحديث في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٦). وفي الصحيحين أن الداخلة على عائشة عجوزان.
[ ١ / ١٥١ ]
يهود المدينة، فقالت: إنّ أهلَ القبور يُعذَّبون في قبورهم. قالت: فكذَّبتُها، ولم أُنعِمْ أن أُصدِّقَها. قالت: فخرجَتْ، ودخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ -، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ عجوزًا من عجائز يهود أهل المدينة دخلتْ، فزعمتْ أنَّ أهلَ القبور يُعذَّبون في قبورهم. قال: «صدقَتْ، إنَّهم يُعذَّبون عذابًا تسمعُه البهائمُ كلُّها». قالت: فما رأيتُه بعدُ في صلاة إلا يتعوَّذ من عذاب القبر.
وفي صحيح ابن حِبَّان (^١): عن أمِّ مبشِّر قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر» فقلت: يا رسول الله، وللقبر (^٢) عذاب؟ قال: «إنهم لَيعذَّبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم».
قال بعض أهل العلم (^٣): ولهذا السبب يذهب الناس بدوابِّهم إذا مَغِلَتْ (^٤)
_________________
(١) برقم (٣١٢٥) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أمِّ مبشر. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢٠٢٥)، والإمام أحمد (٢٧٠٤٤) كلاهما عن أبي معاوية به. وإسناده جيد. أبو سفيان هو طلحة بن نافع الواسطي، وأبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٦): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح». (قالمي).
(٢) (ب، ط، ج): «أللقبر».
(٣) مجموع الفتاوى: «بعضهم». وفي تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٩٠): «وهذا المعنى كنت أذكره للناس، ولم أعلم أحدًا قاله. ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء». وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٧)، (٣٥/ ١٣٩) ومختصر الفتاوى المصرية (٣١٤) والبداية والنهاية (١٢/ ٥٩٨).
(٤) المغَل: مَغْص يأخذ الدوابَّ عن أكل التراب (المصباح المنير). ويظهر مما ذكر هنا وفي المصادر السابقة أنه يسبّب الإمساك الشديد.
[ ١ / ١٥٢ ]
إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية والنُّصَيرية والقرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإنَّ أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصِدون قبور اليهود والنصارى. قالوا: فإذا سمعت الخيلُ عذاب القبر أحدَثَ لها ذلك فزَعًا وحرارةً تذهب بالمَغَل (^١).
وقد قال عبد الحقّ الإشبيليُّ (^٢): حدثني الفقيه أبو الحكم بن بَرَّجان (^٣) ــ وكان من أهل العلم والعمل ــ أنهم دفنوا ميتًا بقريتهم في شرق (^٤) إشبيلية. فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحيةً يتحدثون، ودابةٌ ترعى قريبًا منهم، فإذا بالدابَّة قد أقبلت مسرعةً إلى القبر، فجعلت أذنَها عليه، كأنها تستمع (^٥)، ثم ولَّت فارَّة. ثم عادت إلى القبر، فجعلت أذنها عليه، كأنها تستمع (^٦)، ثم ولَّت فارة. فعلت ذلك مرة بعد مرة.
_________________
(١) في تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٩٠): «فبسبب الرعب الذي يحصل لها تنحلُّ بطونها، فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال».
(٢) في كتاب العاقبة (٢٤٧).
(٣) عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمي الإشبيلي، من أهل المعرفة بالقراءات والحديث. نعته الذهبي بشيخ الصوفية. توفي سنة ٥٣٦. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٧٢). و«بَرَّجان» ضبط في (ق) بضم الموحدة، وهو خطأ. انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٢٣٧).
(٤) (أ، ق، ج): «شرف». وفي (ن): «سوق». والمثبت من غيرها. وكذا في العاقبة، وتذكرة القرطبي (٤٠٨).
(٥) (ق، ن، ز، غ): «تسمع».
(٦) ما عدا (أ، ج): «تسمع». و«كأنها تستمع» ساقطة من (ب).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال أبو الحكم: فذكرت عذاب القبر، وقولَ النبي - ﷺ -: «إنهم ليعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم».
ذكَر لنا هذه الحكاية ــ ونحن نسمع عليه «كتاب مسلم» ــ لما انتهى القارئ إلى قول النبي - ﷺ -: «إنهم ليعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم» (^١).
وهذا (^٢) السماع واقع على أصوات المعذَّبين. قال هنَّاد بن السَّرِيّ في كتاب «الزهد» (^٣): ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن شَقِيق، [عن مسروق] (^٤) عن عائشة قالت: دخلتْ عليَّ يهودية، فذكرتْ عذاب القبر، فكذَّبتُها. فدخل النبي - ﷺ - عليَّ، فذكرتُ ذلك له، فقال: «والذي نفسي بيده، إنّهم ليعذَّبون في قبورهم حتى تسمعَ البهائم أصواتهم» (^٥).
قلتُ (^٦): وأحاديث المسألة في القبر كثيرة، كما في الصحيحين والسُّنن عن البراء بن عازب أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم إذا سُئِل في قبره، فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]».
_________________
(١) في (ن): «القارئ إلى هذا الحديث».
(٢) (ق): «فهذا».
(٣) برقم (٣٤٧). وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١٤١٦) عن وكيع، به. وإسناده صحيح. (قالمي).
(٤) ساقط من جميع النسخ، وقد أضفناه من مصادر التخريج.
(٥) من «وقد قال عبد الحق الإشبيلي » إلى هنا لم يرد في مجموع الفتاوى. ولعله إضافة من ابن القيم إلى كلام شيخه.
(٦) السياق موهمٌ أن القائل هنا ابن القيم، ولكن الكلام الآتي لشيخ الإسلام. وليس في الفتاوى (٤/ ٢٨٧): «قلت».
[ ١ / ١٥٤ ]
وفي لفظ: «نزلت في عذاب القبر. يقال له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، ونبيِّي محمد (^١). فذلك قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾» (^٢).
وهذا الحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطوَّلًا كما تقدّم.
وقد صرح في هذا (^٣) الحديث بإعادة الروح إلى البدن، وباختلاف أضلاعه. وهذا بيِّنٌ في أنّ العذاب على الروح والبدن [٣٥ أ] مجتمعين.
وقد روى مثلَ حديث البراء في قبض الروح والمساءلة (^٤) والنعيم والعذاب أبو هريرة ــ وحديثُه في المسند وصحيح أبي حاتم (^٥) ــ أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إن الميّت إذا وُضِع في قبره إنّه يسمع خفق نعالهم حين يولُّون
_________________
(١) (أ، ق، غ): «الله ربي، ومحمد نبيّي».
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٩٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذي (٣١٢٠)، والنسائي (٢٠٥٧)، وابن ماجه (٤٢٦٩) من حديث سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁. وهو عند البخاري وأبي داود بنحو اللفظ الأول. وعند الآخرين بنحو اللفظ الثاني. (قالمي).
(٣) لم يرد «هذا» في (ب، ط، ز، ج).
(٤) رسمها في النسخ: «المسايلة».
(٥) أخرجه أحمد (٨٥٦٣) مختصرًا، وابن حبان (٣١١٣)، والحاكم (١/ ٣٧٩ ــ ٣٨٠) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي شيبة (١٢٠٦٢)، وعبد الرزاق (٦٧٠٣)، والطبراني في الأوسط (٢٦٣٠) وغيرهم. وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥٢): «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن». وهو كما قال. (قالمي).
[ ١ / ١٥٥ ]
عنه، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه.
فيؤتَى من قِبَل رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل. ثم يؤتى من يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخل. ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل. ثم يؤتى من قِبَل رجليه، فيقول فِعْلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قِبَلي مدخل.
فيقول له (^١): اجلِسْ. فيجلس، قد مُثِّلتْ له الشمسُ، وقد آضَتْ (^٢) للغروب. فيقال له: هذا الرجلُ الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وما تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلِّي (^٣). فيقولون: إنك ستصلِّي، أخبِرْنا عَمّا نسألك عنه. أرأيت هذا الرجلَ الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ وماذا تشهد عليه؟ فيقول: محمدٌ، أشهد أنَّه رسول الله، جاء بالحقّ من عند الله. فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعَث إن شاء الله.
ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعدَّ الله لك فيها. فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، وينَّور له فيه، ويعاد الجسد لما بُدِئ منه، وتُجعل نَسَمتُه في النَّسَم الطيِّب، وهي طير يعلُق (^٤) في
_________________
(١) «له» ساقط من (ط).
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي مجموع الفتاوى: «أصغت». وفي كتاب ابن حبان: «أُدنيت». وفي بعض المصادر: «تدانت أو دنت». وآضت: عادت.
(٣) (ب، ط، ج): «دعوني أصلي».
(٤) (ب، ط، ج): «تعلق». وقد سبق تفسيره.
[ ١ / ١٥٦ ]
شجر الجنة». قال: «فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾».
وذكر في الكافر ضدَّ ذلك إلى أن قال: «ثم يُضَيَّق عليه في قبره إلى أن تختلِفَ فيه أضلاعه، فتلك المعيشةُ الضَّنْكُ التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]» (^١).
وفي الصحيحين (^٢) من حديث قتادة، عن أنس أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الميت إذا وُضِع في قبره، وتولَّى عنه أصحابُه [٣٥ ب] ــ إنّه ليَسمع خفقَ نعالهم ــ أتاه ملكان فيقرِّرانِه (^٣)، فيقولان له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله». قال: «فيقول (^٤): انظر إلى مقعدك من النار، قد أَبْدَلَك الله به مقعدًا من الجنة». قال رسول الله - ﷺ -: «فيراهما جميعًا».
قال قتادة: وذُكِر لنا أنَّه يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُملأ عليه خَضِرًا إلى يوم يبعثون. ثم رجع إلى حديث أنس. قال: «فأمّا (^٥) الكافرُ
_________________
(١) ثم ساق شيخ الإسلام حديث البراء بطوله، ثم ذكر حديث أنس الآتي وما بعده. مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٢ ــ ٢٩٥).
(٢) البخاري (١٣٧٤) ومسلم (٢٨٧٠).
(٣) (ق): «فيقعدانه». وهو لفظ الصحيحين. وفي النسخ الأخرى كلها ومجموع الفتاوى ما أثبتنا.
(٤) كذا في جميع النسخ والفتاوى. وغيَّره بعض القراء في (ن) إلى «فيقولان». وفي الصحيحين: «فيقال له».
(٥) (ب، ط، ج): «وأما».
[ ١ / ١٥٧ ]
والمنافق فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقولان: لا دريْتَ ولا تَلَيْتَ! ثم يُضرَب بمطراقٍ من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحةً، فيسمعُها مَن عليها غيرَ الثقَلَين».
وفي صحيح أبي حاتم (^١)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُبِر أحدُكم أو الإنسان أتاه ملَكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكَرُ، والآخر: النَّكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - ﷺ -؟ فهو قائلٌ ما كان يقول. فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقولان له: إنْ كنّا لَنَعلمُ أنّك تقول ذلك. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ذراعًا، وينَّور له فيه، ويقال له: نَمْ. فيقول: أرجعُ إلى أهلي ومالي، فأُخبِرهم! فيقولان: نَمْ كنَومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري، كنتُ اسمع الناس يقولون شيئًا، فكنتُ أقوله. فيقولان له: كنَّا نعلم أنَّك تقول ذلك. ثم يقال للأرض: التَئِمي عليه. فتلتئم (^٢) عليه، حتى تختلفَ فيها أضلاعه. فلا يزال معذّبًا حتى يبعثَه الله من مضجعه ذلك».
_________________
(١) برقم (٣١١٧) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه من هذا الوجه الترمذي (١٠٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٦٤)، والآجري في الشريعة (٨٥٨)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (٥٦). وقال الترمذي: «حسن غريب». وينظر: السلسلة الصحيحة (١٣٩١). (قالمي).
(٢) رسم الفعلين في النسخ: التامي، تلتيم.
[ ١ / ١٥٨ ]
وهذا صريح في أنَّ البدن يُعذَّب (^١).
وعن أبي هريرة أنَّ النبي - ﷺ - قال: «إذا حُضِرَ المؤمنُ (^٢) أتته الملائكة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي أيتها الروح الطيّبة راضيةً مرضيًّا عنكِ [٣٦ أ] إلى رَوحٍ ورَيحانٍ وربٍّ غيرِ غضبان. فتخرج كأطيب ريح المسك، حتّى إنّه ليناولُه بعضهُم بعضًا، حتّى يأتوا به بابَ السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذه الريحَ التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواحَ المؤمنين، فلَهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدَمُ عليه. فيسألونه: ماذا فعل فلان؟» قال: «فيقولون: دَعُوه يستريح، فإنه كان في غمِّ الدنيا. فإذا قال: أتاكم (^٣)، فيقولون: إنه ذُهِب به إلى أمه الهاوية (^٤).
وإنّ الكافر إذا احتُضِر أتته ملائكة العذاب بمِسْحٍ، فيقولون: اخرجي مسخوطًا عليك إلى عذاب الله! فتخرج كأنتَنِ ريحِ جيفةٍ، حتى (^٥) يأتوا به بابَ الأرض، فيقولون: ما أنتنَ هذه الروحَ! حتى يأتوا به أرواحَ الكفار».
رواه النسائي، والبزار، ومسلم مختصرًا (^٦).
_________________
(١) لفظ شيخ الإسلام: «وهذا الحديث فيه اختلاف أضلاعه وغير ذلك، مما يبيِّن أن البدن نفسه يعذَّب». فاختصره المصنف كما ترى.
(٢) أي حضره الموت. وفي (ق): «احتضر».
(٣) (ب، ط، ج): «إنه أتاكم».
(٤) «فإذا قال الهاوية» ساقط من (ن).
(٥) «حتى» ساقطة من (ن).
(٦) أخرجه النسائي (١٨٣٣)، والبزار (٨٢١٩)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٣٥٣) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة. وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق معمر، عن قتادة، به. وصحَّح إسناده الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٤٣٩٢). وقال الحاكم: «وقال همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة». يشير بذلك إلى الاختلاف على قتادة، وما رواه عنه معمر وهشام هو الأشبه بالصواب، ولا يمنع أن يكون فيه لقتادة شيخان؛ لأن قتادة واسع الرواية وهو ممن تدور عليه الأسانيد. وحديث همام أخرجه ابن حبان (٣٠١٣) وهو الحديث التالي عند المصنف. وحديث أبي هريرة هذا سبق تخريجه بسياق أطول من رواية سعيد بن يسار، عنه. (قالمي).
[ ١ / ١٥٩ ]
وأخرجه أبو حاتم في صحيحه (^١) وقال: «إن المؤمن إذا حضره الموتُ حضرته ملائكة الرحمة. فإذا قُبض جُعلت (^٢) روحه في حريرة بيضاء، فيُنطلَق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا (^٣) ريحًا أطيب من هذه. فيقال: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقال: دعوه يستريح (^٤)، فإنَّه كان في غمِّ الدنيا. وأما الكافر إذا (^٥) قُبضت نفسُه (^٦) ذُهب بها إلى الأرض، فتقول خَزَنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتنَ من هذه، فيُبلغ بها إلى الأرض السفلى» (^٧).
_________________
(١) سبق تخريجه في الحاشية السابقة.
(٢) (ب، ط، ج): «وضعت».
(٣) (ب، ط): «رحنا».
(٤) «يستريح» ساقط من (ط).
(٥) (ب، ط، ج): «فإذا».
(٦) (ن): «روحه».
(٧) هنا انتهى ما نقله المصنف من كلام شيخه. انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٥). وفيما بعده إلى آخر الفصل كأنه اعتمد في سياق الأحاديث على تذكرة القرطبي (٣٢٣ ــ ٣٢٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
وروى النسائي في سننه (^١) من حديث عبد الله بن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «هذا الذي تحرَّك له العرش، وفُتِحت له أبوابُ السماء، وشهد له سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضَمَّةً، ثم فُرِّج عنه». قال النسائي: يعني سعد بن معاذ (^٢).
ورَوَى (^٣) من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «للقبر ضغطةٌ لو
_________________
(١) برقم (٢٠٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم (هو ابن راهويه)، عن عمرو بن محمد العنقزيّ، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه من هذا الوجه أيضًا الطبراني في الكبير (١٧٠٧) والأوسط (٥٣٣٣). وقال: «لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا ابن إدريس». وإسناده صحيح. رجاله رجال الصحيح. وينظر: السلسلة الصحيحة (١٦٩٥). (قالمي).
(٢) لم أجده في السنن. وقال السيوطي في شرحه: «زاد البيهقي في كتاب عذاب القبر [١٠٩]: يعني سعد بن معاذ». ولكن كذا وقع في تذكرة القرطبي (٣٢٣)، فلعله وهم في عزو ما قاله البيهقي إلى النسائي، وتابعه المصنف.
(٣) ضبط في (ب): «رُوي». ولكن قال المصنف فيما بعد: «رواه». والسياق موهمٌ أن هذا الحديث أيضًا رواه النسائي. والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي، والقرطبي صادر عن كتاب العاقبة (٢٤٤). والسياق في العاقبة: «وذكر النسائي عن ابن عمر ومن حديث شعبة بن الحجاج بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين وذكر مسلم من حديث عبد الله بن عمر». فذكرُ حديث شعبة بعد النسائي وقبل مسلم قد يُوهم أن حديث شعبة أيضًا من كتاب النسائي. وسياق القرطبي في التذكرة (٣٢٣): «النسائي عن عبد الله بن عمر ومن حديث شعبة » إلخ. فتابع عبد الحق بالنص. وليس فيه تصريح بأن حديث شعبة رواه النسائي، خلافًا لابن القيم الذي تصرَّف في النقل، فقال: «رواه من حديث شعبة»، فصرَّح بأنه رواه النسائي، إذ لا مرجع للضمير غيره؛ إلا أن يقال: إن الفاعل سقط من النسخ، وكان في أصل المصنف مثلًا: «رواه [أحمد] من حديث شعبة». والله أعلم.
[ ١ / ١٦١ ]
نجا منها أحد لنجا منها سعدُ بن معاذ». رواه من حديث شعبة (^١).
وقال هنَّاد بن السَّرِيّ (^٢): حدثنا محمد بن فُضَيل، عن أبيه، عن ابن أبي مُليَكة قال: ما أُجِيرَ من ضغطة القبر أحدٌ، ولا سعدُ بن معاذ الذي منديلٌ من مناديله خيرٌ من الدنيا وما فيها.
_________________
(١) أخرجه البغوي في الجعديات (١٥٦٦)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٨٩٧ ــ مسند عمر بن الخطاب)، وابن حبان (٣١١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٩٦)، وفي إثبات عذاب القبر (١١٩، ١٢٠) من طرق عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية امرأة ابن عمر، عن عائشة. وأخرجه الإمام أحمد (٢٤٢٨٣) من طريقين عن شعبة، فقال في الأولى: «عن نافع عن عائشة» ولم يذكر الواسطة، وقال في الأخرى: «عن إنسان عن عائشة» ولم يسمه. وقال الحافظ العراقي في تخريجه أحاديث الإحياء (٤٤٦٦): «رواه أحمد بإسناد جيد». ولكن علم من رواية الجماعة عن شعبة أن نافعًا يرويه عن عائشة بواسطة صفية امرأة ابن عمر. وإسناده صحيح. رجاله رجال الصحيح. (قالمي).
(٢) في كتاب الزهد (٣٥٦).
[ ١ / ١٦٢ ]
قال (^١) [٣٦ ب]: وحدثنا عَبْدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع قال: لقد (^٢) بلغني أنه شهد جنازة سعدِ بن معاذ سبعون ألفَ ملَك لم ينزلوا إلى الأرض قطُّ. ولقد بلغني أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لقد ضُمَّ صاحبُكم في القبر ضمَّةً».
وقال علي بن معبد (^٣):
حدّثنا عبيد الله، عن زيد (^٤) بن أبي أُنَيْسة، عن جابر، عن نافع قال: أتينا صفيةَ بنت أبي عبيد امرأةَ عبد الله بن عمر، وهي فَزِعةٌ (^٥)، فقلنا: ما شأنُك؟ فقالت: جئت من عند بعض نساء النبي - ﷺ -، فحدَّثتني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنْ كنت لأرى لو أنَّ أحدًا أُعْفِيَ من عذاب القبر لعُوفيَ (^٦) منه سعدُ بن معاذ. لقد ضُمَّ فيه ضَمَّةً» (^٧).
_________________
(١) في كتاب الزهد (٣٥٨). ورجاله ثقات ولكنه مرسل. وعبدة هو ابن سليمان الكلابي الكوفي. (قالمي).
(٢) «لقد» ساقط من الأصل.
(٣) في (ب، ن): «علي بن سعيد». وهو تحريف. والآثار الثلاثة الآتية خرَّجها القرطبي في التذكرة (٣٢٤) من كتاب «الطاعة والمعصية» لعلي بن معبد، غير أنه حذف أسانيدها. أما المصنف فساقها بأسانيدها ولكن لم يصرّح باسم الكتاب. وهو علي بن معبد بن شدَّاد العبدي أبو الحسن ــ ويقال: أبو محمد ــ الرَّقِّي نزيل مصر. توفي سنة ٢١٨. انظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٣٨٤). وكتابه «الطاعة والمعصية» ذكره ابن خير في فهرسته (٢٧٢) وابن حجر في المعجم المفهرس (٩٢).
(٤) (أ، ن): «يزيد»، تحريف.
(٥) (ق): «خزاعة».
(٦) في جميع النسخ والتذكرة هنا: «لعفي»، ولعله تصحيف سماعي لما أثبتنا من الأوسط للطبراني (١١٥٩) وحلية الأولياء (٣/ ١٧٤).
(٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (١١٥٩) قال: حدثنا أحمد (هو ابن داود المكي) ثنا عبيد الله (هو ابن عمرو الرقي) بإسناده. وفيه جابر وهو ابن يزيد الجعفي وهو متروك. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٤٧): «وهو مرسل وفي إسناده من لم أعرفه». كذا قال! ولم يتبين لي وجه الإرسال فيه؛ لأنه من رواية نافع عن صفية، عن بعض زوجات النبي - ﷺ -، إلا إذا كان على مذهب من يسمي حديث الصحابي المبهم مرسلًا كالبيهقي وغيره. وقد سبق في رواية سعد بن إبراهيم أنّ نافعًا يرويه عن صفية، عن عائشة ﵂. وقوله ﵀: «وفي إسناده من لم أعرفه» كذا ولعله يعني شيخ الطبراني وإلا فرواته معروفون بالثقة سوى جابر الجعفي فهو معروف بالضعف. والله أعلم. (قالمي).
[ ١ / ١٦٣ ]
وحدثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيّب، عن معاوية العبسي، عن زاذان أبي عمر (^١)، قال: لما دَفَن رسول الله - ﷺ - ابنتَه جلس عند القبر، فتربَّد وجهُه، ثم سُرِّي عنه. فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفًا، ثم سُرِّي عنك. فقال النبي - ﷺ -: «ذكرت ابنتي وضعْفَها وعذابَ القبر، فدعوت الله، ففرَّج عنها. وَايم الله لقد ضُمَّت ضَمَّةً سمعها مَن بين الخافقين» (^٢).
_________________
(١) (ب): «أبي عمرو». (ز): «بن عمر». وفي غيرهما: «بن عمرو». والصواب ما أثبتنا. وكذا في التذكرة.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه كما في اللآلئ المصنوعة (٢/ ٤٣٤) عن مروان بن معاوية بإسناده. ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥١٨)، وفي الموضوعات (٣/ ٢٣٣). وهو مرسل، زاذان أبو عمر ذكره ابن سعد في الطبقات (٦/ ١٧٨) في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: «كان ثقة قليل الحديث»، ووثقه أيضًا ابن معين والخطيب وغيرهما. (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٠٣). وأما معاوية العبسي فلم أظفر له بترجمة. وله شاهد من حديث أنس. أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٨١٠) من طريق زكريا بن سلام، عن سعيد بن مسروق عن أنس. قال الحافظ ابن رجب في أهوال القبور (ص ١١٦): «وزكريا قيل: إنه مجهول، وسعيد بن مسروق لم يُدرك أنسًا فهو منقطع». وله طريق أخرى من رواية الأعمش، لكن اختُلف عليه كثيرًا كما شرح ذلك أبو الحسن الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٥١) ثم قال: «والحديث مضطرب عن الأعمش». ونقله عنه ابن الجوزي في الموضوعات وقال: «هذا حديث لا يصح من جميع طرقه». (قالمي).
[ ١ / ١٦٤ ]