فلو كان الميت بين الناس موضوعًا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه، من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضرْبَه. وهذا الواحد منّا ينام إلى جنب صاحبه، فيُعذَّب في النوم، ويُضرَب، ويألَم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتَّة، وقد يسري (^١) أثر الضرب والألم إلى جسده.
ومِن أعظم الجهل استبعادُ شقِّ الملَكِ الأرضَ والحجرَ، وقد جعلها (^٢) الله سبحانه له (^٣) كالهواء للطير، ولا يلزم من حَجْبِها للأجسام الكثيفة [٤٦ ب] أن تتولَّج فيها حَجْبُها للأرواح اللطيفة. وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وبهذا وأمثالِه كُذِّبت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
فصل
الأمر السابع (^٤): أنه غير ممتنِعٍ أن تُردَّ الروح (^٥) إلى المصلوب والغريق والمحترق (^٦) ونحن لا نشعر بها، إذ ذلك الردُّ نوع آخرُ غير المعهود. فهذا المغمَى عليه والمسكوتُ (^٧) والمبهوتُ أحياء، وأرواحُهم معهم، ولا
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «سرى».
(٢) (ق): «جعلهما».
(٣) «له» لم يرد في (أ، غ).
(٤) (ق، ب، ط، ج): «الثامن»، والصواب ما أثبتنا من الأصل و(ن، غ) وقارن هذا الأمر بالوجه الثالث من جواب القرطبي في التذكرة (٣٧٦).
(٥) في (أ، غ): «الروح ترد».
(٦) كذا في الأصل. وفي (ق، ب، ط، غ): «المحرَق». وفي (ن، ج): «الحريق».
(٧) يعني من أصابته السكتة. والكلمة لم ترد في المعجمات. وفي التذكرة: صاحب السكتة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
نشعر (^١) بحياتهم. ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالًا بتلك الأجزاء، على تباعُدِ ما بينهما (^٢) وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعورٌ بنوع من الألم واللذَّة.
وإذا كان الله ﷾ قد جعل في الجمادات شعورًا (^٣) وإدراكًا تُسبِّح ربَّها به، وتسقط (^٤) الحجارةُ من خَشيته، وتسجد له الجبال والشجر، وتسبِّحه الحصَى والمياهُ والنبات.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ولو كان التسبيح هو مجرَّد دلالتها على صانعها لم يقل: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (^٥) فإنَّ كلَّ عاقل يفهم (^٦) دلالتها على صانعها (^٧).
_________________
(١) ما عدا (أ، ق، غ): «يُشعر».
(٢) كذا في (أ، غ) يعني بين الروح وأجزاء الجسم. وفي غيرهما: «بينها». وكأنّ في (ق، ط) تغييرًا في المتن.
(٣) زاد في (ب): «بنوع من الألم». وأشير إليها في حاشية (ط). وهو غلط سببه انتقال النظر. وجواب «إذا» سيأتي بعد الشواهد على تسبيح الجمادات.
(٤) (ن): «تهبط».
(٥) «ولو كان تسبحهم» ساقط من (ن).
(٦) ما عدا (أ، غ): «يفقه».
(٧) وقد ذكر المصنف في مفتاح دار السعادة (٢/ ١٠٦) أن هذا القول ــ وهو أنّ المراد من تسبيح الجمادات دلالتها على صانعها فقط ــ باطل من أكثر من ثلاثين وجهًا قد ذكر أكثرها في موضع آخر. وانظر: جامع الرسائل لشيخ الإسلام (١/ ٤٠). والقول المذكور نسبه ابن الجوزي في زاد المسير (٤/ ٤٥٣) إلى جماعة من العلماء.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] والدلالة على الصانع لا تَختصُّ بهذين الوقتين.
وكذلك قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] والدلالة لا تختصُّ معِيَّته (^١) وحده. وكذَب على الله من قال: التأويبُ رجعُ الصدى (^٢)، فإنّ هذا يكون لكل مصوِّت.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]. والدلالة على الصانع لا تختصُّ بكثير من الناس.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] فهذه صلاةٌ وتسبيح حقيقة يعلمها الله وإن جحدها الجاهلون (^٣) المكذبون.
وقد أخبر تعالى عن الحجارة أنَّ بعضها يزولُ من مكانه، ويسقط (^٤) من
_________________
(١) (ن): «بمعيته». وفي (ب، ج): «بعينه». وفي (ط): «بعينيه» وكلاهما تصحيف.
(٢) ما عدا (أ، غ): «الصدر»، وهو تحريف. وفي (ط) حاشية لبعض القراء: «لعله الصوت أو الصدا». ثم نقل قول البغوي في تفسيره (٣/ ٥٩٥): «وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها، وعكف الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك». ثم قال: فلعل هذا هو الذي ردّه المصنّف.
(٣) في (ج) زاد بعده واو العطف. وفي (ب، ط، ن): «الجاحدون». وفي (ط، ن) زاد واو العطف.
(٤) (ن): «يهبط».
[ ١ / ٢١١ ]
خشيته. وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له، ــ وحُقَّ لهما (^١) ذلك ــ أي (^٢): يستمعان كلامه؛ وقد خاطبهما، فسمعا خطابه، وأحسنا جوابه، فقال لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام، وهو يؤكل (^٣). وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد (^٤) [٤٧ أ].
فإذا (^٥) كانت هذه الأجسام فيها (^٦) الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك.
وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار إعادةَ حياةٍ كاملة إلى بدن قد فارقته الروح، فتكلَّم، ومشى، وأكل وشرب، وتزوّج ووُلد له؛ كالذين ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وكالذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وكقتيلِ بني
_________________
(١) (أ، ق، غ): «قولهما»، تحريف.
(٢) (ب، ط، ج): «أن».
(٣) يشير إلى حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٧٩).
(٤) انظر ما أخرجه البخاري في كتاب المناقب من حديث ابن عمر (٣٥٨٣) وجابر بن عبد الله (٣٥٨٤، ٣٥٨٥).
(٥) سياق الكلام: «وإذا كان الله ﷾ قد جعل في الجمادات شعورًا وإدراكًا فإذا كانت هذه الأجسام». طال الفصل بين إذا وجوابها فأعاد «فإذا كانت ».
(٦) (أ، غ): «منها».
[ ١ / ٢١٢ ]