فهذه أقوال أهل الحَيْرة والضلالة (^١).
فصل
ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ عذاب القبر هو عذاب البرزخ. فكلُّ من مات، وهو مستحِقٌّ للعذاب، ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يُقبر. فلو أكلته السباع، أو أُحرِق حتى صار رمادًا، أو نُسِف في الهواء، [٣٧ ب] أَو صُلِب، أو غَرِق في البحر= وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور (^٢).
وفي «صحيح البخاري» (^٣) عن سَمُرة بن جُنْدُب قال: كان النبي - ﷺ - إذا صلَّى صلاةً أقبل علينا بوجهه، فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» قال: فإن رأى أحدٌ رؤيا قصَّها. فيقول ما شاء الله. فسألنا يومًا، فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا. قال: «لكنّي رأيتُ الليلةَ رجلين أتياني، فأخذا بيدي، وأخرجاني إلى الأرض المقدَّسة. فإذا رجل جالس، ورجل قائم، بيده كَلُّوبٌ من حديد، يُدخله في شِدْقِه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشِدقه الآخرِ مثلَ ذلك، ويلتئم شِدقه هذا، فيعود، فيصنع مثله.
قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطِلْق.
فانطلقنا حتى أتَيْنا على رجلٍ مضطجع على قَفاه، ورجلٌ قائمٌ على رأسه بصخرة أو فِهْر، فيشدَخ بها رأسَه. فإذا ضربه تدَهْدَهَ الحجر، فانطلقَ إليه
_________________
(١) (ن، ز): «الضلال».
(٢) في (ق، ز) والنسخ المطبوعة: «القبور»، تحريف. وانظر «الأمر الثامن» في المسألة الآتية.
(٣) برقم (١٣٨٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسُه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه، فضربه.
قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلِق.
فانطلقنا إلى نَقْبٍ مثل التنّور، أعلاه ضيِّق، وأسفلُه واسع، يوقَد تحته نارٌ (^١). فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراةٌ. فيأتيهم اللهب من تحتهم، فإذا اقترب (^٢) ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا (^٣)، فإذا خمدت رجعوا.
فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا، حتى أتينا على نهر من دمٍ، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمَى الرجلُ بحجرٍ في فيه، فردَّه حيث كان. فجَعل كلَّما جاء ليخرج رمَى في فيه بحجر، فرجع كما كان.
فقلت: ما هذا، قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراءَ، فيها شجرةٌ عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان. وإذا رجل قريب من الشجرة، بين يديه نارٌ يوقدها. فصعدا بي الشجرة، وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها، فيها شيوخ وشبَّان (^٤). ثم صعدا بي فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل.
_________________
(١) (ق): «نارًا».
(٢) (ب، ط): «ضرمت». (ن): «أضرمت».
(٣) كذا في الأصل وغيره ما عدا (ط، ز) والنون حذفت للتخفيف. وقد يكون المؤلف أثبت «كاد أن يخرجوا» كما في الصحيح، فأخطأ الناسخ. وفي (ط، ز): «يخرجون».
(٤) في الصحيح: «رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان».
[ ١ / ١٧٠ ]
قلت [٣٨ أ]: طَوَّفْتُماني (^١) الليلة، فأخبِراني عما رأيتُ. قالا: نعم. الذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقُه كذَّاب يحدِّث بالكَذْبة، فتُحمَل عنه حتَّى تبلغ الآفاق؛ فيُصنَع به إلى القيامة. والذي رأيته يُشدَخ رأسُه، فرجلٌ علَّمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل به في النهار؛ يُفعل به إلى يوم القيامة. وأما الذي رأيت في النَّقْب فهم الزناة. والذي رأيتَه في النهر فآكلُ الربا.
وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة فإبراهيم، والصبيانُ حوله فأولاد الناس، والذي يوقِد النار فمالكٌ خازُن النار. والدارُ الأولى دار عامَّة المؤمنين، وأما هذه الدار فدار الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعتُ رأسي، فإذا قصر مثلُ السحابة. قالا: ذاك منزلك، قلت (^٢): دَعاني أدخلْ منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملتَه أتيتَ منزلك».
وهذا نصٌّ في عذاب البرزخ، فإنَّ رؤيا الأنبياء وَحْي مطابق لما في نفس الأمر.
وقد ذكر الطحاوي (^٣) عن ابن مسعود عن (^٤) النبي - ﷺ - قال: «أُمِر بعبد
_________________
(١) (ب، ط): «طُفتمابي».
(٢) (ب، ط، ج): «فقلت».
(٣) في مشكل الآثار (٣١٨٥) قال: حدثنا فهد بن سليمان، ثنا عمرو بن عون الواسطي، ثنا جعفر بن سليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود. ورجاله ثقات غير عاصم هو ابن أبي النجود وهو صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحن، كما في التقريب. وجوَّد إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٧٤). (قالمي). والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي. (الإصلاحي).
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «أنَّ».
[ ١ / ١٧١ ]
من عباد الله أن يُضرَب في قبره مائة جلدة. فلم يزل يسألُ الله ويدعوه حتى صارت واحدة (^١)، فامتلأ قبره عليه (^٢) نارًا. فلما ارتفع عنه أفاق، فقال: علَام جلدتموني؟ قالوا: إنّك صلَّيت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره».
وقد ذكر البيهقي (^٣) حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي
_________________
(١) في (ب، ط) زيادة: «فضرباه». وفي مشكل الآثار مكانها: «فجُلد جلدة واحدة».
(٢) (أ): «عليه قبره».
(٣) في دلائل النبوة (٦٧٩) والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي (٤٠١). (الإصلاحي). أخرجه البيهقي من طريق أبي جعفر الرازي وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، بطوله. ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٣١٨٤)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٢٤ ــ ٤٣٥)، والبزار (٥٥ - كشف الأستار). إلا أنه وقع عند ابن أبي حاتم والبزار الشك في شيخ الربيع بن أنس أو غيره. ووقع عند الطبري الشك في الصحابي: «عن أبي هريرة أو غيره» وزاد: «شك أبو جعفر» يعني عيسى بن ماهان الرازيّ. قال البزار: «وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد من هذا الوجه». وفي إسناده أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، صدوق سيئ الحفظ كما في التقريب، ومن سوء حفظه شكّه في التابعي هل هو أبو العالية الرياحي واسمه نُفيع بن مهران وهو ثقة من رجال الجماعة أو غيره فيكون مجهولًا. ولذلك قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٢) ــ بعد أن عزاه للبزار ــ: «رجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس، قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعيه مجهول». والحديث أورده ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٢ ــ ٣٨) عن الطبري بطوله ثم قال عقبه: «أبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يَهِم في الحديث كثيرًا، وقد ضعَّفه غيره أيضًا، ووثقه بعضهم، والأظهر أنه سيئ الحفظ ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى، أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء، والله أعلم». (قالمي).
[ ١ / ١٧٢ ]
هريرة، عن النبي - ﷺ - في هذه الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ الآية [الإسراء: ١]، قال: «أُتي بفرس، فحُمل عليه». قال: «كلُّ خطوة منتهى أقصى بصره. فسار، وسار معه جبريلُ، فأتَى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلَّما حصدوا عاد كما كان، فقال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون (^١) في سبيل الله، يُضاعَف لهم الحسنةُ بسبعمائة ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
ثم أتى على قوم تُرضَخ رؤوسهم بالصخر، كلَّما رُضِخت عادت [٣٨ ب] كما كانت، لا يُفَتَّرُ عنهم شيءٌ من ذلك. قال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل (^٢) رؤوسهم عن الصلاة.
قال: ثم أتى على قوم، على أقبالهم رِقاعٌ، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام على الضَّريع، والزَّقُّوم، ورَضْفِ (^٣) جهنَّم، وحجارتها. قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدُّون صدقات أموالهم. وما ظلمهم الله، وما الله بظلام للعبيد.
_________________
(١) ما عدا (أ، ق): «المجاهدون». وقد غيَّر بعضهم في (ب) «المهاجرون» إلى «المجاهدون». وفي الدلائل ما أثبتنا.
(٢) (ب، ط، ن، ج): «تنام».
(٣) ما عدا (ب، ط): «وصف»، تصحيف. والرضف: الحجارة التي حميت بالشمس أو النار.
[ ١ / ١٧٣ ]
ثم أتى على قوم، بين أيديهم لحمٌ من (^١) قِدْر نضيج، ولحم آخر خبيث. فجعلوا يأكلون من الخبيث، ويدَعُون النضيج الطيب. فقال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هذا الرجل يقوم، وعنده امرأة حلالًا طيبًا (^٢)، فيأتي المرأةَ الخبيثة، فتبيتُ معه حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمرُّ بها شيء إلا قصَفَتْه. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].
ثم مرَّ على رجل قد جمَعَ حُزمةً عظيمةً لا يستطيع حملَها، وهو يريد أن يزيدَ عليها. قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا (^٣) رجل من أمتك، عليه أمانةٌ، لا يستطيع أداءها، وهو يزيد عليها.
ثم أتى على قوم تُقَرَض شفاههم بمقاريض (^٤) من حديد، كلَّما قُرِضت عادت كما كانت، لا يفتَّر عنهم شيء. قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة (^٥).
ثم أتى على حجر صغير، يخرج منه ثور عظيم. فجعل الثور (^٦) يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال (^٧): هذا الرجل
_________________
(١) (ن، ز): «في». وكذا في الدلائل.
(٢) (ق، ز): «حلال طيب».
(٣) «هذا» من (ق، ن، ج) والدلائل.
(٤) (أ، غ): «بمقارض».
(٥) (ط): «أمتك».
(٦) «الثور» ساقط من (أ، غ).
(٧) «هؤلاء خطباء قال» ساقط من (ن).
[ ١ / ١٧٤ ]
يتكلم بالكلمة، فيندم عليها، فيريد أن يردَّها، فلا يستطيع». وذكر الحديث.
وذكر البيهقي (^١)
أيضًا في حديث الإسراء من رواية أبي سعيد الخُدري عن النبي - ﷺ - قال: «فصعدْتُ أنا وجبريلُ، فاستفتح جبريل، فإذا بآدم (^٢) كهيئته يومَ خلقه الله على صورته، تُعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روحٌ طيِّبة ونَفْس طيِّبة، اجعلوها في علِّيين. ثم تُعرض عليه (^٣) أرواح ذريته الفُجَّارِ، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجِّين.
ثم مضَيْتُ هنيَّة، فإذا أنا بأَخوِنَة [٣٩ أ]، عليها لحمٌ مُشرَّح (^٤) ليس بقربها أحد. وإذا بأخْوِنة أخرى، عليها لحم قد أرْوَحَ ونَتِن، وعندها ناس يأكلون منها. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء يتركون الحلال ويأتون الحرام.
_________________
(١) في دلائل النبوة (٦٧٧) والمصنف صادر عن تذكرة القرطبي (٤٠٣). (الإصلاحي). أخرجه البيهقي بسنده عن أبي محمد بن أسد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه ابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٤/ ٤٣٦ ــ ٤٤١) من طريقين عن أبي هارون به، مطوّلا ومختصرًا. وإسناده ضعيف جدًّا. علّته أبو هارون العبدي مشهور بكنيته واسمه عمارة بن جُوَيْن. قال الحافظ في التقريب: «متروك ومنهم من كذبه». وساقه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢١ ــ ٢٥) عن البيهقي بطوله، ثم قال في آخره: «أبو هارون العبدي واسمه عمارة بن جوين وهو مضعَّف عند الأئمة، وإنما سقنا حديثه هاهنا لما في حديثه من الشواهد لغيره». (قالمي).
(٢) (أ، غ): «آدم».
(٣) «عليه» ساقط من (ب، ط).
(٤) زاد بعضهم في الأصل واوًا بين الراء والحاء ليقرأ «مشروح» كما في (غ). وفي (ب، ط، ن، ج): «يشرح».
[ ١ / ١٧٥ ]
قال: ثم مضيت هنيَّة فإذا أنا بأقوامٍ بطونُهم أمثالُ البيوت (^١)، كلّما نهض أحدهم خرَّ يقول: اللهم لا تُقِم الساعة. قال: وهم على سابلةِ آل فرعون. قال: فتجيء السابلة (^٢)، فتطؤُهم، فيصيحون (^٣). قلت: يا جبريل (^٤) من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال: ثم مضَيْت هنيَّةً، فإذا أنا بقوم (^٥)، مشافِرُهم كمشافر الإبل، فتُفتَح (^٦) أفواهُهم، فيُلْقَمون الجمر، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يصيحون (^٧). قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا.
ثم مضيت هنيَّة، فإذا أنا بنساء معلَّقات بثُدِيِّهن، فسمعْتُهن يصِحْن. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزواني.
ثم مضيت هنيَّة، فإذا أنا بقوم يُقطع من جنوبهم اللحمُ، فيُلْقَمون، فيقال: كُلْ ما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: من هؤلاء؟ قال: الهمَّازون من أمتك». وذكر الحديث بطوله.
_________________
(١) (ط): «كأمثال البيوت».
(٢) السابلة: الطريق المسلوك، والسالكون عليه.
(٣) (ب، ط، ج): «يضجُّون».
(٤) «يا جبريل» ساقط من (ط).
(٥) (ط، ن): «بأقوام».
(٦) (ط، ج): «فتنفتح».
(٧) (ب، ط، ج): «يضجُّون».
[ ١ / ١٧٦ ]
وفي سنن أبي داود (^١) من حديث أنس بن مالك قال (^٢): قال رسول الله - ﷺ -: «لما عُرج بي مررتُ بقومٍ، لهم أظفارٌ من نحاس، يخمِشُون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم».
وقال أبو داود الطيالِسيُّ في مسنده (^٣): حدثنا شعبةُ، عن الأعمش، عن
_________________
(١) (ن): «وفي د». كذا اكتفى بالرمز. والحديث فيه برقم (٤٨٧٨). وانظر: تذكرة القرطبي (٤٠٤). (الإصلاحي». أخرجه أبو داود من طريق بقية وأبي المغيرة كلاهما عن صفوان، عن راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير كلاهما عن أنس. وأخرجه الإمام أحمد (١٣٣٤٠)، والطبراني في الأوسط (٨)، وفي مسند الشاميين (٩٣٢) من طريق أبي المغيرة، به. وإسناده صحيح، رجاله ثقات شاميون؛ وصفوان هو ابن عمرو الحمصي، وأبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصي. وانظر: السلسلة الصحيحة (٥٣٣). (قالمي).
(٢) «قال» ساقط من (ب، ط).
(٣) برقم (٢٧٦٨) وانظر: التذكرة (٣٩٥). (الإصلاحي). ورجاله ثقات، غير أنّ أصحاب الأعمش خالفوا شعبة في إسناده ولفظه؛ فأخرجه البخاري (٦٥٢)، ومسلم (٢٩٢) من طريق وكيع. والبخاري (٢١٨) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، و(١٣٧٨) من طريق جرير. ومسلم من طريق عبد الواحد بن زياد. أربعتهم عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وفيه: «لا يستتر من بوله» بدل «فكان يأكل لحوم الناس». فتبين بهذا أن مجاهدًا لم يسمعه من ابن عباس، فيكون في إسناد الطيالسي انقطاع، وشذوذ في قوله: «فكان يأكل لحوم الناس» يعني يغتابهم. ويجوز أن يكون مجاهد سمع الحديث من الوجهين، بواسطة وبغير واسطة؛ يؤيد ذلك أن الإمام البخاري (٢١٦، ٦٠٥٥) رواه من طريق منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس، لكن بلفظ الجماعة. (قالمي).
[ ١ / ١٧٧ ]
مجاهد، عن ابن عباس أنّ رسول الله - ﷺ - أتى على قبرين فقال: «إنهما لَيُعذَّبان في غير كبير (^١). أمَّا أحدهما فكان يأكل لحوم الناس. وأما الآخر فكان صاحب نميمة. ثم دعا بجريدة، فشَقَّها نصفَين، فوضع نصفَها على هذا القبر، ونصفها على هذا القبر، وقال: عسى أن يخفَّف عنهما ما دامتا رَطبتين».
وقد اختلف الناس في هذين: هل كانا كافرين أو مؤمنين؟
فقيل: كانا كافرين. وقوله: «وما يعذّبان في كبير» (^٢) يعني: بالإضافة إلى الكفر والشِّرك. قالوا: ويدلُّ عليه [٣٩ ب] أنَّ العذاب لم يرتفع عنهما، وإنما خُفّف (^٣). وأيضًا فإنه (^٤) خُفِّف مدةَ رُطوبة الجريدة فقط. وأيضًا فإنّهما لو كانا مؤمنين لشَفَع فيهما ودعا لهما النبي - ﷺ -، فرُفع عنهما العذابُ بشفاعته. وأيضًا ففي بعض طرق الحديث: أنهما كانا كافرين. وهذا التعذيبُ زيادةٌ على تعذيبهما بكفرهما وخطاياهما، وهو دليل على أنَّ الكافر يعذَّب بكفره وذنوبه جميعًا. وهذا اختيار أبي الحَكَم بن بَرَّجان (^٥).
_________________
(١) (ب، ط، ج، ز): «وما يعذبان في كبير» موضع «في غير كبير». والمثبت من غيرها موافق لما في المسند. ولعل بعض الناسخين نظر إلى اللفظ الذي سيأتي في الكلام على الحديث، فأثبته هنا ليزول الخلاف بين المتن والشرح.
(٢) لم يسبق هذا اللفظ في كلام المصنف، ولكنه ينقل من تذكرة القرطبي الذي أورد أحاديث مختلفة وتكلم عليها. وهذا لفظ الصحيحين.
(٣) (ط، ز): «يخفف». (ن): «خفف عنهما».
(٤) (ط): «إنه».
(٥) في كتابه: «الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد». انظر: التذكرة للقرطبي (٣٩٦). وبه جزم أبو موسى المديني، كما في فتح الباري (١/ ٣٢١).
[ ١ / ١٧٨ ]
وقيل: كانا مسلمين لنفيْهِ - ﷺ - التعذيبَ بسببٍ غير السببين المذكورين، ولقوله: «وما يعذبان في كبير»، والكفرُ والشرك أكبر الكبائر على الإطلاق. ولا يلزم أن يشفَع النبي - ﷺ - لكل مسلم يعذَّب في قبره على جريمة من الجرائم (^١)، فقد أَخبر عن صاحب الشَّملة الذي قُتل في الجهاد أنَّ الشملة تشتعل عليه نارًا في قبره، وكان مسلمًا مجاهدًا (^٢). ولا يُعلَم ثبوت هذه اللفظة، وهي قوله: «كانا كافرين» (^٣)، ولعلها لو صحَّت ــ وكَلَّا (^٤) ــ فهي من
_________________
(١) في (أ، غ): «على الحرام». سقط وتحريف.
(٢) يشير إلى حديث أبي هريرة. أخرجه البخاري (٤٢٣٤) ومسلم (١١٥).
(٣) أخرج الطبراني في الأوسط (٤٦٢٨) من طريق ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «مرَّ النبيُّ - ﷺ - على قبور نساء من بني النجار، هلكوا في الجاهلية، فسمعهم يعذَّبون في القبور في النميمة». قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن أسامة بن زيد إلا ابن لهيعة». ومن هذا الوجه رواه أبو موسى المديني، كما في فتح الباري (١/ ٣٢١)، ولفظه: «أن النبي - ﷺ - مرَّ على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة» قال أبو موسى: «هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح». قال الحافظ ابن حجر: «لكن الحديث الذي احتج به أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة». يعني الحافظ ما أخرجه الإمام أحمد (١٤١٥٢) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٥٥): «رجاله رجال الصحيح». (قالمي).
(٤) «وكلا» ضرب عليه في الأصل، ولم يرد في (ب، غ).
[ ١ / ١٧٩ ]
قول بعض الرواة. والله أعلم. وهذا اختيار أبي عبد الله القرطبي (^١).
* * *
_________________
(١) التذكرة (٣٩٦). ورجح ابن حجر احتمال كونهما كافرين في حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (٣٠٠٦). أما حديث ابن عباس، فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين. انظر: فتح الباري (١/ ٣٢١).
[ ١ / ١٨٠ ]