فصل
وأما قول (^١) من قال: أرواحُ المؤمنين عند الله تعالى، ولم يزد على ذلك؛ فإنه تأدَّبَ مع لفظ القرآن، حيث يقول الله ﷿: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وقد احتجَّ أربابُ هذا القول بحُجج، منها: ما رواه محمد بن إسحاق الصَّغَاني (^٢)، ثنا يحيى بن أبي بُكير (^٣)، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء (^٤)، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الميتَ إذا خرجت نفسُه يُعرَج بها إلى السماء حتى يُنتهى بها (^٥) إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجلُ السوءُ يُعرجَ بها إلى السماء، فإنه لا يُفتَح لها أبواب السماء، فترسَل من السماء، فتصير (^٦) إلى القبر».
_________________
(١) «قول» ساقط من (ب، ط، ج، ن).
(٢) في (أ، غ): «الصنعاني»، تحريف. وقد تحرّف من قبل في جميع النسخ إلى الصفار.
(٣) (ب، ج، ط، ن): «أبي بكر»، تحريف.
(٤) زاد في (ب، ط) بعده: «عن عطاء»، وهو خطأ.
(٥) «بها» ساقطة من (ب، ج).
(٦) «فترسل فتصير» كذا في (ط، ج، ن). وفي الأصل: «فيرسل فيصير». وفي (ب): «فترسل فيصير».
[ ١ / ٣١٦ ]
وهذا إسنادٌ لا تَسألْ (^١) عن صحته، وهو في مسند أحمد وغيره (^٢).
وقال أبو داود الطيالسيُّ (^٣): ثنا حماد بن سلَمة: عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري قال: تخرج روح المؤمن (^٤) أطيبَ من ريح المسك، فتنطلق (^٥) بها الملائكة الذين يتوفَّونه، فتتلقاه الملائكة (^٦) من دون السماء، فيقولون: هذا فلان بن فلان، كان يعمل كَيْتَ وكيت ــ لمحاسن (^٧) عمله ــ فيقولون: مرحبًا بكم وبه! فيقبضونها منهم، فيُصعَد به من الباب الذي كان يَصعَد منه عمله (^٨)، فتشرق في السماوات (^٩) ولها برهانٌ كبرهان الشمس، حتى ينتهي (^١٠) إلى العرش.
_________________
(١) (ب، ط، ن): «يُسأل». وانظر ما سبق من قول أبي نعيم في الإسناد.
(٢) تقدَّم الحديث في المسألة السادسة (ص ١٤١) من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، وثَمَّ تخريجه.
(٣) ليس في المطبوع من مسنده. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢١٨٧) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٩٩) من غير هذا الطريق وبلفظ مختلف. وعزاه ابن رجب في الأهوال (١٠٦) والسيوطي في شرح الصدور (١٠٤) إلى اللالكائي أيضًا. وليس في كتابه المطبوع.
(٤) ما عدا (أ، غ): «نفس المؤمن». وأشير إلى هذه النسخة في حاشية (ط) أيضًا.
(٥) (ن): «ينطلق».
(٦) (أ، غ): «فيتلقاه ». (ب، ط): «فتلقاهم ملائكة». (ن، ج): «فيتلقاهم».
(٧) (ب، ط، ن): «بمحاسن».
(٨) «فيقولون عمله» ساقط من (ن).
(٩) (ن): «السماء». و«في» ساقطة من (ب).
(١٠) (غ): «تنتهي». ولم ينقط أوله في (ب، ق).
[ ١ / ٣١٧ ]
وأما الكافرُ، فإذا قُبض اُنطُلِق بروحه، فيقولون: ما هذا؟ فيقولون: هذا (^١) فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت ــ لمساوي (^٢) عمله ــ فيقولون: لا مرحبًا! لا مرحبًا! رُدُّوه إلى أسفل الأرض (^٣) إلى الثرى.
وقال المكّي (^٤) بن إبراهيم، عن داود بن [٦٧ ب] يزيد الأودي (^٥)، قال: أراه عن عامر الشعبي، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: الأرواح موقوفة عند الرحمن ﷿ تنتظر موعدها (^٦) حتى يُنفَخ فيها (^٧).
وذكر سفيان بن عيينة، عن منصور بن صفية، عن أمه أنه (^٨) دخل ابن عمر المسجد بعد قتل (^٩) ابن الزبير، وهو مصلوب، فأتى أسماء يعزِّيها، فقال لها: عليكِ بتقوى الله والصبر، فإنَّ هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله. فقالت: وما يمنعني من الصبر، وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل (^١٠).
_________________
(١) «هذا» ساقط من (ب، ط، ن). ومكانها في (ج): «روح».
(٢) (ب، ط، ن): «بمساوي».
(٣) ما عدا (أ، ق، غ): «الأرضين».
(٤) ما عدا (أ، ق، غ): «مكي»، دون لام التعريف.
(٥) (ق): «الأزدي»، تصحيف.
(٦) ما عدا (أ، ق، غ): «فتنظر موعودها».
(٧) (ب، ط): «في الصور». والأثر أخرجه ابن منده. عزاه إليه ابن رجب في الأهوال (١١٥) وقال: هذا إسناد ضعيف. وانظر: شرح الصدور (٣٣١).
(٨) «أنه» ساقط من (ب، ط، ج).
(٩) (ب، ط، ن): «أن قُتِل».
(١٠) سبق تخريجه في المسألة السادسة (ص ١٢٣).
[ ١ / ٣١٨ ]
وذكر جريرٌ، عن الأعمش، عن شِمْر بن عطية، عن هلال بن يساف (^١)، قال: كنَّا جلوسًا إلى كعب، والربيع بن خُثَيم (^٢)، وخالد بن عَرْعَرة في أناس، فجاء ابن عبَّاس فقال: هذا ابنُ عمِّ نبيِّكم. قال: فأوسعَ له، فجلس (^٣) فقال: يا كعب، كلُّ ما في القرآن قد عرفتُ غيرَ أربعة أشياء، فأخبرني عنهن: ما سجِّين؟ وما علِّيون؟ (^٤) وما سِدرة المنتهى؟ وما قول الله لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؟
قال: أما عِلِّيُّون، فالسماء السابعة، فيها أرواح المؤمنين. وأما سِجِّين، فالأرض السابعة السفلى، وأرواح الكفار تحت خدِّ إبليس (^٥).
وأما قول الله سبحانه لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، فإنَّ الله أوحى إليه أنّي رافعٌ لك كلَّ يوم مثل أعمال بني آدم. وكلَّم صَديقًا له من الملائكة أن يُكلِّم له ملَكَ الموت، فيؤخِّرَه حتى يزدادَ عملًا، فحمله بين جناحيه، فعرج به. حتى إذا كان في السماء الرابعة لقيه ملَكُ الموت، فكلَّمه في حاجته، فقال: وأين هو؟ قال: هو ذا بين جناحيَّ. قال: فالعجبُ أنِّي أُمِرتُ أن أقبض روحَه في السماء الرابعة. فقبض روحه (^٦).
_________________
(١) (ن): «يسار»، تحريف.
(٢) (ق، ب، ن): «خَيثم»، تصحيف.
(٣) (ق): «في المجلس».
(٤) (أ، غ): «عليين».
(٥) هذا الجزء من الجواب قد سبق في أول هذه المسألة.
(٦) «فقبض روحه» ساقط من (ن). وأخرج الطبري هذا الجزء في تفسيره (١٥/ ٥٦٢ ــ ٥٦٣). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: «وقد روى ابن جرير هنا أثرًا غريبًا عجيبًا» وبعد ما أورده قال: «هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة». تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٣).
[ ١ / ٣١٩ ]
وأما سِدرة المنتهى فإنها سِدرة على رؤوس حَمَلة العرش، ينتهي إليها علمُ الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علمٌ، فلذلك سُمِّيتْ سدرة المنتهى (^١).
قال ابن منده: ورواه وهب بن جرير، عن أبيه، ورواه يعقوب القُمِّي عن شِمْر (^٢). ورواه خالد بن عبد الله، عن العوَّام بن حَوشَب، عن القاسم بن عوف، عن الربيع بن خُثَيم، قال: كنَّا جلوسًا عند كعب، فذكره [٦٨ أ].
وذكر يعلى بن عبيد، عن الأجلَح، عن الضحَّاك قال: إذا قُبِض روحُ العبد المؤمن عُرِج به إلى السماء الدنيا، فينطلق معه المقرَّبون إلى السماء الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، حتى يُنتهى به إلى سدرة المنتهى. قلت للضحّاك: لِمَ سُمِّيت سدرة المنتهى؟ قال: لأنه ينتهي إليها كلُّ شيء من أمر الله ﷿ لا يعدُوها. فيقول: ربِّي (^٣) عبدك فلان، وهو أعلم به منهم (^٤)، فيبعث الله إليه بصكٍّ مختوم بأمنه من العذاب، وذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ ــ ٢١] (^٥).
وهذا القولُ لا ينافي قولَ من قال: هم في الجنة، فإنَّ الجنّة عند سدرة
_________________
(١) هذا الجزء أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٣٣).
(٢) (ق): «شمس»، تحريف.
(٣) (ب، ج): «ربِّ». (ط): «فيقولون: ربِّ».
(٤) «من أمر الله منهم» ساقط من (ن).
(٥) في (ن) اكتفي بإثبات الآية الأولى. والأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٠٩).
[ ١ / ٣٢٠ ]