فصل
فأمَّا (^١) من قال: هي في الجنة، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩].
قال: وهذا ذكره سبحانه عقيبَ ذكر (^٢) خروجها من البدن بالموت، وقسَّم الأرواح إلى (^٣) ثلاثة أقسام: مقرَّبين، وأخبر أنّهم (^٤) في جنّة نعيم (^٥)؛ وأصحاب يمين (^٦)، وحكم لها بالسلام (^٧)، وهو يتضمَّن سلامتها من العذاب. ومكذِّبةٍ ضالَّةٍ، وأخبر أنَّ لها نُزُلًا من حميم وتصليةَ جحيم.
قالوا: وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعًا. وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة. فذكر (^٨) حالها بعد الموت، وبعد البعث.
واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ ــ ٣٠]. وقد قال غيرُ واحد من الصحابة والتابعين: إنَّ هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا، يبشِّرها
_________________
(١) (ط): «وأما».
(٢) ساقط من (ق).
(٣) (ق): «على».
(٤) كذا في الأصل و(غ). وفي غيرهما: «أنّها».
(٥) ما عدا (أ، ن، غ): «النعيم».
(٦) (ط): «اليمين».
(٧) (ن): «السلامة».
(٨) ما عدا (أ، ق، غ): «وذكر»، تصحيف.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الملَك بذلك. ولا ينافي ذلك قولَ من قال: إن هذا يقال لها (^١) في الآخرة، فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث (^٢).
وهذه من البشرى التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] (^٣). وهذا التنزُّل (^٤) يكون عند الموت، ويكون في القبر، ويكون عند البعث، وأول بشارة الآخرة عند الموت.
وقد تقدَّم في حديث البراء بن عازب (^٥) أنَّ الملَك يقول لها عند قبضها: أبشري برَوْح ورَيحان. وهذا من ريحان الجنّة.
واحتجُّوا بما رواه مالك في الموطأ (^٦)، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أنّه (^٧) أخبره أنَّ أباه كعب بن مالك كان يحدِّث أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنما نَسَمةُ المؤمن طائرٌ يعلُق في شجر الجنة حتى يَرجِعه الله إلى جسده (^٨) يوم يبعثه».
_________________
(١) «عند خروجها لها» ساقط من (ن).
(٢) انظر: مدارج السالكين (٢/ ١٧٨ ــ ١٧٩).
(٣) اختصر ناسخ (ن) الآية.
(٤) (ط): «النزل». (ن): «التنزيل». وكلاهما تصحيف.
(٥) بل في حديث أبي هريرة. وقد سبق في المسألة السادسة (ص ١٣٩).
(٦) برقم (٥٦٩). وانظر التمهيد (١١/ ٥٦).
(٧) «أنه» ساقط من (ن). و«بن مالك» ساقط من (ب، غ).
(٨) (أ، ق، غ): «إلى حياة»، تحريف.
[ ١ / ٢٨٣ ]
قال أبو عمر (^١): وفي رواية مالكٍ هذه بيانُ سماع الزهري لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وكذلك [٦٠ ب] رواه يونس عن الزهري قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك (^٢) يحدِّث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيُّ عن الزهري: حدثني عبد الرحمن بن كعب.
وقد أَعَلَّ محمد بن يحيى الذُّهلي هذا الحديث بأنَّ شعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهري، وصالح بن كيسان= روَوْه عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جدِّه كعب، فيكون منقطعًا (^٣). وقال صالح بن كيسان: عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن أنَّه بلغه أنَّ كعب بن مالك كان يحدِّث. قال الذهلي: وهذا المحفوظ عندنا، وهو الذي يُشبه حديث صالح وشعيب وابن أخي الزهري.
وخالفه في هذا غيرُه من الحفَّاظ، فحكموا لمالك والأوزاعي (^٤).
قال أبو عمر (^٥): فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعي، والحارث بن فُضَيل على رواية هذا الحديث عن الزهري، عن
_________________
(١) في كتاب التمهيد (١١/ ٥٦ ــ ٥٧).
(٢) «وكذلك مالك» ساقط من (ب، ج، ن).
(٣) على رأي من يرى عدم سماعه من جده، وهو قول الذهلي حيث قال في علل حديث الزهري: «ما أظنه سمع من جدِّه شيئًا». وقال الدارقطني: «روايته عن جده مرسل». انظر: تهذيب التهذيب (٩/ ٢١٥). (قالمي)
(٤) (ب، ط، ن، ج): «للأوزاعي». ولم ترد هذه الفقرة في التمهيد، فلعله من كلام المؤلف.
(٥) التمهيد (١١/ ٥٧).
[ ١ / ٢٨٤ ]
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. وصححه الترمذي وغيره (^١).
قال أبو عمر (^٢): ولا وجهَ عندي لما قاله (^٣) محمد بن يحيى من ذلك، ولا دليل عليه. واتفاقُ (^٤) مالك ويونس بن زيد والأوزاعيِّ ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفسُ إلى قولهم وروايتهم أسكنُ، وهم من الحفظ والإتقان بحيث لا يقاس بهم مَن خالفهم في هذا الحديث (^٥). انتهى (^٦).
وقد قال محمد الذهلي: سمعت علي بن المديني يقول: وُلِدَ لكعبٍ (^٧) خمسة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وعبد الرحمن، ومحمد. قال الذهلي: فسمع الزهري من عبد الله (^٨) بن كعب، وكان قائد أبيه حين عمِيَ، وسمع
_________________
(١) إنما صحَّحه الترمذي (١٦٤١) من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه. بلفظ: «إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمرة الجنة أو شجر الجنة». ولكن صحَّحه ابن حبان (٤٦٥٧) من رواية الليث عن الزهريّ، به، بمثل رواية مالك سندًا ومتنًا. (قالمي) والجملة «وصححه الترمذي وغيره» لم ترد في التمهيد (الإصلاحي).
(٢) التمهيد (١١/ ٥٨).
(٣) (ب، ج): «والأوجه عندي ما قاله»، تحريف عكس المعنى.
(٤) (ط): «ولا دليل على اتفاق» تحريف أفسد السياق.
(٥) انظر: الاستذكار (٨/ ٣٥٧)، وللمزيد يراجع كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ لأبي العباس الداني (٢/ ١٨٢ ــ ١٨٧) (قالمي).
(٦) يعني كلام أبي عمر، لا النقل من كتابه، فإن الفقرة الآتية منقولة منه (١١/ ٥٦).
(٧) (ب، ط، ج): «ولدُ كعبٍ».
(٨) (ب، ط، ن): «عبيد الله». والصواب ما أثبتنا من غيرها والتمهيد. وانظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦٩).
[ ١ / ٢٨٥ ]
من عبد الرحمن بن كعب، وسمع من عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (^١). وروى عن بَشير (^٢) بن عبد الرحمن بن كعب، ولا أراه سمع منه. انتهى.
فالحديث إن كان لعبد الرحمن (^٣) عن أبيه كعبٍ ــ كما قال مالك ومَن معه ــ فظاهرٌ. وإن كان لعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن جدِّه ــ كما قال شعيب ومَن معه ــ فنهايته أن يكون مرسَلًا من هذه الطريق، وموصولًا من الأخرى. والذين وصلوه ليسوا بدون الذين أرسلوه قَدْرًا ولا عددًا (^٤). فالحديث من صحاح الأحاديث، وإنما لم يخرِّجه صاحبا الصحيح لهذه العلّة، والله أعلم.
قال أبو عمر (^٥): وأما قوله: «نسمة المؤمن»، فالنسمة هاهنا: الروح.
_________________
(١) هذه الجملة ساقطة من (ن).
(٢) ضبط في الأصل بضم الباء. وفي (ن): «بشر». والصواب ما أثبتنا. انظر: الإكمال لابن ماكولا (١/ ٢٨٤).
(٣) (ن): «لعبد الله»، خطأ.
(٤) ويجوز أن يكون ذلك كله محفوظًا عن الزهري لاختلاف أصحابه الثقات الكبار عليه، فكان تارة يحدث به عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وتارة عن ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. ونظير ذلك روايته عنهما في قصة توبة كعب بن مالك ﵁ في غزوة تبوك، وقد أخرج البخاري بعضه عنه عن عبد الرحمن بن كعب، وبعضه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب. قال الحافظ في الفتح (٦/ ١١٤): «وقد سمع الزهري منهما جميعًا». (قالمي).
(٥) التمهيد (١١/ ٥٨).
[ ١ / ٢٨٦ ]
يدلُّ على ذلك قوله - ﷺ - في الحديث نفسه: «حتى يَرْجِعَه الله إلى جسده يوم يبعثه». وقيل: النسمة: الروح والنفس والبدن. وأصل هذه اللفظة، أعني النسمة: الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح: نسمةٌ ــ والله أعلم ــ لأن (^١) حياة الإنسان بروحه (^٢)، فإذا فارقته (^٣) عُدم أو صار كالمعدوم. والدليل على أنّ النسمة الإنسان قوله - ﷺ -: «من أعتق نسمةً مؤمنةً» (^٤)، وقولُ عليٍّ ﵁: «والذي فلَقَ الحبَّةَ وبرأ النسمة» (^٥). وقال الشاعر (^٦):
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «أن».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «روحه».
(٣) (ب، ن، ج): «وإذا فارقه». (ط): «فإذا فارقه».
(٤) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ٤٦٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٦٣٤)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨٦)، والأوسط (٣٧٣٨) من حديث فاطمة بنت علي بن أبي طالب، عن أبيها ﵁. وإسناده حسن لولا أن فيه انقطاعًا؛ فإن فاطمة وهي الصغرى قال أبو حاتم في المراسيل (٩٦٩): «لم تسمع من أبيها شيئًا، وقد رأت أباها». وكذا قال العجلي في ثقاته (٢٣٤٦). وله شاهد من حديث أبي قلابة عن عمرو بن عبسة ﵁، أخرجه عبد الرزاق (١٥٤) في حديث طويل، وفيه انقطاع أيضًا؛ فإن أبا قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي عن عمرو بن عبسة مرسل، قاله المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ١٢٠. ترجمة عمرو بن عبسة). وروي من وجوه كثيرة عن عمرو بن عبسة، لكن بلفظ: «من أعتق رقبة» أو نحوه، انظر: السلسلة الصحيحة (٢٦٨١). وهو بهذا اللفظ في الصحيحين وغيرهما. (قالمي)
(٥) البخاري (٣٠٤٧)، ومسلم (٧٨).
(٦) كذا في التمهيد (١١/ ٥٨). ولكن في الاستذكار (٣/ ٩١) نسب البيت إلي ذي الرمة. والصواب أنه للأعشى من قصيدة يمدح بها قيس بن معديكرب. وصلة البيت قبله في ديوانه (١/ ٢٠٠): وما أيْبُليٌّ على هَيكلٍ بناه وصلَّبَ فيه وصارا يُراوِح من صلَوات المليـ ـكِ طورًا سجودًا وطورًا جُؤارًا بأعظم منك وفي الديوان: «منه». وقد تصحفت «نقضن» و«تقى» و«منك» في النسخ الخطية.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بأعظمَ منك تُقًى في الحسابِ إذا النَّسَماتُ نَفَضْنَ الغُبارا
يعني: إذا بُعِث الناس من قبورهم يوم القيامة.
وقال الخليل بن أحمد: النسمة: الإنسان. قال: والنسمة الروح. والنسيم: هبوب الريح (^١).
وقوله: «تعلق في شجر الجنَّة»، يُروىَ بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضمِّ اللام، والمعنى واحد، وهو: الأكل والرعي. يقول: تأكل من ثمار الجنة، وترعى (^٢) وتسرحُ بين أشجارها (^٣). والعَلوقة والعَلاق والعَلوق: الأكل والرَعي (^٤). تقول العرب: ما ذاق اليوم عَلوقًا أي: طعامًا. قال الربيع بن زياد يصف الخيل (^٥):
_________________
(١) كتاب العين (٧/ ٢٧٥).
(٢) «ترعى» لم ترد في (أ، ق، غ).
(٣) كذا قال في التمهيد (١١/ ٥٩) إن معنى «تعلق» بضم اللام وفتحها واحد. وفي الاستذكار (٣/ ٩٠): «وفي قول ابن مسعود: «تسرح بالجنة» ما يعضد رواية من روى «تعلَق» بفتح اللام؛ لأن معنى ذلك: تسرح. ومن روى «تعلُق» فالمعنى فيه عند أهل اللغة: تأكل وترعى». وما قاله في التمهيد أصح.
(٤) يقصد ما يؤكل وما يُرعى، أي الاسم لا المصدر.
(٥) من أبيات له في الحماسة (١/ ٤٩٥) والأغاني (١٧/ ١٣٠) وغيرهما. وكذا «علوقة» في التمهيد والاستذكار. والرواية: عدوفًا وعدوفةً، بالدال والذال. انظر قصة أبي عمرو مع يزيد بن مزيد الشيباني في اللسان (عدف). وانظر: إصلاح المنطق (٣٩٠) والتعازي والمراثي (٢٨١) والمستقصى (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٢٨٨ ]
ومجنَّباتٍ ما يَذُقْنَ عَلوقةً يمصَعْن بالمُهُرات والأمهار
وقال الأعشى (^١):
وفَلاةٍ كأنّها ظهرُ تُرْسٍ ليس فيها غيرَ الرَّجيعِ علاقُ
قلت (^٢): ومنه قول عائشة: والنساءُ إذ ذاك خِفافٌ، لم يغشَهنَّ اللحمُ، إنَّما يأكلن العُلْقَة من الطعام (^٣). وأصل اللفظة من التعلُّق، وهو ما يَعلَقُ القلبَ والنفسَ من الغذاء.
قال (^٤): واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند الله في الجنة، شهداءَ كانوا أم غيرَ شهداء، إذ لم يحبِسْهم عن الجنَّة كبيرةٌ ولا دَين، وتلقَّاهم ربُّهم بالعفو عنهم والرحمة لهم.
قال: واحتجّوا بأنَّ هذا الحديث لم يخُصَّ فيه شهيدًا من غير شهيد.
_________________
(١) من قصيدة في ديوانه (٢/ ٥٥). والرواية المشهورة: ليس إلا الرجيعَ فيها علاق. وفي التمهيد: «ليس فيها إلا ». وكذا في المحكم (١/ ١٢٤). وفي (أ، ق): «فيها الرجيع». وفي طرّة الأصل: «من» مع علامة صح. يعني: «فيها من الرجيع» كما في (غ). وفي النسخ الأخرى: «غير الرجيع» كما أثبتنا. ولا أدري أكان في أصل المؤلف هكذا، أم سقطت «إلا» من الأصل ــ والمصدر: التمهيد ــ فأكمل النساخ بزيادة «غير»، فاستقام الوزن، وصحّ المعنى!
(٢) والقائل: ابن القيم.
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٤) التمهيد (١١/ ٥٩ ــ ٦١).
[ ١ / ٢٨٩ ]
واحتجُّوا أيضًا بما رُويَ عن أبي هريرة (^١): إنَّ أرواح الأبرار في علِّيين، وأرواحَ الفُجَّار في سجين (^٢). وعن عبد الله بن عمرو (^٣) مثلُ ذلك (^٤).
قال أبو عمر: وهذا قول يعارضه من السنّة ما لا مَدْفعَ في صحة نقله، وهو قوله: «إذا مات أحدُكم عُرِض عليه [٦١ ب] مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. يقال له: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة» (^٥).
وقال آخرون (^٦): إنما معنى هذا الحديث في الشهداء دون غيرِهم، لأن القرآن والسنةَ إنما يدُلان على ذلك. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].
وأما الآثار، فذكَرَ حديث أبي سعيد الخُدريِّ (^٧) من طريق بقيِّ بن مخلد مرفوعًا: «الشهداء يغدون ويروحون (^٨)، ثم يكون مأواهم إلى قناديلَ معلَّقةٍ بالعرش، فيقول لهم الربُّ ﵎: هل تعلمون كرامةً أفضلَ من
_________________
(١) فيما عدا (أ، ق، غ) زيادة: «قال».
(٢) لم أجده في غير التمهيد.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي التمهيد: «ابن عمر».
(٤) (أ، غ): «مثل هذا الحديث».
(٥) تقدم قبل قليل (ص ٢٨٠).
(٦) (ب، ط، ن، ج): «الآخرون».
(٧) (ب، ط، ج): «فذكر عن أبي سعيد الخدري».
(٨) بعده في التمهيد: «إلى رياض الجنة».
[ ١ / ٢٩٠ ]
كرامةٍ أكرَمْتُكموها؟ فيقولون: لا، غير أنا وددنا أنَّك أعدْتَ أرواحنا في أجسادنا حتَّى نقاتلَ مرةً أخرى، فنُقتَل في سبيلك». رواه عن هنَّاد، عن إسماعيل بن المختار، عن عطيَّة، عنه (^١).
ثم ساق حديث ابنِ عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمَّا أصيب إخوانكم ــ يعني يومَ أحد ــ جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خُضْرٍ تَرِدُ أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ مذلَّلةٍ (^٢) في ظلّ العرش. فلما وجدوا طيبَ مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلِّغ إخواننا أنَّا أحياءٌ (^٣) في الجنة نُرزَق لئلا ينكُلوا عن الحرب، ولا يزهَدوا في الجهاد؟ قال: فقال الله تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]» (^٤).
والحديث في مسند أحمد، وسُنن أبي داود (^٥).
_________________
(١) أخرجه هنّاد بن السري في الزهد (١٥٦). ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤١١). وإسناده ضعيف، فيه علتان: عطية وهو ابن سعد العوفي سيئ الحفظ وهو مدلس وقد عنعن، وشيخ هنّاد إسماعيل بن المختار لا يُعرف، وقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٧٤): «عن عطية، سمع منه هنَّاد بن السري فيه نظر لم يصح حديثه». وانظر: لسان الميزان (١/ ٤٣٨). (قالمي)
(٢) في (أ، غ): «مدلية»، ولعل صوابها: «مدلّاة». وفي غيرهما: «مدللة» وصوابها ما أثبتنا ــ وكذا في التمهيد ــ من ذُلِّل الكرْمُ: دُلِّيت عناقيده. قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤].
(٣) «أحياء» ساقط من (أ، غ).
(٤) «وأما الآثار يرزقون» ساقط من (ن).
(٥) المسند (٤/ ٢١٨)، أبو داود (٢٥٢٠). وقد سبق في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
ثم ذكر حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (^١) [آل عمران: ١٦٩] فقال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحُهم في جَوْف طير خُضْر تسرَح في الجنة في أيِّها شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: وأيَّ شيء (^٢) نشتهي، ونحن [٦٢ أ] نسرَحُ من الجنة حيث نشاء! ففعَل بهم ذلك (^٣) ثلاثَ مرات، فلما رأَوْا أنهم لم يُترَكوا من أن يُسألوا قالوا: يا ربِّ نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نُقتَل في سبيلك مرّةً أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تُرِكوا».والحديث في صحيح مسلم (^٤).
قلتُ: وفي صحيح البخاري (^٥) عن أنس أنَّ أمَّ الرُّبَيِّع بنت البراء ــ وهي (^٦) أمُّ حارثة بن سُراقة ــ أتت النبي - ﷺ -، فقالت: يا نبيَّ الله، ألا تحدِّثني عن حارثة؟ ــ وكان قُتِل يومَ بدر، أصابه سهمٌ غَرْبٌ (^٧) ــ فإن كان في الجنة صبرتُ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ عليه في البكاء. قال: «يا أمَّ حارثة، إنّها جِنان (^٨)، وإنَّ ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى».
_________________
(١) الآية فيما عدا (أ، ق، غ) إلى ﴿أمواتًا﴾.
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «أي شيء» دون الواو.
(٣) (ق): «ذلك بهم».
(٤) برقم (١٨٨٧) وقد تقدم في المسألة الخامسة (ص ١١٢).
(٥) برقم (٢٨٠٩).
(٦) «وهي» ساقط من (ط).
(٧) وهو الذي لا يُدرى راميه.
(٨) بعدها في (ق): «في الجنة». وكذا في الصحيح في كتاب الجهاد.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ثم ساق (^١) من طريق بَقي بن مخلد، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا ابن عيينة، عن عبيد الله (^٢) بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: أرواحُ الشهداء تَجُول في أجواف طير خضر تَعْلُق في ثمر الجنة.
ثم ذكر عن معمر، عن قتادة قال: بلغنا أنَّ أرواح الشهداء في صُوَر طيرٍ بيضٍ تأكل من ثمار الجنة.
ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد الله (^٣) بن عمرو (^٤): «أرواح الشهداء في طير كالزرازير يتعارفون ويُرزَقون من ثمر الجنة».
قال أبو عمر (^٥): وهذه الآثار كلّها تدلُّ على أنهم الشهداءُ دون غيرهم. وفي بعضها: في صُوَر طير، وفي بعضها: في أجواف طير، وفي بعضها: كطير خضر.
قال: والذي يُشبِه عندي ــ والله أعلم ــ أن يكون القول (^٦) قولَ من قال: كطير (^٧)، أو صور طير؛ لمطابقته لحديثنا (^٨) المذكور. يريد حديث كعب بن
_________________
(١) التمهيد (١١/ ٦٣ ــ ٦٤).
(٢) (أ، ن، غ): «عبد الله»، تصحيف.
(٣) (ط): «عبيد الله»، تصحيف.
(٤) زاد في (ط): «أنّ».
(٥) التمهيد (١١/ ٦٤ ــ ٦٥).
(٦) (ب، ج): «العدل»، تصحيف.
(٧) (ب، ط): «كطير خضر». وبعده في (ط): «أو صور طير خضر».
(٨) (ب، ط، ج): «حديثنا».
[ ١ / ٢٩٣ ]
مالك، وقوله فيه: نسمة المؤمن طائر، ولم يقل: في جوف طائر (^١).
قال: وروى عيسى بن يونس حديث ابن مسعود (^٢) عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله: «كطير خضر».
قلت: والذي في صحيح مسلم: «في أجواف طير خُضر».
قال أبو عمر: فعلى هذا التأويل، كأنه - ﷺ - قال: «إنما نسَمَةُ المؤمن من الشهداء طائر (^٣) يعلق في شجر الجنة».
قلتُ: لا تنافي بين قوله - ﷺ -: «نسمة المؤمن طائر [٦٢ ب] يعلق في شجر الجنة» وبين قوله: «إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعَشِيِّ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار».وهذا الخطاب يتناول الميِّتَ على فراشه والشهيدَ، كما أنَّ قوله: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» يتناول الشهيدَ وغيرَه. ومع كونه يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ تَرد روحُه أنهارَ الجنة، وتأكل من ثمارها. وأما المقعدُ الخاص به والبيتُ الذي أُعِدَّ له، فإنَّه إنما يدخله يوم القيامة.
ويدلُّ عليه أنَّ منازلَ الشهداء ودُورَهم وقصورَهم التي أَعدَّ الله لهم ليست هي (^٤) تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحُهم في البرزخ قطعًا. فهم
_________________
(١) «ولم طائر» ساقط من (ن).
(٢) في الأصل ضرب بعضهم على «مسعود» وكتب في الطرّة: «منصور» مع علامة صح. وهو غلط منه إذ ظنَّ أن «ابن مسعود» هنا يروي عن الأعمش! وكذا «ابن منصور» في (غ).
(٣) (ب، ج): «كطائر». وأشار إلى هذه النسخة في طرّة (ط). وهو خطأ.
(٤) (ب، ط، ج): «من»، تحريف.
[ ١ / ٢٩٤ ]
يَرَوْن منازلهم ومقاعدهم من الجنّة، ويكون مستقرُّهم في تلك القناديل المعلَّقة بالعرش، فإنَّ الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخولُ الأرواح الجنة في البرزخ أمرٌ دون ذلك.
ونظير هذا: أهلُ الشقاء تُعرَض أرواحُهم على النار غدوًّا وعشيًّا، فإذا كان يومُ القيامة دخلوا منازلهم ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ. فتنعُّمُ الأرواحِ بالجنة في البرزخ شيء، وتنعُّمُها مع الأبدان بها يوم القيامة شيء آخر. فغذاء الروح من الجنة في البرزخ دون غذائها (^١) مع بدنها يوم البعث. ولهذا قال: «تعلُق في شجر الجنة»، أي: تأكل العلقة، وأما تمامُ الأكل والشرب واللبس والتمتُّع فإنما (^٢) يكون إذا رُدَّت (^٣) إلى أجسادها يوم القيامة. فظهر (^٤) أنه لا يعارِض هذا القولَ من السنّة شيءٌ، وإنما تُعاضدِهُ السنَّةُ وتوافقه.
وأما قول من قال: إنَّ حديث كعب في الشهداء دون غيرهم، فتخصيصٌ ليس في اللفظ ما يدلُّ عليه. وهو حَمْلُ اللفظ العامِّ على أقلِّ مسمَّياته، فإنّ الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين قليلٌ جدًّا، والنبي - ﷺ - علَّق هذا الجزاء بوصفِ الإيمان، فهو المقتضي له، لم يعلِّقه بوصف الشهادة.
ألا ترى أنَّ الحكم الذي اختَصَّ [٦٣ أ] بالشهداء عُلِّق بوصف الشهادة، كقوله في حديث المقدام بن معديكرب: «للشهيد عند الله ستُّ خصال:
_________________
(١) (ق): «عذابها».
(٢) (ب، ط، ج): «إنما».
(٣) زاد في (ق): «الأرواح».
(٤) (ق): «وظهر».
[ ١ / ٢٩٥ ]
يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعدَه من الجنة، ويُحلَّى حُلَّة الإيمان، ويزوَّجُ من الحور العين، ويجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضعُ على رأسه تاجُ الوَقار، الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين (^١)، ويشفَّع في سبعين إنسانًا (^٢) من أقاربه» (^٣). فلما كان هذا يختصُّ (^٤) بالشهيد قال: «إنَّ للشهيد»، ولم يقل: إنّ (^٥) للمؤمن.
وكذلك قولُه في حديث قيسٍ الجُذاميِّ: «يعطَى الشهيدُ ستَّ خصال» (^٦). وكذلك سائر الأحاديث والنصوص التي عُلِّق فيها الجزاءُ بالشهادة. وأما ما عُلِّق فيه الجزاءُ بالإيمان، فإنَّه يتناول كلَّ مؤمن، شهيدًا كان أو غير شهيد.
وأما النصوصُ والآثار (^٧) التي ذُكرت (^٨) في رزق الشهداء وكَوْنِ
_________________
(١) هذه الخصلة ساقطة من (ن).
(٢) لم يرد «إنسانًا» في (أ، غ).
(٣) تقدم تخريجه في المسألة العاشرة (ص ٢٣٣).
(٤) (ط): «هذه تختص».
(٥) ساقطة من (ط).
(٦) أخرجه الإمام أحمد (١٧٧٨٣)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٥٢، ٤٢٥٣)، وفي إثبات عذاب القبر (١٦١) من طريق عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذاميّ. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي فيه ضعف من قِبل حفظه، وبقية رجاله ثقات. (قالمي)
(٧) (ق): «فالآثار».
(٨) ما عدا (ن): «ذكر».
[ ١ / ٢٩٦ ]
أرواحهم في الجنّة، فكلُّها حقٌّ، وهي لا تدلُّ على انتفاءِ دخول أرواح المؤمنين الجنَّة، ولاسيَّما الصدِّيقين الذين هم أفضلُ من الشهداء بلا نزاع (^١) بين الناس. فيقال لهؤلاء: ما تقولون في أرواح الصدِّيقين، هل هي في الجنة أم لا؟ فإن قالوا: إنَّها في الجنة ــ ولا يسوغ لهم غير هذا القول ــ قيل: فثبت أنَّ هذه النصوص لا تدلُّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك.
وإن قالوا: ليست في الجنة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواحُ سادات الصحابة كأبي بكر الصدِّيق (^٢) وأُبَيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان وأشباههم ليست في الجنة؛ وأرواحُ شهداء زماننا في الجنة. وهذا معلومُ البُطلانِ ضرورةً.
فإن قيل: فإذا كان هذا حكم (^٣) لا يختصُّ بالشهداء، فما الموجِبُ لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟
قيل: تخصيصهم بالذكر في هذه النصوص دلَّ على (^٤) التنبيه على فضل الشهادة وعلوِّ درجتها، وأنَّ هذا مضمون لأهلها ولا بدَّ، وأنَّ لهم منها أوفرَ نصيب. فنصيبُهم (^٥) من هذا النعيم في البرزخ أكملُ من نصيب غيرهم
_________________
(١) (ب، ط): «فلا نزاع»، تصحيف.
(٢) (ق): «كأبي بكر وعمر». وانظر ما يأتي في (ص ٣٣٢).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي (ج): «حكمًا»، ولكن الظاهر أنه إصلاح.
(٤) «قيل دلَّ» مستدرك في طرّة الأصل بخط ناسخه، وفي صلب المتن في (غ). والعبارة ساقطة من غيرهما، إلا أن بعض قراء (ط) غيّر «على» إلى «قلت». وفي متن (ن) في موضعها: «قلنا»، فاستقام الكلام.
(٥) ما عدا (ب، ط): «فيصيبهم»، تصحيف.
[ ١ / ٢٩٧ ]