فصل
وقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الإشبيليُّ (^١) على هذا، فقال: "ذِكْرُ ما جاء أنّ الموتى يَسألون عن الأحياء، ويَعرفون أقوالهم (^٢) وأعمالهم". ثم قال: ذَكَر أبو عمر ابن عبد البر من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -: "ما من رجل يمرُّ بقبر أخيه المؤمنِ كان يعرفه فيسلِّمُ عليه إلا عَرَفه وردَّ ﵇" (^٣).
ويُروَى هذا من حديث أبي هريرة موقوفًا. قال (^٤):فإن لم يعرفه وسلَّم عليه ردَّ ﵇ (^٥).
قال: ويروى من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من رجل يزور قبرَ أخيه، فيجلسُ عنده إلا استأنسَ به حتى يقوم" (^٦).
واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سُننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من أحد يسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇" (^٧).
_________________
(١) في كتابه: العاقبة في ذكر الموت والآخرة (١٥٥). وكلمة "الإشبيلي" ساقطة من (ب).
(٢) في العاقبة: "أحوالهم".
(٣) سبق في (ص ٥).
(٤) يعني أبا هريرة.
(٥) سبق حديث أبي هريرة في (ص ٦).
(٦) سبق تخريجه في (ص ٩).
(٧) أخرجه أبو داود (٢٠٤١)، والإمام أحمد (١٠٨١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٤٥) من طرق عن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة بن شريح، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، به. قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٧٤): "على شرط مسلم". وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (١٠٢٣): "سنده جيد". وحسَّن إسناده السخاوي في القول البديع (ص ٢٢٩). وانظر الكلام عليه مفصلًا في الصارم المنكي (١٨٩ ــ ١٩٧) لابن عبد الهادي. (قالمي).
[ ١ / ٢٧ ]
قال: وقال سليمان بن نُعَيم: رأيت النبي - ﷺ - في النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك ويسلِّمون عليك، أتفْقَه منهم؟ قال: "نعم، وأردُّ عليهم" (^١).
قال: وكان - ﷺ - يعلِّمهم أن يقولوا إذا دخلوا المقابر: "السلام عليكم أهل الديار .. " الحديث (^٢). قال: وهذا يدل على أنَّ الميّت يعرف سلام من يسلِّم عليه، ودعاءَ من يدعو له (^٣).
قال أبو محمد [٧ أ]: ويُذكر عن الفضل بن الموفَّق قال: كنت آتي قبر أبي المرَّة بعد المرَّة، فأُكثِرُ من ذلك، فشهدت يومًا جنازة في المقبرة التي دُفن فيها، فتعجَّلْتُ لحاجتي، ولم آتِه. فلما كان من الليل رأيته في المنام، فقال لي: يا بنيَّ، لم لا تأتيني؟ قلت له: يا أبت، وإنك لَتعلَمُ بي إذا أتيتك؟ قال: إي والله يا بني! لا أزال أطَّلع عليك حين تطلُع من القنطرة حتى تصل إليَّ، وتقعد عندي، ثم تقوم. فلا أزال أنظر إليك حتى تجوز القنطرة (^٤).
_________________
(١) كتاب العاقبة (١٥٦).
(٢) سبق تخريجه في (ص ٨).
(٣) كتاب العاقبة (١٥٦ - ١٥٧).
(٤) كتاب العاقبة (١٥٧ - ١٥٨).
[ ١ / ٢٨ ]