خيرًا، فإنه يزورني كثيرًا، وقد كان عندي اليوم. فقال أيوب: نعم حضرتُ الجبَّان (^١) اليوم، فذهبت إلى قبره (^٢).
وصحَّ عن حمَّاد بن سلَمة، [٨ أ] عن ثابت، عن شهر بن حَوْشَب أنَّ الصعب بن جَثَّامة وعوفَ بن مالك كانا متواخيين (^٣). قال صعب لعوف: أي أخي: أيُّنا مات قبل صاحبه فَلْيَتَرايا (^٤) له. قال: أوَ يكون ذلك؟ قال: نعم. فمات صعب، فرآه عوف فيما يرى النائم، كأنه قد أتاه. قال: قلت: أي أخي. قال: نعم. قلت: ما فُعِل بكم؟ قال: غُفِر لنا بعد المشايب (^٥). قال: ورأيت
_________________
(١) (ب، ط، ج): "جنازة". وكذا في المنامات.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢٠). ومنه في كتاب الأهوال (٨٤).
(٣) لغة في "متآخيين". انظر: اللسان (١٤/ ٢٢ أخا).
(٤) كذا في جميع النسخ بإبدال الهمزة ياء وإثبات حرف العلّة في المضارع المجزوم من المعتل اللام. والجادّة: فَلْيَتَراءَ. وتراءى له: تصدّى له ليراه.
(٥) اضطربت النسخ والمصادر في إثبات هذه الكلمة اضطرابًا شديدًا. ففي (أ، غ، ز): "المشارب"، وفي (ق): بالسين المهملة، وفي (ب، ج): "المشاربة"، وصحح في هامش (ج): "المشازرة" مع تفسيرها بالفارسية. وفي (ط): "المشارفة". وفي أهوال القبور: "المساوي"، وفي شرح الصدور: "المشاق"، وفي المنامات ــ وهو مصدر الجميع ــ: "المصائب". ولكني اخترت ــ مع كون "المصائب" و"المشاق" أوضح ــ ما ورد في الجليس الصالح، لأن المعافى بن زكريا نصّ على روايته وشرحه، ثم هو أقرب إلى ما في معظم أصولنا. أما كتاب المنامات وغيره فلا نعرف ما في أصولها، ولا ثقة بما أثبته ناشروها. قال المعافى: "يتجه فيه وجهان من التأويل: أحدهما: أنه شاب الشيءَ إذا خالطه ومازجه، فكأنه عنى أنه لقي ــ مع أنه نجا وفاز ــ أمورًا فظيعة راعته حين عاينها يومئذ. وهو يوم الفزع الأكبر والوجه الثاني: أنه من الشيب والمشيب، وقد وصفه الله تعالى بأنه يجعل الولدان شيبًا". قلت: الوجه الثاني هو الظاهر. ويؤيده ورود كلمة "المُشيبات" في خبر آخر في مثل هذا السياق أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (١٥٩). وقد وردت أيضًا في حديث أبي أمامة في مسند أحمد (٣٦/ ٥٦٦) برقم (٢٢٢٣٢)، وضبطت بكسر الياء المشددة. ويجوز بسكونها. والمشايب كالمشيبات جمع المُشِيبة.
[ ١ / ٣٤ ]
لُمعةً سوداءَ في عنقه، قلت: أي أخي ما هذه؟ قال: عشرة دنانير استسلفتُها من فلان اليهودي، فهنَّ (^١) في قَرَني (^٢)، فأعطوه إياها. واعلم أي أخي أنه لم يحدث في أهلي حدَثٌ بعد موتي إلا قد لحق بي خبره، حتى هرّةٌ لنا ماتت منذ أيام. واعلم أنَّ بنتي تموت إلى ستة أيام، فاستوصُوا بها معروفًا.
فلما أصبحتُ قلت: إنَّ في هذا لَمَعْلمًا (^٣)، فأتيت أهله، فقالوا: مرحبًا بعوفٍ! أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم؟ (^٤) لم تقرَبْنا منذ مات صعب! قال: فاعتلَلْتُ بما يعتلُّ به الناس. فنظرتُ إلى القرَن، فأنزلتُه، فانتثلْتُ (^٥) ما فيه، فوجدتُ الصُّرَّة التي فيها الدنانير، فبعثتُ بها إلى اليهودي، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال: رحم الله صعبًا، كان من خيار أصحاب محمد (^٦) (- ﷺ -)، هي له. قلت: لَتُخْبِرنِّي. قال: نعم، أسلفتُه عشرة دنانير.
_________________
(١) (ب، ط، ز، ج): "فهي".
(٢) (ط): "قرن". والقَرَن: الكنانة.
(٣) (ز): "لعبرة".
(٤) (ب، ط، ج): "أهكذا تتركون إخوانكم".
(٥) أي استخرجت.
(٦) ما عدا (ب، ط، ج): "رسول الله".
[ ١ / ٣٥ ]
فنبذتُها إليه. قال: هي والله بأعيانها. قال: قلت: هذه واحدة.
قال: فقلت: هل حدث فيكم حدثٌ بعد موت صعب؟ قالوا: نعم حدث فينا كذا، حدث فينا كذا. قال: قلت: اذكروا. قالوا: نعم. هِرَّةٌ ماتت منذ أيام، فقلت: هاتان اثنتان. قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب، فأُتِيتُ بها، فمَسِسْتُها، فإذا هي محمومة، فقلت: استوصُوا بها معروفًا. فماتت لستة أيام (^١).
وهذا من فقه عوف ﵀، وكان من الصحابة، حيث نفَّذ وصية صعب بن جثَّامة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها، من أنَّ الدنانير عشرة، وهي في القَرَن، ثم سأل اليهودي، فطابق قولُه لما في الرؤيا، فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى (^٢) اليهودي الدنانير. وهذا فقه إنما يليق بأفقهِ الناس وأعلمِهم، وهم أصحاب [٨ ب] رسول الله - ﷺ -. ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقل الدنانير من تركة صعب ــ وهي لأيتامه وورثته ــ إلى يهودي بمنام؟
ونظيرُ هذا من الفقه الذي خصَّهم الله به دون الناس قصَّةُ ثابت بن قيس بن الشمَّاس. وقد ذكرها أبو عمر بن عبد البر وغيرُه، قال أبو عمر (^٣): أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبَغ، حدثنا أبو الزِّنْباع
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٢٥). ومنه في الأهوال (٨٩). ومنه ومن عيون الحكايات لابن الجوزي في شرح الصدور (٣٥٢). وأخرجه الجريري في الجليس الصالح (٣/ ٢٧٤). وقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٣٠) على وجه آخر. قال ابن رجب: وهو أشبه.
(٢) (ب، ط، ج): "وأعطى".
(٣) في كتاب الاستيعاب (١/ ٢٠١).
[ ١ / ٣٦ ]
رَوْح بن الفرج، ثنا سعيد بن عفير وعبد العزيز بن يحيى المدني، ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري، عن ثابت بن قيس بن شمَّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال له: "يا ثابتُ، أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتُقتَل (^١) شهيدًا، وتدخل الجنة؟ " قال مالك: فقُتِل ثابت بن قيس يوم اليمامة شهيدًا (^٢).
_________________
(١) (ط): "وتموت".
(٢) أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في موطئه (٩٤٥ ــ مع التعليق الممجد) عن مالك، بإسناده، وفي أوله قصة. ومن طريق مالك أخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (١٣١٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١٣٢٨). وفي إسناده إسماعيل بن محمد بن ثابت لم يوثقه غير ابن حبان بذكره إياه في الثقات (٤/ ١٦). وفيه انقطاع أيضًا، لأن إسماعيل لم يدرك جده ثابتًا، كما قاله الحافظ في تعجيل المنفعة (١/ ٣٠٩)، وفي فتح الباري (٦/ ٦٢١). ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٤) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن شهاب، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري، عن أبيه، أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت. (الحديث). وقال: "على شرط الشيخين". وليس كما قال ﵀، لأن إسماعيل بن محمد بن ثابت وأباه ليسا من رجال الشيخين، ثم هو مرسل أيضًا محمد بن ثابت لم تثبت له صحبة وهو يستصغر عن حضور القصة المذكورة، بل في سماعه من أبيه نظر، قال الحافظ في ترجمته من التهذيب (٩/ ٨٤): "والظاهر أن رواية محمد عن أبيه، وعن سالم أيضًا مرسلة؛ لأنهما قتلا يوم اليمامة وهو صغير إلا أن يكون حفظ عن أبيه وهو طفل، وقد أوردوه في الصحابة على قاعدتهم ولا تصح له صحبة". والحديث يتقوّى بما بعده، ولقصة رفع الصوت شاهد من حديث أنس عند البخاري (٣٦١٣)، ومسلم (١١٩)، وفيه قول النبي - ﷺ - له: "إنك لستَ من أهل النار، ولكن من أهل الجنة". (قالمي).
[ ١ / ٣٧ ]
قال أبو عمر (^١): وروى هشام بن عمار، عن صَدقة بن خالد، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراسانيُّ قال: حدثتني ابنة ثابت بن قيس بن شمَّاس قالت: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] دخل أبوها بيته، وأغلق عليه بابه. ففقده رسول الله - ﷺ -، وأرسل إليه يسأله: ما خبره؟ قال: أنا رجل شديد الصوت، أخاف أن يكون قد حَبط عملي. قال: "لستَ منهم، بل تعيشُ بخير، وتموتُ بخير".
قال: ثم أنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. فأغلق عليه بابه (^٢)، وطفق يبكي. ففقده رسول الله - ﷺ -، فأرسل إليه، فأخبره، فقال: يا رسول الله إني أحِبّ الجَمَال، وأحِبّ أن أسودَ قومي. فقال: "لست منهم، بل تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخلُ الجنة".
قالت (^٣): فلما كان يومُ اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقَوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنَّا نقاتل مع رسول الله - ﷺ -. ثم حفر كلُّ واحد له حفرةً، فثبَتا، وقاتلا حتى قُتِلا. وعلى ثابت يومئذ درعٌ له نفيسةٌ، فمرَّ به رجل من المسلمين [٩ أ] فأخذها.
فبينا رجل من المسلمين نائم، إذ أتاه ثابت في منامه، فقال له:
_________________
(١) في الاستيعاب أيضًا (١/ ٢٠١ - ٢٠٣).
(٢) من "ففقده" إلى هنا سقط من (ز).
(٣) (ب، ط، ز): "قال"، وهو ساقط من (ج).
[ ١ / ٣٨ ]
أوصيك (^١) بوصية، فإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعَه! إنّي لمّا قُتِلتُ أمسِ مرَّ بي رجلٌ من المسلمين، فأخذ درعي. ومنزلُه في أقصى الناس، وعند خبائه فرسٌ يستنُّ في طِوَله (^٢)، وقد كفأ على الدرع بُرمَةً (^٣)، وفوق البرمة رَحْلٌ. فأتِ خالدًا، فمُرْه أن يبعث إلى درعي، فيأخذَها. وإذا قدمتَ المدينة على خليفة رسول الله - ﷺ - ــ يعني أبا بكر الصديق ــ فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا، وفلانٌ من (^٤) رقيقي عتيق، وفلان.
فأتى الرجل خالدًا، فأخبره، فبعث إلى الدرع فأُتي بها. وحدَّث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته. قال: ولا نعلم أحدً أجيزت وصيتُه بعد موته غيرَ ثابت بن قيس ﵀ (^٥).
انتهى ما ذكره أبو عمر.
_________________
(١) (ب، ط، ج): "إني أوصيك".
(٢) الطِّوَل: الحبل الذي يطوَّل للدابة، فترعى فيه. والاستنان: النشاط والمرح.
(٣) البُرمة: القدر.
(٤) لم ترد "من" في (ب، ط، ج).
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٩٩) قال: حدثنا هشام بن عمار بإسناده إلى قوله: "إلى مُسيلمة". ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير ــ كما في المطالب العالية (٣٧٢١) ــ، والطبراني في المعجم الكبير (١٣٢٠) من طريقين عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده، مطولًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٢): "رواه الطبراني، وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح، والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية، فإنها قالت: سمعت أبي". قلت: وما استظهره ﵀ وجيه جدًّا؛ لأن تصريحها بالسماع من أبيها الذي قتل في خلافة أبي بكر ﵁ في وقعة اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) دليل على إدراكها لزمن النبوة وهي مميزة. ولذلك أوردها في الصحابة أبو نعيم في معرفة الصحابة ترجمة (٤٢٢١) وأخرج لها هذا الحديث من طريق ابن أبي عاصم، واستدركها أبو موسى المديني على ابن منده، كما في أُسد الغابة ترجمة (٧٦٣٥). (قالمي).
[ ١ / ٣٩ ]