الخامس: تعلُّقها به يومَ بعث الأجساد. وهو أكملُ أنواع تعلُّقها بالبدن، ولا نسبة (^١) لما قبله من أنواع التعلُّق إليه؛ إذ هو تعلُّقٌ لا يقبل البدنُ معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا.
وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فإمساكُه سبحانه [٢٨ أ] التي قضى عليها الموتَ لا يُنافي ردَّها إلى جسد الميت في وقتٍ ما ردًّا عارضًا لا يوجب له الحياةَ المعهودة في الدنيا. وإذا كان النائم روحُه في جسده، وهو حيٌّ، وحياتُه غير حياة المستيقظ، فإنَّ النوم شقيقُ الموت؛ فهكذا الميتُ إذا أعيدت روحُه إلى جسده كانت له حالٌ متوسطةٌ بين الحيِّ وبين الميِّت الذي لم تُرَدَّ روحُه إلى بدنه، كحال النائمِ المتوسطة بين الحيِّ والميت. فتأمَّلْ هذا يُزيح (^٢) عنك إشكالاتٍ كثيرة.
وأمَّا إخبارُ النبي - ﷺ - عن رؤية الأنبياء ليلةَ أُسرِي به، فقد زعم بعضُ أهل الحديث (^٣) أنَّ الذي رآه أشباحهم وأرواحهم. قال: فإنهم أحياءٌ عند ربهم يُرزقون. وقد رأى إبراهيمَ مُسنِدًا ظهرَه إلى البيت المعمور (^٤)، ورأى موسى قائمًا في قبره يُصلِّي (^٥). وقد نعتَ الأنبياءَ لما رآهم بنعت الأشباح، فرأى
_________________
(١) في (ط): «ولا يشبه»، تصحيف. ولما أشكل «إليه» الآتية غيَّره الناسخ أو غيرُه: «البتة».
(٢) كذا في جميع النسخ. وسيأتي نحوه في (ص ١٨٦) وفي شرح الطحاوية: «يُزِحْ»، مجزوم لأنه جواب الطلب.
(٣) (أ، غ): «الخبرة»، تحريف.
(٤) كما في حديث أنس، أخرجه مسلم في الإيمان (١٦٢).
(٥) كما في حديث أنس، أخرجه مسلم في فضائل موسى (٢٣٧٥).
[ ١ / ١٢٥ ]
موسى آدمَ ضَرْبًا طُوالًا كأنه من رجال شَنوءةَ (^١)، ورأى عيسى يقطُر رأسُه كأنما خرج من دِيماس (^٢)، ورأى إبراهيمَ فشبَّهه بنفسه (^٣).
ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: هذه الرؤية إنما هي لأرواحهم دون أجسادهم، والأجسادُ في الأرض قطعًا، إنما تُبعَث يوم تُبعَث (^٤) الأجساد. ولم تُبعثْ قبل ذلك، إذ لو بُعثت قبل ذلك لكانت قد انشقَّتْ عنها الأرض قبل يوم القيامة، وكانت تذوقُ الموتَ عند نفخة الصور. وهذه موتة ثالثة، وهذا باطل قطعًا.
ولو كانت قد بُعثت الأجسادُ من القبور لم يُعِدْهم الله إليها، بل كانت في الجنة. وقد صحَّ عن النبي - ﷺ -: أنَّ الله حرَّم الجنَّةَ على الأنبياء حتى يدخُلَها هو (^٥). وهو أولُ من يستفتح بابَ الجنة (^٦)، وأولُ من تنشقُّ عنه الأرض، لم تنشقَّ عن أحد قبله (^٧).
ومعلومٌ بالضرورة أن جسدَه - ﷺ - في الأرض طريٌّ مُطَرًّى. وقد سأله
_________________
(١) انظر حديث ابن عباس في البخاري (٣٢٣٩) ومسلم (١٦٥)، وحديث أبي هريرة في البخاري (٣٣٩٤) وحديث جابر في مسلم (١٦٧). والضَّرْب: الخفيف اللحم.
(٢) يعني: الحمام. وجاء وصف عيسى بهذا في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٣٣٩٤) وصحيح مسلم (١٦٨).
(٣) انظر الحديث السابق.
(٤) (ق): «بعث».
(٥) انظر حديث أنس في صحيح مسلم (١٩٧).
(٦) انظر حديث أنس في صحيح مسلم (١٩٦).
(٧) انظر حديث أبي سعيد في صحيح البخاري (٢٤١٢).
[ ١ / ١٢٦ ]
الصحابةُ: كيف تُعرَض صلاتنا عليك، وقد أَرِمتَ؟ فقال (^١): «إنّ الله حرَّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء» (^٢). ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صحَّ عنه أنَّ الله وكَّلَ بقبره ملائكةً يُبلِّغونه عن أمته السلام (^٣). وصحَّ عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمرَ، وقال: «هكذا [٢٨ ب] نُبعَث» (^٤). هذا مع القطع بأنَّ روحَه الكريمةَ في الرفيق الأعلى في أعلى عِلِّيِّين مع أرواح الأنبياء.
وقد صحَّ عنه أنه رأى موسى قائمًا يُصلِّي في قبره ليلةَ الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة (^٥). فالروح كانت هناك، ولها اتصالٌ بالبدن في
_________________
(١) (ب، ط، ن): «قال».
(٢) سبق تخريجه في المسألة الرابعة (ص ١٠٢).
(٣) أخرجه النسائي (١٢٨٢)، والإمام أحمد (٤٢١٠، ٤٣٢٠)، وأبو يعلى (٥٢١٣) وعنه ابن حبان (٩١٤)، والحاكم (٢/ ٤٢١) من حديث ابن مسعود ﵁. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» وهو كما قال. وصححه المصنف في جلاء الأفهام (٥٥)، وانظر أيضًا (٥٣٢). (قالمي).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٦٩) وابن ماجه (٩٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٤١٨)، والبزار (٥٨٥٢)، والحاكم (٣/ ٦٨) من حديث ابن عمر ﵄. وفي سنده سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، متفق على ضعفه. انظر: تهذيب التهذيب (٤/ ٨٣). وبه أعله الترمذي فقال عقب الحديث: «حديث غريب، وسعيد بن مسلمة ليس عندهم بالقوى». وسكت عنه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: «سعيد ضعيف». (قالمي).
(٥) مرَّ آنفًا.
[ ١ / ١٢٧ ]
القبر، وإشرافٌ (^١) عليه، وتعلُّقٌ به؛ بحيث يُصلِّي في قبره، ويردُّ سلامَ من سلَّم عليه، وهي (^٢) في الرفيق الأعلى.
ولا تنافي بين الأمرين، فإن شأنَ الأرواح غير شأن الأبدان. وأنت تجد الروحين المتلائمتين المتناسبتين في غاية التجاور والقرب، وإن كان بين بدنيهما بُعْدُ المشرقين. وتجد الروحين المتنافرتين (^٣) المتباغضتين بينهما غاية البُعد، وإن كان جسداهما متجاورين متلاصقين.
«وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن، فإنها تصعَد إلى فوق السموات، ثم تهبط إلى الأرض ما بين قبضها ووضعِ الميت في قبره. وهو زمن يسير لا يصعَد البدن وينزل في مثله. وكذلك صعودها وعَوْدها إلى البدن في النوم واليقظة. وقد مثَّلها بعضهم بالشمس وشعاعها؛ فإنها في السماء، وشعاعُها (^٤) في الأرض» (^٥).
قال شيخنا: «وليس هذا مثالًا مطابقًا، فإنَّ نفسَ الشمس لا تنزِل من السماء، والشُّعاع الذي على الأرض ليس هو الشمسَ ولا صفتَها، بل هُو عرضٌ حصل بسبب الشمس والجِرم المقابل لها. والروح نفسها تصعَد وتنزِل» (^٦).
_________________
(١) (ن): «إشراق»، تصحيف.
(٢) (ط): «وهو».
(٣) (أ، غ): «المتفارقتين».
(٤) «فإنما شعاعها» ساقط من (ن).
(٥) هذه الفقرة منقولة من شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٧ ــ ٤٣٨).
(٦) المصدر السابق.
[ ١ / ١٢٨ ]
وأما قولُ الصحابة للنبي - ﷺ - في قتلى بدر: «كيف تخاطب أمواتًا قد جَيَّفوا؟» (^١) مع إخباره بسماعهم (^٢) كلامَه، فلا ينفي ذلك ردَّ أرواحهم إلى أجسادِهم ذلك الوقتَ ردًّا يسمعون به خطابه، والأجساد قد جَيَّفت، فالخطاب للأرواح المتعلّقة بتلك الأجساد التي قد فسدت.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] فسياقُ الآية يدلُّ على أنَّ المرادَ منها: أنَّ الكافرَ مَيِّتُ القلب، لا يقدرُ على إسماعه سماعًا ينتفع به، كما أنَّ مَن في القبور لا يقدر (^٣) على إسماعهم سماعًا ينتفعون به. ولم يُرِدْ [٢٩ أ] سبحانه أنَّ أصحابَ القبور لا يسمعون شيئًا البتة. كيف وقد أخبر النبيُّ - ﷺ - أنهم يسمعون خفقَ نِعال المشيِّعين، وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامَه وخطابَه، وشرعَ السلامَ عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع، وأخبر أنَّ من سلَّم على أخيه المؤمن ردَّ ﵇ (^٤)؟ وهذه الآية نظيرُ قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠].
وقد يقال: نفيُ إسماعِ الصُّمِّ مع نفي إسماعِ الموتى يدلُّ على أنَّ المرادَ عدمُ أهليّة كلٍّ منهما للسماع. وأنَّ قلوبَ هؤلاء لما كانت ميتةً صُمًّا (^٥) كان إسماعها ممتنعًا بمنزلة خطاب الميِّت والأصمِّ. وهذا حقٌّ، ولكن لا ينفي
_________________
(١) تقدم في أول الكتاب (ص ٧).
(٢) (ب، ج): «إنكاره لسماعهم».
(٣) (ط): «يقدرون».
(٤) الأحاديث المذكورة قد سبق تخريجها في أول الكتاب.
(٥) في معظم النسخ ضبط بتنوين الميم.
[ ١ / ١٢٩ ]
إسماعَ الأرواح بعد الموت إسماعَ توبيخٍ وتقريع، بواسطة تعلّقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي (^١). والله أعلم.
وحقيقةُ المعنى: إنك لا تستطيع أن تُسمِعَ من لم يشأ (^٢) الله أن يُسمعَه. إن أنت إلا نذير، أي: إنما جعل الله لك الاستطاعةَ على الإنذار الذي كلَّفك إياه، لا على إسماع من لم يشأ الله إسماعَه.
وأما قوله: إن الحديث لا يصحُّ لتفرُّدِ المِنهال بن عمرو وحده به (^٣)، وليس بالقوي؛ فهذا من مجازفته ﵀ (^٤). فالحديث صحيحٌ، لا شكَّ فيه. وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان، منهم: عَدي بن ثابت، ومحمدُ بن عقبة، ومجاهد.
قال الحافظ أبو عبد الله بن منده في كتاب «الروح والنفس» (^٥): أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني (^٦)، أنا أبو النضر هاشمُ بن القاسم، ثنا عيسى بن المسيب، عن عَدِي بن ثابت، عن
_________________
(١) وانظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٦٤).
(٢) (أ، غ): «لو يشاء».
(٣) «به» من (ط).
(٤) سيأتي الردّ على تضعيف المنهال.
(٥) وقد نقله منه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٢ ــ ٤٤٤).
(٦) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «الصفار». وهو تحريف. والصواب ما أثبتنا من الفتاوى. وقد ولد محمد بن إسحاق الصفار سنة ٢٨٩، وتوفي سنة ٣٧١. (تاريخ بغداد ١/ ٢٦٠، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٩). وقد توفي محمد بن يعقوب بن يوسف وهو أبو العباس الأصم سنة ٢٧٧، فكيف يحدث عن الصفار؟
[ ١ / ١٣٠ ]
البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جِنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحَدْ. فجلس، وجلسنا حوله (^١) كأنَّ على أكتافنا فِلَقَ الصخر، وعلى رؤوسنا الطير. فأرَمَّ (^٢) قليلًا ــ والإرمام: السكوت ــ فلما رفع رأسه قال:
«إن المؤمنَ إذا كان في قُبُل [٢٩ ب] من الآخرة، ودُبُر من الدنيا، وحضره ملكُ الموت؛ نزلت (^٣) عليه ملائكةٌ معهم كفن من الجنة، وحَنوط من الجنة، فجلسوا منه مدَّ البصر. وجاء ملَك الموت، فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرُجي إلى رحمة الله ورضوانه. فتسيل نفسُه كما تقطُر القطرة من السِّقاء. فإذا خرجتْ نفسه صلَّى عليه كلُّ من بين السماء والأرض (^٤) إلا الثقلين. ثم يصعَد به إلى السماء، فتُفتح له السماء (^٥). ويُشيِّعه مقرَّبوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة
_________________
(١) «حوله» من (ن). وفي (ق): «فجلسنا وجلس».
(٢) «أرمَّ» و«الإرمام» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة بالزاي، وهو تصحيف من النسَّاخ. ولعلهم ظنّوا علامة الإهمال في أصولهم نقطة. وفي (ط) حاشية نصّها: «قال في المجمل: الأزم: الإمساك، في الزاي مع الميم». وذهب على المحشي أنّ التصريح بمصدره في الحديث قاطع بأنه من (ر م م)، لا من (أزم). نعم، يروى في حديث آخر: «فأرمَّ القومُ»، و«فأَزَم » النهاية (٢/ ٢٦٧). ولكن راوي حديثنا نصّ بذكر المصدر على أن الفعل هنا بالراء.
(٣) (ب، ط، ز): «نزل». وفي (ز) بعد «عليه» زيادة: «من السماء».
(٤) (ن): «كل شيء بين ». وفي مجموع الفتاوى: «كل ملك». وفي (ز): «كل شيء في ». وفي (ب، ط، ج): «كل شيء بين الأرض والسماء».
(٥) «السماء» لم يرد في (ن).
[ ١ / ١٣١ ]
والسادسة والسابعة إلى العرش: مقرَّبو كلِّ سماء (^١).
فإذا انتهى إلى العرش كُتِبَ كتابُه في عِلِّيين، ويقول الربُّ ﷿: رُدُّوا عبدي إلى مَضْجَعه، فإني وعدتُهم أنِّي منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. فيُرَدُّ إلى مضجعه، فيأتيه منكرٌ ونكيرٌ يُثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرضَ بأشعارهما، فيجلسانه، ثم يقال له: يا هذا، مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: صدقتَ. ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: صدقتَ. ثم يقال له (^٢): من نبيُّك؟ فيقول: محمدٌ رسول الله. فيقولان: صدقتَ.
ثم يُفسَح له في قبره مدَّ بصرِه، ويأتيه رجلٌ حسن الوجه، طيِّبُ الريح، حسن الثياب، فيقول: جزاكَ الله خيرًا، فوالله ــ ما علمتُ ــ إن كنتَ لسريعًا في طاعةِ الله، بطيئًا عن معصية الله. فيقول: وأنت جزاك الله خيرًا، فمن أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح (^٣). ثم يُفتح له بابٌ إلى الجنة، فينظر إلى مقعدِه ومنزله منها حتى تقومَ الساعة.
وإنّ الكافر إذا كان في دُبُرٍ من الدنيا وقُبُلٍ من الآخرة، وحضره الموت؛ نزلتْ عليه من السماء ملائكةٌ معهم كفن من نار، وحَنُوطٍ من نار. قال: فيجلسون منه مدَّ بصرِه، وجاء ملكُ الموت، فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرُجي أيتها النفسُ الخبيثة، اخرُجي إلى غضب الله وسَخَطه. فتتفرَّق (^٤)
_________________
(١) «مقربو كل سماء» لم يرد في (ن).
(٢) «له» ساقط من (ط، ج، ن).
(٣) «الصالح» ساقط من (ن).
(٤) (ب، ط): «فتفرّق». وفي (ق): «تفترق»، تصحيف.
[ ١ / ١٣٢ ]
روحه في جسده كراهية أن [٣٠ أ] تخرج لما تَرى وتُعاين. فيستخرجها، كما يُستخرج السَّفُّود من الصوف المبلول. فإذا خرجت نفسُه لَعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين.
ثم يُصعَد به إلى السماء، فتُغلَق دونه. فيقول الربُّ: رُدُّوا عبدي إلى مضجعه، فإنّي وعدتُهم أنّي منها خلقتهم، وفيها أُعيدهم، ومنها أُخرجهم تارةً أخرى؛ فتُرَدُّ روحه إلى مضجعه. فيأتيه منكرٌ ونكيرٌ يبتدرانِ (^١) الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشعارهما، أصواتُهما كالرعد القاصف، وأبصارُهما كالبرق الخاطف. فيُجلسانه، ثم يقولان: يا هذا، مَنْ ربُّك؟ فيقول: لا أدري، فينادَى من جانب القبر: لا دريتَ! فيضرِبانه بمِرزَبَّةٍ (^٢) من حديد لو اجتمع عليها مَن بين الخافقين لم تُقَلَّ، ويُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه. ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، مُنتن الريح؛ فيقول: جزاك الله شرًّا! فوالله ــ ما علمت ــ إن كنتَ لبطيئًا عن طاعةِ الله سريعًا في معصيةِ الله. فيقول: ومن أنت؟ فيقول: أنا عملُكَ الخبيثُ. ثم يُفتح له بابٌ (^٣) إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعةُ» (^٤). رواه الإمام أحمد
_________________
(١) كذا في (أ، ق، غ). وفي غيرها: «يثيران».
(٢) ضبط في (ط) بتشديد الباء، ويجوز بتخفيفها. والمرزبة: المطرقة الكبيرة.
(٣) في (أ، ن، غ): «بابًا».
(٤) في إسناده عيسى بن المسيب البجلي الكوفي قاضيها ضعيف؛ ضعَّفه ابن معين والنسائي والدارقطني وغيرهم. له ترجمة في لسان الميزان (٤/ ٤٠٥). وحديثه يصلح في المتابعات ولأجل ذلك ساق المؤلف حديثه هنا. وعزوه للإمام أحمد فلعله في غير المسند فإني لم أره فيه. (قالمي).
[ ١ / ١٣٣ ]
ومحمود بن غيلان وغيرهما عن أبي النضر (^١).
ففيه أنَّ الأرواح تُعاد إلى القبر، وأنَّ الملَكين يُجلِسان الميِّتَ ويَستنطقانه.
ثم ساقه ابن مَنْده من طريق محمد بن سلَمةَ، عن خُصَيفٍ الجَزَري (^٢)، عن مجاهد، عن البراء بن عازب قال: كنا في جِنازة رجلٍ من الأنصار، ومعنا رسول الله - ﷺ - فانتهينا إلى القبر، ولم يُلحَد (^٣)، ووُضعت الجنازة. وجلس رسول الله - ﷺ - (^٤) فقال: «إنّ المؤمنَ إذا احتُضِرَ أتاه ملَكٌ في أحسن صورةٍ وأطيبه ريحًا، فجلس عنده لقبضِ روحه، وأتاه ملكان بِحَنوطٍ من الجنة وكفنٍ من الجنة، وكانا منه على بعيد، فيستخرج ملَكُ الموت روحَه من جسده رَشحًا. فإذا صارت إلى ملك الموت (^٥) ابتدَرها الملكان، فأخذاها (^٦) منه، فحنَّطاها بِحَنوط من الجنة، وكفَّناها بكفن من الجنة.
ثم عَرجا به إلى الجنة، فتُفتح له أبوابُ السماء، وتستبشر الملائكة بها، ويقولون: لمن هذه الروحُ الطيِّبة التي فُتحت لها أبواب السماء؟ ويُسمَّى [٣٠ ب] بأحسن الأسماء التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، فيقال: هذه روحُ فلان.
_________________
(١) هنا انتهى النقل من كتاب ابن منده. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٤).
(٢) كذا على الصواب في (أ، غ). وفي معظم النسخ بالحاء المهملة. وكذلك «الجزري» تصحف في (ب، ج، ط) إلى «الجوزي». وفي (ق): «الخرزي».
(٣) «فانتهينا » إلى هنا ساقط من (ب).
(٤) (ز، ج): «ولما يلحد».
(٥) (ب، ط، ج): «فإذا استخرج ملك الموت روحه.
(٦) (ب، ط، ج): «يأخذانها».
[ ١ / ١٣٤ ]
فإذا صُعِد بها إلى السماء شيَّعها مُقرَّبو كلِّ سماء حتى تُوضَع بين يدي الله ﷿ عند العرش، فيُخرَج عملُها من عِلِّيين، فيقول الله للمقرَّبين: اشهدوا أنّي قد غفرتُ لصاحب هذا العمل. ويُختَم كتابه، فيُرَدُّ (^١) في عِلِّيين، فيقول (^٢) الله ﷿: رُدُّوا روحَ عبدي إلى الأرض، فإنّي وعدتُهم أن أردَّهم فيها». ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
فإذا وُضِع المؤمن في لحده (^٣) فُتح له بابٌ عند رجليه إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعدَّ الله لك من الثواب! ويُفتح له بابٌ عند رأسه إلى النار، فيقال له: انظر ماذا صرف الله عنك من العذاب! ثم يقال له (^٤): نَمْ قرير العين! فليس شيء أحبَّ إليه من قيام الساعة».
وقال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضِع المؤمن في لحده تقول له الأرض: إن كنتَ لحبيبًا إليَّ، وأنت على ظهري؛ فكيف إذا صِرتَ اليوم في بطني! سأُريك ما أصنع بك (^٥). فيُفسَح له في قبره مدَّ بصره».
وقال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضِع الكافر في قبره أتاه منكر ونكير، فيُجلِسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له: لا دَريَت! فيضربانه ضربةً، فيصير رمادًا. ثم يُعاد، فيُجلَس، فيقال له: ما قولك في هذا
_________________
(١) (ب، ط، ن، ج): «ويرد».
(٢) ما عدا (أ، ق، غ): «ثم يقول».
(٣) (ق، ز): «قبره».
(٤) «له» ساقط من (ب).
(٥) لم يرد «بك» في (أ، غ).
[ ١ / ١٣٥ ]
الرجل؟ فيقول: أيُّ رجل (^١)؟ فيقولان: محمد (^٢) - ﷺ -. فيقول: قال الناسُ إنَّه رسولُ الله - ﷺ -. فيضرِبانه ضربةً، فيصير رمادًا» (^٣).
هذا حديث ثابتٌ مشهور مستفيض، صحَّحه جماعةٌ من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه. بل رووه في كتبهم، وتلقَّوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه، ومساءلة (^٤) منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله ثم رجوعها إلى القبر.
وقولُ أبي محمد (^٥): «لم يروه غيرُ زاذان»، فوهَمٌ منه، بل رواه عن
_________________
(١) كذا في (أ، غ). وفي (ز): «أي الرجال». وفي غيرها: «أي الرجل».
(٢) (ب، ط، ن، ج): «محمد رسول الله».
(٣) وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، خصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري تُكلم فيه لسوء حفظه، وبقية رجاله ثقات. (قالمي).
(٤) رسمها في النسخ: «مسايلة».
(٥) هذه الفقرة من هنا إلى قول ابن عدي في آخرها من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٦ ــ ٤٤٧). نقلها المصنف مع التصرف في أولها. ولفظ الشيخ: «وزعم ابن حزم أنّ (العَود) لم يروه إلا زاذان عن البراء، وضعَّفه. وليس الأمر كما قاله بل رواه غير زاذان عن البراء ». والظاهر أن هذا وهمٌ من الشيخ، فإنَّ ما زعمه ابن حزم هو أن (العود) لم يروه إلا المنهال بن عمرو، وضعَّفه. أما زاذان فلم يقل فيه ابن حزم شيئًا لا في المحلى ولا في الملل والنحل. والدليل على ذلك أن الشيخ لم يُشر بعد ذلك إلى زعم ابن حزم بتفرد المنهال بالعود، وإنما ردَّ على تضعيفه إياه. أما ابن القيم، فغيَّر عبارة الشيخ، فنسب إلى ابن حزم أنه قال: «لم يروه غير زاذان». ومفاده أنه لم يرو هذا الحديث عن البراء غير زاذان. وهذا واضح من الردّ عليه. وهو وهمٌ آخر أدّى إليه الاعتماد على كلام الشيخ ثم التصرف فيه، مع أن المصنف قد أورد من قبل كلام ابن حزم من كتابه الملل والنحل، وليس فيه شيء عن زاذان. وسيردّ في الفقرة الآتية على زعم ابن حزم بتفرد المنهال بالعود مع ضعفه، ثم يذكر فيما بعد أن غير ابن حزم ــ يعني ابن حبان ــ أعلّ الحديث بأن زاذان لم يسمعه من البراء. وقد أعلَّه ابن حبان أيضًا بالانقطاع بين الأعمش والمنهال. فإن صح كلام المصنف في هذه الفقرة من تفرُّد زاذان بالحديث اجتمعت فيه أربع علل؛ مع أنه لما تكلم عليه في تهذيب السنن (١٣/ ٦٣ ــ ٦٤) قال: «ومجموع ما ذكراه ــ يعني ابن حزم وابن حبان ــ ثلاث: إحداها ضعف المنهال. والثانية أن الأعمش لم يسمعه من المنهال، والثالثة أن زاذان لم يسمعه من البراء». وهذا هو الصواب، والأُولى من هذه فقط لابن حزم.
[ ١ / ١٣٦ ]
البراء غير زاذان. ورواه عنه عديُّ بن ثابت، ومجاهد بن جبر، ومحمد بن عُقْبة وغيرهم. وقد جمع الدارقطني طُرُقَه في مصنَّف مفرد. وزاذان من الثِّقات، روى عن أكابر الصحابة كعُمر وغيره. وروى له مسلم في «صحيحه». قال يحيى بن معين: ثقة. وقال حُميد بن هلال ــ وقد سئل عنه ــ: هو ثقة، لا يُسأل عن مثل هؤلاء. وقال ابن عديِّ: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة (^١).
وقوله: إن المِنهال بن عمرو تفرَّد بهذه الزيادة، وهي قوله: «فتعاد روحه في جسده»، وضَعَّفه؛ فالمِنهال أحد الثقات العدول. قال ابن معين: المنهال ثقة، وقال العجلي: كوفيٌّ ثقة. وأعظمُ ما قيل فيه: إنه سُمِع من بيته صوتُ غناء. وهذا لا يُوجب القدحَ في روايته واطِّراح حديثه. وتضعيفُ ابن حزم له لا شيء (^٢)،
_________________
(١) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «روى عن ثقة». والصواب ما أثبتنا من الكامل لابن عدي (٣/ ٢٣٦). وانظر: تهذيب التهذيب (٣/ ٣٠٣). وهو على الصواب في مجموع الفتاوى.
(٢) «له» ساقط من (أ، غ). ثم فيهما وفي (ز، ق): «لا شيئًا».
[ ١ / ١٣٧ ]
فإنه لم يذكر موجِبًا لتضعيفه غيرَ تفرُّده بقوله: «فتعاد روحه في جسده» (^١)، وقد بينَّا أنه لم يتفرَّد بها، بل قد رواها غيره.
وقد رُوي ما هو أبلغُ منها، أو نظيرها، كقوله: «فتُرَدُّ إليه روحُه»، وقوله: «فتصير إلى قبره»، وقوله: «فيستوي جالسًا»، وقوله: «فيُجلِسانه»، وقوله: «فيُجْلَس في قبره». وكلُّها أحاديث صحيحة لا مَغْمزَ فيها (^٢).
وقد أعلَّ غيرُه (^٣) الحديثَ بأن زاذان لم يسمعه من البراء. وهذه العلَّة
_________________
(١) قال في تهذيب السنن (١/ ١٣٣ ــ ١٣٤): «والذي غرّ ابن حزم شيئان: أحدهما قول عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركه شعبة على عمد. والثاني أنه سمع من داره صوت طنبور». والذي سمع هو شعبة قال: فرجعت ولم أسأله. قيل: فهلا سألته! فعسى كان لا يعلم به. وانظر أيضًا: تهذيب السنن (٩/ ٢٣، ١٣/ ٦٤). وقال جرير عن مغيرة: كان حسن الصوت، وكان له لحن يقال له: «وزن سبعة». انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٢٠).
(٢) هذه الألفاظ كلها وردت في كتابنا هذا إلا «فيستوي جالسًا». وقد ورد في حديث أبي تميم الداري، وأخرجه أبو يعلى الموصلي بسند ضعيف. انظر: إتحاف الخيرة المهرة (١٨٥٢). وفي حديث لقيط بن عامر أخرجه الحاكم (٨٦٨٣) وصححه. وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢٦/ ١٢٣) وصححه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٦٧٧) وحادي الأرواح (٥٣٦) ونقل تصحيحه عن أبي عبد الله ابن منده وأبي الخير بن حمدان. وفي سنده دلهم بن الأسود، وعبد الرحمن بن عياش، والأسود بن عبد الله. ولم يوثقهم إلا ابن حبان. وقال ابن حجر: وهو حديث غريب جدًّا. انظر: تهذيب التهذيب (٥/ ٥٧).
(٣) لم يسمّه المصنف هنا، وكأنّه يتابع في هذه الفقرة شيخه. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٨، ٤٣٩). والذي أعلَّه بما ذكر هو ابن حبّان. وقد أعلَّه بعلة أخرى لم يشر إليها المصنف هنا، وهي الانقطاع بين الأعمش والمنهال. انظر: صحيح ابن حبان (٣١١٧). وقد أجاب المصنف عن العلتين في تهذيب السنن (١٣/ ٦٣ ــ ٦٥).
[ ١ / ١٣٨ ]
باطلة، فإنّ أبا عوانة الإسفراييني رواه في «صحيحه» بإسناده، وقال: عن ابن عمرو، عن (^١) زاذان الكندي قال: سمعتُ البراء بن عازب. وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء (^٢).
ولو نزلنا عن حديث البراء، فسائرُ الأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك، مثل حديث ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار (^٣)، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إن الميتَ تحضُره (^٤) الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قال: اخرجي أيتها النفسُ الطيِّبة كانت في الجسد الطيِّب، اخرجي حميدةً، وأبشري برَوح وريحان وربٍّ غير غضبان».
قال: «فيقولون (^٥) ذلك حتى تخرج، ثم يُعرَج بها إلى السماء، فيُستفتَح لها، فيقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان (^٦). فيقولون: مرحبًا بالنفس [٣١ ب] الطيِّبة كانت في الجسد الطيِّب، ادخلي حميدةً، وأبشري برَوحٍ ورَيحان وربٍّ غير غضبان. فيقال لها ذلك، حتى يُنتهَى بها (^٧) إلى السماء التي فيها
_________________
(١) في (أ، غ): «بن»، وهو تحريف. وابن عمرو هو المنهال بن عمرو. وفي (ن) حذف «عن». وفي (ب، ط): «إن ابن عمرو زاذان». وهو غلط.
(٢) كتاب الإيمان لابن منده (١٠٦٤).
(٣) (ب): «بشار»، تصحيف.
(٤) (ب، ط، ج): «يحضر». وفي (ز): «إن الملائكة تحضر الميت».
(٥) (ق): «فيقول».
(٦) (ق): «فلان بن فلان».
(٧) (ط): «تنتهي».
[ ١ / ١٣٩ ]
الله ﷿.
وإذا كان الرجلَ السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. اخرجي (^١) ذميمة، وأبشري بحميمٍ وغسَّاقٍ وآخرَ من شَكْله أزواج. فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يُعرَج بها إلى السماء، فيُستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة، فإنَّه (^٢) لن تُفتَح (^٣) لك أبوابُ السماء. فتُرسَل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر.
فيُجلَس الرجلُ الصالحُ في قبره غير فَزِع ولا مشعوف (^٤)، ثم يقال: فيمَ كنتَ؟ يقول: في الإسلام (^٥). [فيقال]: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمدٌ رسول
_________________
(١) في جميع النسخ: «ارجعي». وهو خطأ هنا. والصواب ما أثبتنا من المسند (١٤/ ٣٧٨) و(٤٢/ ١٥) وغيره.
(٢) (أ، غ، ز): «فإنها».
(٣) (ز): «لا تفتح».
(٤) في جميع النسخ: «معوق». وهو تصحيف ما أثبتنا من المسند (٤٢/ ١٢) ومجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٦). وفي (ط) حاشية بخط الشيخ علي بن عيسى ﵀. نقل فيها عن النهاية لابن الأثير (شعف): «في حديث عذاب القبر: فإذا كان الرجل صالحًا أجلس في قبره غير فزع ولا مشعوف. الشعف: شدة الفزع حتى يذهب بها القلب ».
(٥) في جميع النسخ: «فما كنت تقول في الإسلام ما هذا الرجل» وهو سياق فاسد وقد تحرَّف «فيما» ــ وكانوا يكتبون ما الاستفهامية بالألف مع دخول حرف الجر عليها ــ إلى «فما»، ثم سقط «فيقال». انظر: المسند (٤٢/ ١٢) وإثبات عذاب القبر للبيهقي (٢٩) وقارن بمجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٦).
[ ١ / ١٤٠ ]
الله، جاءنا بالبينات من قِبَل الله، فآمنَّا، وصدَّقنا». وذكر تمام الحديث (^١).
قال الحافظ أبو نُعيم: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه (^٢). اتَّفق الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجَّاج (^٣) على ابن أبي ذئب، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وسعيد (^٤) بن يسار، وهم من شرطهما. ورواه المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب، مثل ابن أبي فُديك، وعنه دُحيم (^٥) بن إبراهيم. انتهى. ورواه عن ابن أبي ذئب غيرُ واحدٍ (^٦).
وقد احتجَّ أبو عبد الله ابن منده على إعادة الروح إلى البدن، بأن قال:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢)، والإمام أحمد (٨٧٦٩)، والنسائي في الكبرى (١١٤٤٢)، وابن خزيمة في التوحيد (١٧٦: ١٥ ــ ١٨)، وابن منده في الإيمان (١٠٦٨)، وأبو بكر الآجري في الشريعة (٩٢٣) كلهم من طريق ابن أبي ذئب بإسناده. وعزاه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٢/ ٤٤٠) لابن أبي شيبة وصحّح إسناده. (قالمي).
(٢) (أ، ق، غ): «ناقله».
(٣) زاد في (ط): «القشيري».
(٤) (ن): «شعبة»، تحريف.
(٥) «وعنه دحيم» تحرّف في النسخ إلى «وعبد الرحيم». وأقربها إلى الصحة (ب) التي رسم ناسخها: «وعبد رحم» (كذا). وفي (ن): «وعبد الرحمن بن إبراهيم». ودحيم اسمه: عبد الرحمن، ولكن المقصود هنا أنه رواه عن ابن أبي فديك.
(٦) «ورواه غير واحد» عقَّب به شيخ الإسلام على كلام أبي نعيم. وقد نقل ابن القيم حديث أبي هريرة مع كلام أبي نعيم وتعقيب الشيخ بنصّه من شرح حديث النزول له غير أنه أخّر كلام أبي نعيم، وكان مقدَّمًا في الأصل. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ١ / ١٤١ ]
أبنا محمد بن الحسين بن الحسن، ثنا محمد بن يزيد النيسابوري، ثنا حماد بن قيراط، ثنا محمد بن الفضل، عن يزيد بن عبد الرحمن الصائغ البلخي (^١). عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أنه قال:
بينما رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يومٍ قاعدٌ تلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣]. قال: «والذي نفسُ محمد بيده، ما من نفسٍ تُفارق الدنيا حتى ترى مقعدَها من الجنة أو النار». ثم قال: «فإذا كان عند ذلك صُفَّ (^٢) له سِماطان من الملائكة، ينتظمان ما بين الخافقين، كأنَّ وجوهَهم الشمسُ. فينظر إليهم ما يرى غيرَهم، وإن (^٣) كنتم تَرون أنّهم ينظرون (^٤) إليكم، مع كل ملكٍ أكفانٌ وحَنُوطٍ.
[٣٢ أ] فإن كان مؤمنًا بشَّروه بالجنة، وقالوا: اخرجي أيتها النفس الطيِّبة (^٥) إلى رضوان الله وجنَّته (^٦)، فقد أعدَّ الله لكِ من الكرامة ما هو خيرٌ لك من الدنيا وما فيها. فلا يزالون يُبشِّرونه ويَحُفُّون به، فلَهم ألطفُ وأرأفُ من الوالدة بولدها. ثم يَسُلُّون روحَه من تحت كل ظُفر ومَفْصِل، ويموت الأول فالأول، ويهون (^٧) عليه، وإن كنتم ترونه شديدًا، حتَّى تبلغ ذَقَنه».
_________________
(١) (أ، غ): «البجلي». ولعله تحريف.
(٢) كذا ضبط في (ب، ط، ن) بالبناء للمجهول. والفعل لازم ومتعد.
(٣) ما عدا (ط، ن): «فإن»، تحريف.
(٤) كذا في جميع النسخ، يعني المحتضرين. وفي الدر المنثور (٦/ ١٣٣): «أنه ينظر»، وهو أشبه بالسياق.
(٥) (ب، ط، ج): «المطمئنة».
(٦) (ق): «رحمته». والعبارة «فإن كان جنته» ساقطة من (ن).
(٧) (ب، ط، ج): «تهون».
[ ١ / ١٤٢ ]
قال: «فلَهِي أشدُّ كراهيةً للخروج من الجسد، من الولد حين يخرجُ من الرحم، فيبتدرونها، كلُّ ملكٍ منهم، أيُّهم يَقبِضها. فيتولَّى قبضها ملكُ الموت». ثم تلا رسول الله - ﷺ - (^١): ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] «فيتلقَّاها بأكفانٍ بيض، ثم يحتضنها (^٢) إليه، فلهو أشدُّ لزومًا لها من المرأة إذا ولدتها. ثم يفوح منها ريحٌ أطيبُ من المسك، فيستنشقون ريحَها، ويتباشرون بها (^٣)، ويقولون: مرحبًا بالرِّيح الطيبة والرُّوح الطيِّبِ! اللهم صلِّ عليه رُوحًا، وصلِّ على جسدٍ خرجتْ منه».
قال: «فيصعَدون بها (^٤). ولله ﷿ خلقٌ في الهواء لا يَعلَم عِدَّتهم إلا هو، فيفوح لهم منها ريحٌ أطيبُ من المسك، فيصلُّون عليها ويتباشرون بها. وتفتح لهم أبوابُ السماء، فيصلِّي عليها كلُّ ملك، في كلِّ سماء تمرُّ بهم، حتى يُنتهى بها (^٥) بين يدي الملك الجبَّار. فيقول الجبّارُ: مرحبًا بالنفس الطيِّبة وبجسدٍ خرجتْ منه! وإذا قال الربُّ ﷿ للشيء: مرحبًا، رحُبَ (^٦) له كلُّ شيء، ويذهب عنه كلُّ ضيق.
ثم يقول لهذه النفس الطيبة: أدخلوها الجنةَ، وأرُوها مقعدَها من الجنة،
_________________
(١) زاد في (ط): «قوله تعالى».
(٢) (ب، ط، ج): «فيحضنها».
(٣) «بها» لم يرد في (أ، غ).
(٤) زاد في (ط): «إلى السماء».
(٥) زاد في (ط): «إلى».
(٦) الضبط من (ط)، يعني: اتسع. وفي (ب): «وجب» تصحيف.
[ ١ / ١٤٣ ]
واعرِضوا عليها ما أعددتُ لها من الكرامة والنعيم. ثم اذهبوا بها إلى الأرض، فإنِّي قضيتُ أنّي منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى. فوالذي نفس محمد بيده، لهي أشدُّ كراهيةً للخروج، منها حين كانت تخرج من الجسد. وتقول: أين تذهبون بي؟ إلى ذلك الجسد الذي كنتُ فيه؟»
قال: «فيقولون: إنَّا مأمورون بهذا، فلابدَّ لك منه. فيهبطون به على قَدْر فراغِهم من غُسْله وأكفانه، فيُدخِلون [٣٢ ب] ذلك الروحَ بين جسده وأكفانه» (^١).
فدلَّ هذا (^٢) الحديث أنَّ الروح تُعاد بين الجسد والأكفان. وهذا عَودٌ غير التعلُّق الذي كان لها في الدنيا بالبدن، وهو نوعٌ آخرُ؛ وغير تعلُّقها به
_________________
(١) في إسناده حماد بن قيراط النيسابوريّ، قال ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٥٤): «يقلب الأخبار على الثقات، ويجيء عن الأثبات بالطامات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار، وكان أبو زرعة الرازي يمرِّض القول فيه». وأورد ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٥٠ ــ ٢٥١) بعض مناكيره، ثم قال: «ولحماد بن قيراط غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه فيه نظر». وتنظر ترجمته في لسان الميزان (٢/ ٣٥٢). وأما شيخه وشيخ شيخه فلم أهتد إليهما. والحديث أشار إليه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠٢) فقال: «وقد ذكر ابن مردويه ههنا حديثًا مطولًا جدًا من طريق غريبة، عن الضحَّاك، عن ابن عباس، مرفوعًا». وساقه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٣٣) بطوله وقال: «أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف». (قالمي).
(٢) «هذا» ساقط من (ط). وفي (ن): «فثبت بهذا».
[ ١ / ١٤٤ ]
حالَ النوم، وغير تعلُّقها به وهي في مقرِّها؛ بل هو عَودٌ خاصٌّ للمسألة (^١).
قال شيخُ الإسلام (^٢): الأحاديثُ الصحيحة المتواترة تدلُّ على عَود الروح إلى البدن وقت السؤال. وسؤالُ البدن بلا روح قولٌ قاله طائفة من الناس، وأنكره الجمهور. وقابلهم آخرون، فقالوا: السؤالُ للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مسرَّة (^٣) وابن حزم. وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة تردُّه، ولو كان ذلك على الروحِ فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاصٌ.
* * *
_________________
(١) ما عدا (أ، غ): «للمساءلة»، ورسم كالعادة بالياء.
(٢) في شرح حديث النزول. انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٤٦). وانظر أيضًا: (٤/ ٢٦٢)، (٥/ ٥٢٥).
(٣) في (ط، ز، غ) يحتمل قراءة «ابن مرة». وفي (ج، ن): «ابن ميسرة»، وكذا في مجموع الفتاوى في المواضع المذكورة في الحاشية السابقة. والصواب ما أثبتنا من (أ، ب، ق) غير أن كلمة «ابن» سقطت من الأصل. ولعل المقصود هنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسرّة القرطبي الصوفي المتكلم المتوفى سنة ٣١٩. انظر ترجمته في تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (٢/ ٥٥). وهناك أبو الحزم وهب بن مسرّة الحجاري الحافظ الفقيه المحدث المتوفى سنة ٣٤٦. وابن حزم ممن أخذ عن أصحابه. ترجمته في كتاب ابن الفرضي (٢/ ٢٠٧). وقد ذكر ابن حزم في الملل والنحل مذهب ابن مسرّة الصوفي في بعض المسائل لكن لم يشر إلى أن عذاب القبر عنده على الروح فقط.
[ ١ / ١٤٥ ]