فقال ابنُ عبد البَرِّ: ثبت عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "ما من مسلمٍ (^٢) يمرُّ بقبر أخيه، كان يعرفه في الدنيا، فيُسلِّمُ عليه إلا ردَّ اللهُ عليه روحَه حتى يردَّ ﵇" (^٣).
_________________
(١) "أما" لم ترد في (ط، ز). ومن "أما" إلى "ابن عبد البر" لم يرد في (ج). وفي (ط) بعد المسألة الأولى: "معرفة الميت بزيارة الحي ودعائه له وسلامه عليه. ثبت ".
(٢) سيأتي الحديث بلفظ: "ما من رجل". وكذا في المصادر المذكورة في الحاشية الآتية. وفي بعضها: "ما من أحد".
(٣) وهو حديث ابن عباس. وسيأتي مرة أخرى في هذا الباب. وهنا تنبيهات: الأولى: "قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي - ﷺ - " كذا في بدائع الفوائد (٦٦٢) وتهذيب السنن (١٩٣٠). الثانية: في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٣١): "قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - ". والظاهر أن "ابن المبارك" تحريف "ابن عبد البر". وقد ذكر شيخ الإسلام تصحيح ابن عبد البر للحديث في الفتاوى (٤/ ٢٩٥) وغيره. وصححه هو أيضًا في (٢٤/ ١٧٣). واستدلّ به في أكثر من عشرة مواضع من كتبه. انظر مثلًا: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٧٨) ومجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٣، ٣٦٣). الثالثة: في فيض القدير (٥/ ٦٢٢) أن الحافظ العراقي أفاد أن ابن عبد البر خرّجه في التمهيد والاستذكار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس. وعزاه القرطبي في التذكرة (٤١٠) والسيوطي في شرح الصدور (٢٧٣) والصنعاني في بشرى الكئيب (١٦٦) أيضًا إلى التمهيد والاستذكار. = قلت: لم أجد الحديث في كتاب التمهيد المطبوع. وهو في الاستذكار (١/ ٢٣٤)، ولكن لم أر فيه تصحيح ابن عبد البر للحديث. الرابعة: قال ابن رجب في أهوال القبور (٨٢): "خرّجه ابن عبد البر. وقال عبد الحق الإشبيلي: إسناده صحيح. يشير إلى أنّ رواته كلهم ثقات. وهو كذلك إلا أنه غريب، بل منكر". وتصحيح عبد الحق للحديث في أحكامه الصغرى (١/ ٨٠) والوسطى (٢/ ١٥٢). (الإصلاحي). الخامسة: الظاهر أن ابن رجب ﵀ عنى بثقة رواته الربيع بن سليمان فمن فوقه، وأما شيخ ابن عبد البر، فله ترجمة في جذوة المقتبس (ص ٢٧٧) للحميدي وقال: "عبيد بن محمد أبو عبد الله كان رجلًا صالحًا يضرب به المثل في الزهد، سكن قرطبة". وأما شيخته المملية فاطمة بنت الريان فلم أجد لها ذكرًا في كتب التراجم المتوفرة، والظاهر أنها لم تكن بتلك الحافظة فقد خالفها في إسناده جمعٌ من أصحاب الربيع بن سليمان المراديّ حيث رووه عنه، عن بشر بن بكر، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فرفعه. أخرجه تمام في فوائده (١٣٩) عن الحسن بن حبيب، وأبي علي أحمد بن محمد بن فضالة الحمصي. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ١٣٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن عمران الكرماني، وأبي العباس محمد بن يعقوب الأصم. فرَّقهما. أربعتهم عن الربيع بن سليمان به. وأخرجه ابن جُميع الصيداوي في معجم شيوخه (٣٣٣) عن عيسى بن موسى البلدي، عن الربيع بن سليمان به. إلا أنه سقط من إسناده عطاء بن يسار، فلا أدري أحصل ذلك سهوًا أو هو لون آخر من الاختلاف؟ والأقرب الثاني، فقد رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٩٠) من طريق الصيداوي بإسناده سواء، ثم قا ل: "غريب، ومع ضعفه ففيه انقطاع، ما علمنا زيدًا سمع أبا هريرة". ومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٥٢٣) من طريق أبي العباس الأصم. وحده به. وقال عقبه: "هذا حديث لا يصح وقد أجمعوا على= تضعيف عبد الرحمن بن زيد، قال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحقّ الترك" اهـ. وقال ابن رجب: "عبد الرحمن بن زيد فيه ضعف، وقد خولف في إسناده". قلت: يشير إلى ما أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور ــ كما عند المصنف، وليس في المطبوع منه ــ عن محمد بن قدامة الجوهريّ، عن معن بن عيسى القزاز، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة موقوفًا. وإسناده ضعيف جدًّا علته محمد بن قدامة الجوهري البغدادي، قال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو داود: "ضعيف لم أكتب عنه شيئًا قط" (انظر: الميزان ٤/ ١٥). والحاصل أن الحديث لا يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا، بل هو منكر كما قاله ابن رجب ﵀. وقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٤٩٣) (قالمي).
[ ١ / ٥ ]
فهذا نصٌّ في أنه يعرفه بعينه، ويرُدُّ ﵇.
وفي الصحيحين (^١) عنه - ﷺ - من وجوهٍ متعددةٍ: أنه أمر بقتلى بدر، فأُلقُوا في قَلِيب. ثم جاء حتى وقف عليهم، وناداهم بأسمائهم: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟ فإنّي وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا". فقال له عمرُ: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوامٍ (^٢) قد جَيَّفوا (^٣)؟ فقال: "والذي بعثني بالحقِّ ما أنتم بأسمَعَ لما أقول منهم، ولكنَّهم لا يستطيعون جوابًا".
وثبت (^٤) عنه - ﷺ -: أنّ الميِّت يسمع قَرْعَ نعال المشيِّعين له، إذا انصرفوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز (١٣٧٠) وغيره عن ابن عمر، وعنه وعن أبي طلحة في المغازي (٣٩٨٠، ٣٩٧٦). وأخرجه مسلم في كتاب الجنة من حديث عمر (٢٨٧٣) وأنس (٢٨٧٤) وأبي طلحة (٢٨٧٥).
(٢) في حاشية (ق) إشارة إلى أن في نسخة: "قوم".
(٣) جيَّف الميِّتُ: أنتن.
(٤) من "وثبت عنه" إلى "وإن لم يسمع المسلم الردّ" في (ص ١٧) نقله ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٧) بشيء من الاختصار دون إشارة إلى ابن القيم.
[ ١ / ٧ ]
عنه (^١).
وقد شرع النبيُّ - ﷺ - لأمَّته، إذا سلَّموا على أهل القبور، أن يسلموا عليهم سلامَ مَن يخاطبونه، فيقول المسلِّم (^٢): "السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين" (^٣). وهذا خطاب لمن يسمعُ ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطابُ بمنزلة خطاب المعدوم والجَماد (^٤).
والسلف مجمِعون على هذا (^٥)، وقد تواترت الآثار (^٦) عنهم بأنّ الميّتَ يَعرف بزيارة الحيِّ له ويستبشر به.
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في "كتاب القبور"، باب معرفة الموتى بزيارة الأحياء (^٧):
حدثنا محمد بن عَوْن، حدثنا يحيى بن يَمَان (^٨)، عن عبد الله بن
_________________
(١) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، وسيأتي بتمامه في (ص ١٥٧).
(٢) "المسلم" ساقط من (ق).
(٣) أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي هريرة (٢٤٩)، وفي الجنائز عن عائشة (٩٧٤).
(٤) انظر الاستدلال بعينه بهذا الحديث عند شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٠٤، ٣٦٣). وقال في الموضع الأخير: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطَب من يَسمَع". وهو يرى "أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال ".
(٥) (ب، ج، ط): "ذلك".
(٦) في (ب): "الأخبار"، وأشير في حاشية (ق) أيضًا إلى هذه النسخة.
(٧) كتاب القبور مطبوع، ولكنه ناقص، فلم يرد فيه شيء من الأخبار التي نقلها المؤلف هنا، وسأخرجها عمن عزا إلى كتاب القبور وغيره.
(٨) في (ب): "أنبأنا ابن أبان"، وهو خطأ.
[ ١ / ٨ ]
سِمْعان، عن زيد بن أسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "ما مِن رجل يزور قبر أخيه ويجلسُ عنده إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم" (^١).
حدثنا محمد بن قُدامة الجوهريُّ، حدثنا معن بن عيسى القزّاز، أخبرنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إذا مرَّ الرجل بقبرٍ يعرفه فسلَّم عليه ردَّ ﵇ وعَرَفه. وإذا مرَّ بقبر لا يعرفه فسلَّم عليه ردَّ ﵇ (^٢).
حدثنا [٢ ب] محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن بِسْطام الأصفر (^٣)، حدثني مِسْمَع (^٤)، حدثني رجلٌ من آل عاصمٍ الجَحدريِّ (^٥)، قال: رأيت
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من كتاب القبور. وإسناده ضعيف جدًّا؛ آفته عبد الله بن سمعان نُسب إلى جده، وهو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي المدني، قال الحافظ في التقريب: "متروك اتهمه بالكذب أبو داود وغيره". ومحمد بن عون شيخ ابن أبي الدنيا هو أبو عون الزيادي البصري، ثقة له ترجمة في الجرح والتعديل (٨/ ٤٨). والحديث عزاه ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٦٤) لابن أبي الدنيا، وأعلّه بعبد الله بن سمعان قال: "وهو متروك". (قالمي).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٢٩٦) عن ابن أبي الدنيا بسنده هذا، وقد سبق الكلام عليه في الحديث الأول.
(٣) ويقال له أيضًا: "المصفّر"، كما في لسان الميزان (٦/ ٢٤٣).
(٤) في (ز): "مسلم"، وفي (ب، ج): "مستمع". وكلاهما تحريف. وهومسمع بن عاصم، من عُبَّاد أهل البصرة. انظر: لسان الميزان (٦/ ٣٦).
(٥) في (ق) هنا وفيما يأتي: "الحجازي"، تحريف.
[ ١ / ٩ ]
عاصمًا الجحدري (^١) في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد متَّ؟ قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ونفرٌ من أصحابي، نجتمع كلَّ ليلةِ جمعةٍ وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المُزَنيِّ، فنتلقَّى أخباركم. قال: قلت: أجسادُكم (^٢) أم أرواحكم؟ قال: هيهات، بَليتِ الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح. قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعم، نعلم بها عشيَّةَ الجمعة (^٣) ويومَ الجمعة كلَّه، ويوم السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلِّها؟ قال: لِفَضلِ يوم الجمعة وعظمتهِ (^٤).
وحدثنا محمد بن الحسين، حدثني بكر بن محمد (^٥)، حدثنا جسر (^٦) القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداةِ سبتٍ حتى نأتي الجَبَّان (^٧)، فنقف على القبور، فنسلِّم عليهم، وندعو لهم، ثم ننصرف. فقلت ذات يوم: لو صيَّرتُ هذا اليوم يومَ الاثنين! قال: بلغني أنَّ الموتى يعلمون بزُوَّارهم يوم الجمعة، ويومًا قبلها، ويومًا بعدها (^٨).
_________________
(١) في (ز): "رأيت رجلًا من أصحابي".
(٢) في (ط): "أجسامكم"، وأشير في الحاشية إلى ما في غيرها.
(٣) (ط): "ليلة الجمعة".
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٥٨). وأورده ابن رجب في أهوال القبور (٨٣).
(٥) (ز): "بشر بن محمد".
(٦) في (أ، ق، ز، غ): "حسن". وفي (ب، ط، ج): "جبير". وكلاهما تصحيف. وهو جسر بن فرقد القصاب، أبو جعفر، بصري. انظر: لسان الميزان (٢/ ١٠٤).
(٧) الجبّان والجبّانة: المقبرة.
(٨) أورده ابن رجب في أهوال القبور (٨٤) عن ابن أبي الدنيا.
[ ١ / ١٠ ]
حدثني محمد، حدثنا عبد العزيز بن أبَان، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرًا يومَ السبت قبل طلوع الشمس عَلِم الميِّتُ بزيارته. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان (^١) يوم الجمعة (^٢).
حدثنا خالد بن خِدَاش (^٣)، حدثنا جعفر بن سليمان (^٤)، عن أبي التَّيَّاح، قال: كان مُطَرِّف يغدو، فإذا كان يومُ الجمعة أَدلَجَ. قال: وسمعت أبا التَّيَّاح يقول: بلغنا أنه كان يُنوَّر له في سوطه، فأقبل ليلةً حتى إذا كان عند المقابر هَوَّمَ (^٥)، وهو على فرسه، فرأى أهلَ القبور: كلَّ صاحب قبر جالسًا على قبره، فقالوا: هذا مطرِّفٌ يأتي الجمعة. قلت: وتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير، قلت: وما يقولون: قالوا: يقولون: سلامٌ سلامٌ (^٦).
حدثني محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن أبي بُكير (^٧) حدثني الفضل بن الموفَّق ابنُ خالِ سفيانَ بن عيينة، قال: لما مات أبي جزعت عليه
_________________
(١) في الأصل: "لما كان"، سبق قلم.
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ١٨) عن ابن أبي الدنيا بهذا السند. وعنه أيضًا ابن رجب في الأهوال (٨٤).
(٣) في (ط): "خراش"، تحريف.
(٤) في الأصل: "سلمان"، والصواب ما أثبتناه من غيره.
(٥) هوَّمَ: هزَّ رأسه من النعاس. وقد تحرف في جميع النسخ ماعدا (ز) إلى "يقوم".
(٦) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ١٨) من طريق ابن أبي الدنيا. وعزاه إليه ابن رجب في الأهوال (٨٤). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠٥).
(٧) في (ب، ج، ز، غ): "أبي بكر"، وهو خطأ.
[ ١ / ١١ ]
جزعًا شديدًا، فكنت [٣ أ] آتي قبره في كل يوم؛ ثم إنّي قصَّرتُ عن ذلك (^١) ما شاء الله، ثم إني أتَيتُه (^٢) يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي، فنمتُ، فرأيت كأنَّ قبر أبي قد انفرج (^٣)، وكأنه قاعد في قبره متوشِّحًا أكفانه، عليه سَحنةُ (^٤) الموتى. قال: فكأني بكيتُ لما رأيته، قال: يا بُنَيَّ ما بَطَّأَ بك عنّي؟ قلت: وإنك لَتعلمُ بمجيئي؟ قال: ما جئتَ مرَّةً إلا علمتُها. وقد كنتَ تأتيني فأُسَرُّ (^٥) بك، ويُسَرُّ مَن حولي بدعائك. قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيرًا (^٦).
حدثني محمد، حدثني يحيى بن بِسطام، حدثني عثمان بن سَوْدَة (^٧) الطُّفاوي ــ قال: وكانت أمُّه من العابدات، وكان يقالُ لها: راهبة ــ قال: لما احتُضِرتْ رفعَتْ رأسها إلى السماء فقالت: يا ذُخري وذخيرتي، ومَن عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي؛ لا تخذُلْني عند الموت، ولا تُوحِشني في قبري.
قال: فماتت، فكنت آتيها في كلِّ جمعة، فأدعو لها، وأستغفر لها ولأهل القبور. فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها (^٨): يا أُمَّهْ كيف أنت؟ قالت:
_________________
(١) (ز): "عنه".
(٢) (ز): "ثم أتيته".
(٣) (ب): "انفتح".
(٤) (ط، ز): "سجية"، تصحيف.
(٥) (ب، ط): "فآنس". وأشير إلى هذه النسخة في طرّة (ق) أيضًا.
(٦) أخرجه البيهقي في الشعب (٦/ ٢٠٢). وابن رجب في الأهوال (٨٤) بهذا السند. وإلى ابن أبي الدنيا والبيهقي عزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٠١).
(٧) (أ، غ): سُوَيد.
(٨) "لها" من (ب، ط، ج).
[ ١ / ١٢ ]
أي بُنيَّ إن للموت لكُرْبةً شديدةً، وإنّي بحمد الله لفي برزخ محمود نَفْرِش فيه الرَّيحان ونتوسَّد (^١) فيه السُّندسَ والإستبرقَ إلى يوم النشور. فقلت لها: ألكِ حاجة؟ قالت: نعم. قلت: وما هي؟ قالت: لا تَدَعْ ما كنت تصنعُ من زيارتنا والدعاء لنا، فإني لأبشَّرُ (^٢) بمجيئك يومَ الجمعة إذا أقبلت من أهلك. يقال لي: يا راهبةُ، هذا ابنُك قد أقبل، فأُسَرُّ ويُسَرُّ بذلك مَن حولي من الأموات (^٣).
حدثني محمد، حدثني محمد بن عبد العزيز بن سليمان (^٤)، حدثنا بِشرْ بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجلٌ يختلف إلى الجَبَّان، فيشهد (^٥) الصلاة على الجنازة، فإذا أمسى وقف على باب المقابر، فقال: آنَسَ الله وَحْشتَكم، ورحم غُربتَكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقَبِل حسناتكم. لايزيد على هؤلاء الكلمات. قال (^٦): فأمسيت ذات ليلة، وانصرفتُ إلى أهلي، ولم آتِ المقابر، فأدعوَ، كما كنت أدعو. قال: فبينا أنا نائم، إذا (^٧)
_________________
(١) كذا في (أ، غ). وفي غيرهما: "يُفرش .. ويُتوسَّد" بالبناء للمجهول. وفي شعب البيهقي: "أفرش وأتوسَّد".
(٢) (ب): "لآنس"، تصحيف.
(٣) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن الحسين في الشعب (٦/ ٢٠٣). وعزاه ابن رجب في الأهوال (٨٥) إلى ابن أبي الدنيا. وإليه وإلى البيهقي عزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٠١). وانظر: صفة الصفوة (٤/ ٤٢).
(٤) كذا في جميع النسخ. والأرجح: سَلمان، كما سيأتي في المسألة الثالثة.
(٥) (ب، ط، ج): "ويشهد".
(٦) "قال" ساقط من الأصل.
(٧) (ز): "إذا أنا". وكذا في "شعب" البيهقي.
[ ١ / ١٣ ]
بخلق كثير قد جاؤوني، فقلت (^١): ما أنتم؟ وما حاجتُكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر. قلت: ما حاجتكم؟ [٣ ب] قالوا: إنَّك عَوَّدتنا منك هديةً عند انصرافك إلى أهلك. قلت: وما هي؟ قالوا: الدعواتُ التي كنت تدعو بها. قال: قلت: فإنّي أعود لذلك. قال: فما تركتُها بعد (^٢).
حدثني محمد، حدثني أحمد بن سهل، حدثني رِشْدين بن سعد (^٣)، عن رجل، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سُلَيم بن عُمَير (^٤) مرَّ على مقبرة، وهو حاقن قد غلبه البول، فقال له بعضُ أصحابه: لو نزلتَ إلى هذه المقابر، فبُلتَ في بعض حُفَرها! فبكى، ثم قال: سبحان الله! والله إنّي لأستحيي من الأموات، كما أستحيي من الأحياء (^٥).
ولولا أن ا لميت يشعر بذلك لما استَحْيا منه.
وأبلغُ من ذلك أنَّ الميِّت يعلم بعمل الحيِّ من أقاربه وإخوانه.
قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن أبي رُهْم (^٦)، عن أبي
_________________
(١) (ب، ق، ج، ز): "قلت".
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ١٧) عن طريق ابن أبي الدنيا. وأورده عنه ابن رجب في الأهوال (١٢٥). وعنه وعن البيهقي: السيوطي في شرح الصدور (٣٠٠).
(٣) (ز): "رشيد بن سعيد"، تحريف.
(٤) في (ب): "عتر". وفي (ز): "عمر". وكلاهما تحريف.
(٥) عزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٨٨) إلى كتاب القبور.
(٦) في جميع النسخ: "إبراهيم". وهو تحريف. صوابه ما أثبتنا من الزهد وغيره. وهو أبو رُهم السماعي يروي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁. وانظر ما يأتي في (ص ٣٥).
[ ١ / ١٤ ]
أيوب قال: تُعرَض أعمالُ الأحياء على الموتى (^١)، فإذا رأوا حسنًا فرحوا واستبشروا، وإن رأوا سُوءًا قالوا: اللهم راجِعْ به (^٢).
وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحَوَاري قال: حدثني محمد أخي قال: دخل عبَّاد بن عباد على إبراهيم بن صالح ــ وهو على فلسطين ــ فقال: عظني، قال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء (^٣) تُعرَض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يُعرَض (^٤) على رسول الله - ﷺ - من عملك. فبكى إبراهيم حتى أخضَلَ لحيتَه (^٥).
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، حدثني خالد بن عمرو الأمويُّ، حدثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي سيرة (^٦) سَمِجة، فمات أبي، فأُبتُ (^٧)، وندمتُ على ما فرَّطتُ. قال: ثم زلَلْتُ أيَّما زلّة، فرأيتُ
_________________
(١) (ز): الأموات.
(٢) الزهد لابن المبارك (٤٤٣). ومن طريقه أخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣).
(٣) (ب، ط، ج): "العباد"، وأشير في حواشيها إلى ما في غيرها.
(٤) (ب): "ماذا تعرض".
(٥) عزاه السيوطي في شرح الصدور (٣٤٣) إلى ابن أبي الدنيا وابن منده وابن عساكر. انظر تاريخ دمشق (٦/ ٤٤٧). وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١). وكان إبراهيم ابن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي أميرًا على كور دمشق والأردن في خلافة المهدي والهادي وهارون الرشيد. وتوفي سنة ١٧٦. انظر ترجمته في تاريخ دمشق.
(٦) كذا في (ط، ز، ج). وفي غيرها: "شرّة" وكذا في المنامات وأهوال القبور. والشِرّة: الحدّة والنشاط والرغبة. ولعلّ المثبت أشبه بالسياق.
(٧) في (ج): أنبت. وفي (ز): تبتُ.
[ ١ / ١٥ ]
أبي في المنام، فقال: أي بُنيَّ ما كان أشدَّ فرحي بك، وأعمالُك تُعرَض علينا، فنشَبِّهها بأعمال الصالحين! فلما كانت هذه المرَّة استحييت لذلك حياءً شديدًا، فلا تُخزِني فيمن حولي من الأموات. قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السَّحَر ــ وكان لي جارًا (^١) بالكوفة ــ: أسألك إنابةً لا رجعةَ فيها ولا حَوْر، يا مصلح الصالحين، ويا هاديَ المضلّين، ويا أرحم الراحمين (^٢).
وهذا باب فيه آثارٌ كثيرة عن الصحابة. وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة يقول: إني أعوذ بك من عمل أخزَى به [٤ أ] عند عبد الله بن رواحة. كان (^٣) يقول ذلك بعد أن استُشْهِد عبد الله (^٤).
ويكفي في هذه تسميةُ المسلِّم عليهم (^٥) "زائرًا"، ولولا أنهم يشعرون به لما صحَّ تسميته زائرًا؛ فإن المزُورَ إن لم يعلم (^٦) بزيارةِ مَن زاره لم يصحَّ أن يقال: زاره. هذا هو المعقولُ من الزيارة عند جميع الأمم.
وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإنَّ السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلِّم محالٌ. وقد علَّم النبي - ﷺ - أمَّته إذا زاروا القبور أن يقولوا: "سلام
_________________
(١) (ط): "جارًا لي".
(٢) (ط، ج): "راحم المذنبين". وكذا في المنامات لابن أبي الدنيا (١٧). وأخرجه عنه ابن رجب في الأهوال (٨٨).
(٣) لم يرد "كان" في (ب، ط، ج).
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٦٥) ومن طريقه ابن أبي الدنيا في المنامات. وأورده ابن رجب في الأهوال (٨٧) والسيوطي في شرح الصدور (٣٤٣، ٣٤٤). والأنصاري هو أبو الدرداء.
(٥) "عليهم" ساقط من (ب).
(٦) (ط): "لو لم يعلم".
[ ١ / ١٦ ]
عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحمُ الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية" (^١).
= فهذا السلامُ والخطاب والنداء لِموجودٍ يَسمع ويُخاطب ويَعقِل ويَرُدُّ، وإن لم يسمع المسلِّم الردَّ (^٢).
وإذا صلَّى الرجل قريبًا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغَبَطوه على ذلك.
قال يزيد بن هارون: أخبرنا سليمان التيميُّ، عن أبي عثمانَ النهديِّ أن ابن مِيناس خرج في جنازةٍ في يوم، وعليه ثياب خِفَاف، فانتهى إلى قبر. قال: فصلَّيت ركعتين ثم اتَّكأت عليه، فوالله إنَّ قلبي ليقظانُ إذ سمعت صوتًا من القبر: إليك عنِّي لا تُؤْذِني (^٣)، فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلَمُ ولا نعمل، ولأَنْ يكونَ لي مثلُ ركعتيك أحبُّ إليَّ من كذا وكذا (^٤). فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر، وبصلاته.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسين بن علي العِجْليُّ، ثنا محمد بن الصَّلت، ثنا إسماعيل بن عياش، عن ثابت بن سليم (^٥)، ثنا أبو قلابة قال: أقبلتُ من الشام إلى البصرة، فنزلت منزلًا، فتطهَّرت، وصلَّيت ركعتين بِليل،
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث عائشة (٩٧٤) وبريدة (٩٧٥).
(٢) هنا انتهى ما نقله ابن كثير في تفسيره. انظر بدايته في ص (٧). وانظر تعقيب الألباني على ذلك في مقدمته لكتاب الآيات البينات (ص ٦٠) وحاشيته عليه (ص ١٣٢).
(٣) (أ، ق، ز): "لا تُؤذيني".
(٤) أخرجه البيهقي في الدلائل (٧/ ٤٠). وأورده ابن رجب في الأهوال (٤٠) عن ابن أبي الدنيا. والسيوطي عنه وعن البيهقي في شرح الصدور (٢٨٥).
(٥) في (أ، ط) ضُبط بضم السين.
[ ١ / ١٧ ]
ثم وضعت رأسي على قبر، فنمت. ثم انتبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني (^١)، يقول: قد آذيتني منذ الليلة. ثم قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل. ثم قال: الركعتين اللتين (^٢) ركَعْتَهما خير من الدنيا وما فيها. ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيرًا أقْرِهِم (^٣) منَّا السلام، فإنه يدخل علينا من دعائهم نورٌ أمثالُ الجبال (^٤).
وحدثني الحسين العِجْلي، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا مالك بن مِغْول، عن منصور، عن [٤ ب] زيد بن وَهْب، قال: خرجت إلى الجَبَّانة، فجلست فيها، فإذا رجل قد جاء إلى قبر، فسوَّاه، ثم تحول إليَّ، فجلس. قال: فقلت له: ما هذا القبر؟ قال: أخ لي. فقلت: أخ لك؟ فقال: أخ لي في الله، رأيته فيما يرى النائم، فقلت: فلانُ، عِشتَ! الحمد لله رب العالمين. قال: قد قلتَها (^٥)، لأَن أقدرَ على أن أقولها أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها. ثم قال: ألم تر حيث كانوا يدفنوني (^٦)، فإن فلانًا قام، فصلى ركعتين؟ لأَن أكونَ أقدر على أن أصلِّيَهما أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها (^٧).
_________________
(١) (ز، ط، غ): "يشكتي".
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي الأهوال وشرح الصدور: "إنّ الركعتين ".
(٣) كذا في جميع النسخ بحذف الهمزة.
(٤) أورده عن ابن أبي الدنيا: ابن رجب في الأهوال (٤٠) والسيوطي في شرح الصدور (٣٩٦).
(٥) (ج): "كلمة قد قلتها". وهي زيادة من بعض النسّاخ.
(٦) كذا في جميع النسخ بحذف نون الرفع.
(٧) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ١٩) من طريق ابن أبي الدنيا. وعنه أورده ابن رجب في الأهوال (٤٠).
[ ١ / ١٨ ]
حدثني أبو بكر التَّيمي (^١)، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني حُميد الطويل، عن مُطَرِّف بن عبد الله الحَرَشي (^٢) قال: خرجنا إلى الربيع في زمانه، فقلنا: ندخلُ يوم الجمعة لشهودها، وطريقنا على المقبرة، قال: فدخلنا، فرأيت جنازة في المقبرة، فقلت: لو اغتنمتُ شهودَ هذه الجنازة، فشهدتها. قال: فاعتزلت ناحيةً قريبًا من قبر، فركعت ركعتين خَفَّفتُهما لم أَرْضَ إتقانَهما. ونعستُ، فرأيتُ صاحب القبر يكلِّمني، وقال: ركعتَ ركعتين لم ترضَ إتقانهما! قلتُ: قد كان ذلك. قال: تعملون، ولا نستطيع أن نعمل. لأن أكونَ ركعتُ مثلَ ركعتيك أحبُّ إليّ من الدنيا بحذافيرها. فقلتُ: من هاهنا؟ فقال: كلُّهم مسلِمٌ، وكلُّهم قد أصاب خيرًا (^٣). فقلتُ: مَن هاهنا أفضلُ؟ فأشار إلى قبر. فقلت في نفسي: اللهم ربَّنا أخرِجْه إليَّ، فأكلِّمَه. قال: فخرج من قبره فتى شابٌّ، فقلت: أنت (^٤) أفضل مَنْ هاهنا؟ قال: قد قالوا ذلك. قلت: فبأيِّ شيء نلتَ ذلك؟ فوالله ما أرى لك ذلك السِّنَّ، فأقولَ: نلتَ ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل الله والعمل. قال: قد ابتُلِيتُ بالمصائب، فرُزِقْتُ الصبرَ عليها، فبذلك فَضَلْتُهم (^٥).
_________________
(١) في (ب، ط، ج): "النحوي". وفي (ز): "التميمي" ولعلهما تحريف. فإنه من ولد أبي بكر الصديق ﵁. وهو تيمي.
(٢) في (ق) بالسين المهملة، وفي (أ) بالجيم والشين. وفي (ز): "الجهني". والصواب ما أثبتنا من غيرها، نسبة إلى بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. انظر: اللباب (١/ ٣٥٧).
(٣) (ز): أصابه خير.
(٤) (ز): إنّك.
(٥) أخرجه البيهقي في الشعب (٧/ ٢٤٨) من طريق ابن أبي الدنيا. وعنه أورده ابن رجب في الأهوال (٤٠) والسيوطي في شرح الصدور (٣٦٥).
[ ١ / ١٩ ]
وهذه المرائي وإن لم تصلُح بمجرَّدها لإثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها ــ وإنها لا يحصيها إلا الله ــ قد تواطأَتْ على هذا المعنى. وقد قال النبي - ﷺ -: "أرى رؤياكم قد تواطأَتْ على أنها في العشر الأواخر" (^١) يعني ليلةَ القدر، فإذا [٥ أ] تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤِ (^٢) روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح (^٣)؛ على أنَّا لم نُثبِت هذا بمجرد الرؤيا، بل بما ذكرناه من الحُجَج وغيرها.
وقد ثبت في الصحيح أنَّ الميِّت يستأنسُ بالمشيِّعين لجنازته بعد دفنه.
فروى مسلم في صحيحه (^٤) من حديث عبد الرحمن بن شِمَاسة المَهْرِيِّ (^٥) قال: حضَرْنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحوَّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنُه يقول: ما يُبكيك يا أبتاه؟ أما بشَّرك رسول الله - ﷺ - بكذا؟ فأقبل بوجهه، فقال: إنَّ أفضلَ ما نُعِدُّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وإني كنت على أطباقٍ ثلاث، لقد رأيتُني وما أحدٌ أشدَّ بغضًا لرسول الله - ﷺ - مني، ولا أحبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه، فقتلته. فلو مِتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر.
(٢) رسمها في جميع النسخ هنا وفيما يأتي: "كتواطي".
(٣) يشير إلى ما رواه الحاكم في المستدرك (٤٤٦٥) وغيره عن ابن مسعود موقوفًا.
(٤) برقم (١٢١).
(٥) (ق): "المهيري"، خطأ.
[ ١ / ٢٠ ]
فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ رسول الله - ﷺ -، فقلت: ابسط يدك فلأبايعْكَ، فبسط يمينه. قال: فقبضتُ يدي. فقال: "مالك يا عمرو؟ " قلت (^١): أردتُ أن أشترط. قال: "تشترطُ ماذا؟ " قلت: أن يُغفَر لي. قال: "أما علمتَ أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله؟ ". وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله - ﷺ - ولا أجلَّ (^٢) في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلتُ أن أصفه ما أطَقْتُ لأني لم أكن أملأُ عينيَّ منه، ولو متُّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.
ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها.
فإذا أنا متُّ فلا تصحَبْني نائحةٌ ولا نار. فإذا دفنتموني فسُنُّوا عليَّ التراب سَنًّا (^٣)، ثم أقيموا حول قبري قَدرَ ما تُنحر جَزور ويُقسَم لحمُها، حتى أستأنس بكم، وأنظرَ ماذا [٥ ب] أراجعُ به رسلَ ربِّي.
فدلَّ على أنَّ الميِّت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويُسَرُّ بهم.
وقد ذُكِر عن جماعة من السلف أنهم أوصَوْا أن يُقرأ عند قبورهم وقت الدفن.
قال عبد الحق (^٤): يروى أنَّ عبد الله بن عمر أمر أن يُقرأ عند قبره سورة
_________________
(١) (ب، ز، غ، ج): "قال".
(٢) ما عدا الأصل و(غ): "أحلا".
(٣) أي صُبُّوه صبًّا سهلًا. ويروى بالمعجمة. انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٢٢٣). وفي الأصل و(غ) وضع النقط مع علامة الإهمال، للدلالة على جواز الوجهين.
(٤) في (ز): "عبد الحكيم"، وهو خطأ، فإن المقصود عبد الحق الإشبيلي.
[ ١ / ٢١ ]
البقرة. وممن رأى ذلك العلاء بن عبد الرحمن. وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولًا حيث لم يبلغه فيه (^١) أثر، ثم رجع عن ذلك (^٢).
وقال الخلَّال في "الجامع"، كتاب القراءة عند القبور: أخبرنا العباس بن محمد الدُّوريُّ، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا مبشِّر الحلبي، حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلاج (^٣)، عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا متُّ فضعني في اللحد، وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله، وشُنَّ عليّ التراب شنًّا (^٤)، واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها (^٥)، فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك. قال عباس الدُّوري: سألت أحمد بن حنبل، قلت: تحفظُ في القراءة على القبر شيئًا؟ فقال: لا. وسألت يحيى بن معين فحدَّثني بهذا الحديث (^٦).
_________________
(١) (ب، ط): في ذلك.
(٢) كتاب "العاقبة في ذكر الموت" (١٨٤). سياق المصنف يوهم أن الذي رآه العلاء، وأنكره أحمد ثم رجع عنه هو: قراءة سورة البقرة، ولكن المقصود مجرّد إباحة القراءة كما في كتاب "العاقبة". ثم فيه أن العلاء "روى" إباحة القراءة، لا "رأى".
(٣) تصحف في (ق) إلى: "الحلاج"، وفي (ز): "اللحاج". ومثله الأثر التالي.
(٤) في (ب، ق، ز): بالسين المهملة.
(٥) في (ب): "بفاتحة الكتاب وخاتمتها". وفي (ز): "فاتحة ". وهو غير مستقيم. وفي كتاب الخلَّال: "بفاتحة الكتاب وأول البقرة وخاتمتها". ولكن في المعجم الكبير وغيره كما أثبتنا من النسخ.
(٦) القراءة عند القبور للخلَّال برقم (١). وانظر: الأمر بالمعروف له (٢٤٣)، وتاريخ يحيى بن معين برواية الدوري (٥٤١٣، ٥٤١٤). وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٢١).
[ ١ / ٢٢ ]
قال الخلَّال: وأخبرني الحسن (^١) بن أحمد الورَّاق، حدثني علي بن موسى (^٢) الحدَّاد ــ وكان صدوقًا ــ قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد ابن قُدامة الجوهريِّ (^٣) في جنازة، فلما دُفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا، إنَّ القراءة عند القبر بدعة. فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في مبشِّر (^٤) الحلبي؟ قال: ثقةٌ. قال: كتبتَ عنه شيئًا؟ قال: نعم. قال: فأخبَرني مبشرٌ، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه أنه أوصى إذا دُفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال: سمعت ابن عمر (^٥) يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع، وقُل للرجل يقرأ (^٦).
وقال الحسن بن الصباح الزَّعفراني: سألت الشافعيَّ عن القراءة عند القبر، فقال: لا بأس به (^٧).
_________________
(١) (ق): الحسين.
(٢) (ب): حدثني ابن موسى.
(٣) "ومحمد .. الجوهري" ساقط من (ب).
(٤) تصحف في (ز) إلى "ميسر" في هذا الأثر والأثر السابق.
(٥) في (ز): "سمعت عمر"، وهو خطأ.
(٦) القراءة عند القبور (٣)، والأمر بالمعروف (٢٤٦). وللألباني كلام عليه في أحكام الجنائز له (١٩٢).
(٧) القراءة عند القبور (٤)، والأمر بالمعروف (٢٤٨). قال الحافظ ابن حجر في الإمتاع (٨٥ ــ ٨٦): "وهذا نص غريب عن الشافعي، والزعفراني من رواة القديم، وهو ثقة. وإذا لم يرد في الجديد ما يخالف منصوص القديم فهو معمول به، ولكن يلزم من ذلك أن يكون الشافعي قائلًا بوصول ثواب القرآن". وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء (٢/ ٢٦٤): "ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة".
[ ١ / ٢٣ ]
وذكر الخلَّال عن الشَّعبيِّ قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون عنده القرآن (^١).
قال [٦ أ]: وأخبرني أبو يحيى الناقد قال: سمعت الحسن بن الجَرَوي (^٢) يقول: مررت على قبر أختٍ لي فقرأت عندها "تبارك" لِمَا يُذكر فيها، فجاءني رجل فقال: إني رأيت أختَك في المنام تقول جزى الله أبا علي خيرًا، فقد انتفعتُ بما قرأ (^٣).
أخبرني الحسن بن الهيثم قال: سمعت أبا بكر بن الأطروش ابنَ بنت أبي نصر التَّمَّار (^٤) يقول: كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة، فيقرأ سورة يس. فجاء في بعض أيامه، فقرأ سورة يس، ثم قال: اللهم إن كنتَ قسمتَ لهذه السورة ثوابًا فاجعلها في أهل هذه المقابر. فلما كان في الجمعة التي تليها جاءت امرأة، فقالت: أنتَ فلان بن فلانة؟ قال: نعم. قالت: إن بنتًا لي ماتت، فرأيتها في النوم جالسةً على شَفير قبرها، فقلت: ما أجلسكِ هاهنا؟ فقالت: إن فلان بن فلانة جاء إلى قبر أمه، فقرأ سورة يس، وجَعَل ثوابها لأهل المقابر. فأصابنا من رَوح ذلك، وغُفر لنا، أو نحو ذلك (^٥).
وفي النَّسائي وغيره من حديث مَعقِل بن يسار المُزَني عن النبي - ﷺ - أنه
_________________
(١) القراءة عند القبور (٧). وانظر الكلام عليه في أحكام الجنائز للالباني (١٩٣).
(٢) في (ط): "الجريري" بالجيم، وفي (ب) بالحاء، وكلاهما خطأ.
(٣) القراءة عند القبور (٩)، والأمر بالمعروف (٢١٥)
(٤) (ط، ق، ز): نصر بن التمار.
(٥) القراءة عند القبور (١١)، والأمر بالمعروف (٢٥٣).
[ ١ / ٢٤ ]
قال: "اقرؤوا (يس) عند موتاكم" (^١).
وهذا يَحتمل أن يُراد به قراءتُها على المحتَضَر عند موته، فيكون مثل قوله: "لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله" (^٢). ويحتمل أن يرادَ به القراءةُ عند القبر (^٣). والأول أظهَرُ لوجوه:
الأول: أنه نظير قوله: "لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله".
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة (١٠٩١٣) من طريق عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار، به، فذكره. وأخرجه ابن حبان (٣٠٠٢) من طريق يحيى القطان، عن سليمان التيمي بإسناده، مثله. وأخرجه أبو داود (٣١٢١)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والإمام أحمد (٢٠٣٠١، ٢٠٣١٤)، والحاكم (١/ ٥٦٥) من طرق عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان ــ وليس بالنهدي ــ عن أبيه، عن معقل بن يسار، به. وقال الحاكم: "أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة". بل سبق أن يحيى القطان رفعه أيضًا كما في رواية ابن حبان، ورفعه أيضًا المعتمر بن سليمان عن أبيه، لكنه جعله عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار، به، نحوه مطولًا. أخرجه النسائي في الكبرى (١٠٩١٤)، والإمام أحمد (٢٠٣٠٠). والخلاصة أن في أسانيده اضطرابًا وجهالة؛ لأن مداره على أبي عثمان وهو غير معروف وليس هو بالنهدي ــ كما جاء في الرواية ــ وكذا أبوه في الرواية الأخرى لا يُعرف أيضًا. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢/ ١٠٤): "أعلَّه ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث" اهـ. وضعَّفه النووي في الخلاصة (٢/ ٩٢٥)، والمجموع (٥/ ١١٠). (قالمي).
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٩١٦) وأبي هريرة (٩١٧).
(٣) ما عدا (أ، غ، ق): "قبره".
[ ١ / ٢٥ ]
الثاني: انتفاعُ المحتَضَر بهذه السورة لما فيها من التوحيد، والمعَادِ، والبشرى بالجنة لأهل التوحيد، وغبطةِ من مات عليه بقوله: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦، ٢٧]. فتستبشر الروح بذلك، فتحبُّ لقاءَ الله، فيحبُّ اللهُ لقاءَه. فإنَّ هذه السورة قلبُ القرآن (^١) ولها خاصِّية عجيبة في قراءتها عند المحتضَر.
وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي قال: كنَّا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول، وهو في السياق، وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء، وضحك، وقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. [٦ ب] وقضى (^٢).
الثالث: أنَّ هذا عملُ الناس وعادتُهم قديمًا وحديثًا: يقرؤون (يس) عند المحتضر.
الرابع: أنّ الصحابة لو فهموا من قوله - ﷺ -: "اقرؤوا (يس) عند موتاكم" قراءتَها عند القبر لما أَخلُّوا به، وكان ذلك أمرًا معتادًا مشهورًا بينهم.
الخامس: أنَّ انتفاعَه باستماعها، وحضورَ قلبه وذهنهِ عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود. وأما قراءتُها عند قبره، فإنه لا يثابُ على ذلك، لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع، وهو عمل، وقد انقطع من الميت.
_________________
(١) يشير إلى ما رواه الترمذي من حديث أنس (٢٨٨٧).
(٢) الذي في المنتظم لابن الجوزي (١٠/ ٨٢) أن أبا عبد الله التكريتي الصوفي حدَّثه، قال: أسندتُه إليّ، فمات، فكان آخر كلمة قالها: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾. ومثله في كتاب الثبات عند الممات له (١٨١).
[ ١ / ٢٦ ]