تمهيد
إن علمًا كإبن الوزير -﵀- لم يستوف حقّه من الدراسة الواعية الشاملة لجوانب حياته وآثاره!! تلك الدراسة القائمة على السّبر والاستقصاء والتتبّع. هذا رغم مالهذا الإمام من أهمية عظمى في التغيّرات الفكرية والعقدية في اليمن، فإنه وقف بقوّة وصلابة أمام الامتداد الزّيدي المعتزليّ، ناقضًا لمبانيه، داحضًا لشبهاته ومباغيه.
وتكمن أهميّة دراسة هذه الشخصيّة في جانبين:
أولهما: في تلك الثروة العلمية التي خلّفها، حيث جمع بين العلوم النقلية، والعلوم العقلية -وقلّما يجتمعان-!!
أما العلوم النقليّة؛ فهذا الفنّ هو الذي أعجز الخصوم، إذ لا عناية بهم به، بل هم من أبعد الفرق عن الاعتناء بعلوم الحديث تدريسًا وتصنيفًا (١)، وقد اعترفوا له بذلك. فقد «حُكي عن السيد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد الأزرقي أنّه قال: لا يبلغ أحد في زماننا هذا من الاجتهاد ما بلغ إليه السيّد عز الدين محمد بن إبراهيم، وقد أحسنّا كل شيء إلا ما بلغ إليه، فلم نقدر عليه، لتمكّنه من معرفة
_________________
(١) انظر «الروض»: (ص/٦١، ١٧٥، ١٧٨) وهذا الجهل في عموم فرق الشيعة -والزيدية منهم- كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر «منهاج السنّة» (١/ ٥٩)، (٥/ ١٦٣)، (٦/ ٣٧٩)، (٧/ ٤١٣). «القواعد الحديثية من المنهاج»: (ص/٣٧، ٥٨) للمحقق.
[ المقدمة / ١٠ ]
الحديث ورجاله، وتبحّره في السمعيات» (١).
وهو كما قال، فقد وصفه بالحفظ جماعة من العلماء واعترفوا له بذلك؛ كالنفيس العلوي (شيخه)، والهادي الوزير، والصنعاني، والشوكاني. والناظر في كتبه (٢) يجده واسع الحفظ (٣)، غزير الإطلاع، فهو يسرد في المسألة الواحدة أزيد من مئتي حديث مستحضرًا لتراجم الرواة، وما قيل فيهم، وله اختيارات وترجيحات وعبارات تدلّ على تمكنه من هذا الفنّ، وله كلام على دقائق علوم الاصطلاح، والجرح والتعديل (٤)، وهو بكتب الحافظ الذهبي أشدّ عناية، بل يكاد يستظهرها خصوصًا «النبلاء» و«الميزان» (٥).
أما العلوم العقليّة (٦)؛ فقد بلغ منها الذروة العليا، بل هو جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب، «شهد له بذلك جميع أهل الزّمان، من الأقارب والأباعد، والمخالف له في الاعتقاد والمساعد» (٧).
ولا عجب -أيضًا-؛ لأن هذه الفنون هي التي أفنى فيها ابن
_________________
(١) «تاريخ بني الوزير» (ق/٣٦ب) نسخة المكتبة الغربية.
(٢) قال الشوكاني في «البدر الطالع»: (٢/ ٩٠) «ومن رام أن يعرف حاله ومقدار علمه (فعليه بمطالعة مصنفاته، فإنها شاهد عدل على علوّ طبقته، فإنه يسرد في المسألة الواحدة من الوجوه ما يبهر لبّ مطالعه ويعرّفه بقصر باعه» اهـ.
(٣) دلّلنا على كون المؤلف يكتب من حفظه، انظر المقدمة (ص/٨٤).
(٤) انظر الفهارس الموضوعية.
(٥) انظر موارد المؤلف.
(٦) كالأصول، والنحو، والمنطق وغيرها.
(٧) «تاريخ بني الوزير»: (ق/٣٥ب).
[ المقدمة / ١١ ]
الوزير عنفوان شبابه، وزهرة أيّامه، إلا أنه لم يقف منها موقف العاجز المسلّم، بل فحص وحقّق، وبحث ودقّق، حتى اتضحت له مناهج الصوب فسلكها، وانكشفت له سبل الباطل فزيّفها وردّها (١)، وذلك بعد رجوعه إلى الكتاب والسنة، فقد وجد فيهما الشّفاء كلّه: دقّه وجلّه.
قال ابن الوزير (٢) -﵀-: «فإني ما زلت مشغوفًا بدرك الحقائق، مشغولًا بطلب المعارف، مؤثرًا الطلب لملازمة الأكابر، ومطالعة الدفاتر، والبحث عن حقائق مذاهب المخالفين، والتفتيش عن تلخيص أعذار الغالطين، محسّنًا في ذلك للنيّة، متحريًّا فيه لطريق السويّة، متضرّعًا إلى الله تضرّع مضطر محتار، غريق في بحار الأنظار، طريح في مهاوي الأفكار، قد وهبت أيام شبابي ولذّاتي، وزمان اكتسابي ونشاطي، لكدورة علم الكلام والجدال، والنظر في مقالات أهل الضلال، حتى عرفت صحّة قول من قال:
لقد طفت في تلك المعالم كلها وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كفّ حائر على ذقن أو قارعًا سنّ نادم (٣)
وسبب (٤) إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك: أنّ أول ما
_________________
(١) انظر «ترجمة ابن الوزير»: (ق/٥ - ٦أ).
(٢) «العواصم»: (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٣) عارض الإمام الصنعاني هذين البيتين بقوله: لعلّك أهملت الطّواف بمعهد الرّ سول ومن والاه من كلّ عالم فمار حار من يهدي بهدي محمد ولست تراه قارعًا سنّ نادم
(٤) في «العواصم»: «وبسبب» وهو خطأ.
[ المقدمة / ١٢ ]