من علماء أهل البيت والشّيعة ادّعوا الإجماع على قبول أهل التّأويل كما سيأتي ذكره، وأنت جهلت ذلك؟.
وأقصى ما في الباب أنّك طلبت فلم تجد، فليس عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود، وأنّك وجدت في ذلك خلافًا فليس ذلك يمنع من ثبوت الإجماع عند كثير من أهل العلم، وذلك حيث يكون المخالف من أهل عصر، والمجمعون أهل عصر آخر، لا سيّما إذا كانوا متقدّمين والمخالف بعدهم، و(١) يكون المخالف شاذًّا نادرًا، [أو] يكون ممن لا يعتدّ بخلافه، [أو] (٢) ينعقد الإجماع على رأسه لأحد الأسباب المذكورة في كتب الأصول.
ومع هذه الاحتمالات؛ كيف يحسن ممّن يدّعي الذّكاء والمعرفة أن يعترض على من يدّعي (٣) الإجماع؟ والاعتراض على هذا الوجه المقتضي لتقبيح الخلاف لا يحسن إلا فيما أدلّته برهانيّة قطعيّة دون المسائل الخلافيّة الظّنيّة.
البحث العاشر: أنّك إمّا أن تقبّح [التّمسّك] (٤) بالإجماع السّكوتي وتحرّم الاحتجاج له أو لا، إن حرّمته وقبّحته لزمك تأثيم أكثر الأمّة والأئمّة فإنّهم يقولون بصحّة الاحتجاج به، فقد ذكره الإمام المنصور بالله في: «الصّفوة» وغيره من أئمة الشّيعة وعلمائهم،
_________________
(١) في (س): «أو».
(٢) في الموضعين: «و» في (أ). والمثبت من (ي) و(س).
(٣) في (س): «على مدّعي ذلك».
(٤) سقطت من (أ).
[ ١ / ١٤٩ ]
وكذلك سائر علماء الفرق (١)، وأكثر الإجماعات المدّعاة لا تكون إلا منه.
وإن كنت لا تنكر التّمسّك بالإجماع السّكوتي، ولا تحرّمه، فالظّاهر من [أقوال] (٢) أئمّة الزّيديّة من أهل البيت وشيعتهم؛ موافقة سائر العلماء من المحدّثين والفقهاء وأهل السّنّة على ما /ادّعوه من صحّة الصّحيح من حديث هذه الكتب، وإنّما قلنا: إنّ الظّاهر إجماعهم على ذلك، لأنّ الاحتجاج بما صحّحه أهل هذه الكتب ظاهر في كتبهم، شائع بين علمائهم من غير نكير، فقد روى عنهم الإمام أحمد بن سليمان (٣) في كتابه «أصول الأحكام» (٤) على وجه يوجب القول بصحّتها، فإنّه صنّف كتابه في أحاديث الأحكام، وصرّح في خطبته بالرّواية منها، ولم يميّز حديثها من حديث أهل البيت، فتأمّل ذلك.
وكذلك الإمام المنصور بالله في كثير من مصنّفاته، منها كتاب: «العقد الثمين» (٥)، ونصّ فيه على صحّة أسانيدها.
_________________
(١) في (س): «العراق»!.
(٢) في (أ): «قول».
(٣) أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر المتوكل على الله، أحد أئمة الزّيديّة ت (٥٦٦هـ). انظر: «الأعلام»: (١/ ١٣٢)، و«مصادر الفكر»: (ص/٥٨٨ - ٥٩١).
(٤) منه سبع نسخ خطية بالمكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء، متأخرة النسخ، أقدمها كتبت سنة (١٠٥٤هـ). انظر «الفهرس»: (ص/٥٠ - ٥٢).
(٥) «العقد الثمين في تبيين أحكام الأئمة الهادين ورد شبه الروافض الغالين» منه نسخة في (المتحف البريطاني). وأخرى بالجامع الكبير برقم (٦٦٢هـ).
[ ١ / ١٥٠ ]
وكذلك الأمير العلاّمة الحسين بن محمد (١) في كتابه «شفاء الأوام» (٢)
الذي لم يصنّف أحد من الزّيديّة في الحديث مثله، فإنّه صرّح فيه (٣) بالرّواية منها على سبيل الاحتجاج بحديثها، وكذلك صاحب «الكشّاف» فإنّه روى من «صحيح مسلم» وسمّاه: صحيحًا، وفي «تعليق اللّمع» الذي هو (٤) مدرس الزّيديّة أنّه يكفي المجتهد في معرفة الحديث: «الموطأ» أو «سنن أبي داود»، ذكره الفقيه علي بن يحيى الوشلي (٥) في تعليقه (٦)، وكذلك قال القاضي العلاّمة عبد الله بن
_________________
(١) الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى اليحيوي، من ذريّة الهادي، من علماء الزّيديّة ت (٦٦٢هـ). انظر: «الأعلام»: (٢/ ٢٥٥)، و«مصادر الفكر»: (ص/١٢٠).
(٢) «شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام» توفي المؤلف قبل تمام أبواب من منتصف الكتاب، تمّمه ابن اخته، وللكتاب عدة نسخ خطيّة في المكتبة الغربية بالجامع الكبير. وخرّج أحاديث الكتاب القاضي عبد العزيز الضمدي في مجلد كبير، منه نسخة بخط المؤلف اقتناها الزركلي: «الأعلام»: (٢/ ٢٥٥)، ومنه عدة نسخ في الجامع الكبير «مصادر الفكر»: (ص/٦١). وألّف العلاّمة الشوكاني حاشية على الكتاب سمّاها: «وبل الغمام على شفاء الأوام» طبعت في مجلدين، وكان الكتاب قد سجّل رسالة دكتوراه في جامعة الإمام بالرياض! ونوقشت.
(٣) «فيه» ليست في (س).
(٤) «هو» سقطت من (س).
(٥) علي بن يحيى بن حسن بن راشد الوشلي من فقهاء الزّيديّة ت (٧٧٧هـ) انظر: «مصادر الفكر»: (ص/٢٠٩).
(٦) وهو: تعليقه على «اللمع» منه نسخة في مكتبة الجامع (١٠٠٩ - فقه).
[ ١ / ١٥١ ]
حسن الدّوّاري (١) في تعليقه على «الخلاصة» (٢): إنه يكفي المجتهد «أصول الأحكام»، وأحد الكتب الصّحيحة المشهورة، وكذا قال علاّمة الشيعة: علي بن عبد الله بن أبي الخير (٣) في تعليقه على «الجوهرة» (٤): إنه يكفي المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشّرعيّة كـ «سنن أبي داود» وغيره.
فهذه كتب الزّيديّة المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على محقّقيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرّحوا فيها بما يقتضي صحّة «سنن أبي داود» وأمثالها من كتب السّنن، فكيف بصحيحيّ البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ولم ينكره منهم أحد، فكيف تنكر على مدّعي الإجماع على صحّة مسند حديث البخاري ومسلم، وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!.
_________________
(١) من أبرز علماء عصره في اليمن، كان عظيم الجاه، زاهدًا متقللًا من الدنيا، من شيوخ ابن الوزير، ت (٨٠٠هـ). «البدر الطالع»: (١/ ٣٨١)، و«مصادر الفكر»: (ص/٢١٣).
(٢) له على «الخلاصة» كتابان هما: «جوهرة الغواص في شرح خلاصة الّرصاص»، و«شريدة القناص على خلاصة الرّصاص»، انظر نسخهما في «مصادر الفكر»: (ص/١٢٨).
(٣) علي بن عبد الله بن أبي الخير الصائدي ت (٧٩٣هـ). انظر: «مصادر الفكر»: (ص/١٧٦، ٣١١).
(٤) «جوهرة الأصول وتذكرة الفحول» من أشهر كتب الأصول في اليمن، لأحمد بن محمد الرّصّاص ت (٦٥٦هـ)، منها عدة نسخ في الجامع الكبير باليمن. انظر: «مصادر الفكر»: (ص/١٧٣).
[ ١ / ١٥٢ ]