وقع كتاب «الروض الباسم» موقعه من علماء السنة، فأثنوا عليه واغتبطوا به، وكان بعكس ذلك على من غلظ حجابه عن الفضائل، ولم يرفع رأسًا لواضحات الدلائل؛ واتبع هواه فأضلّه الله!.
فممن أثنى على «الروض» الإمام العلاّمة المبدع شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري الشافعي (١) المتوفى (٨٣٧هـ) حيث كتب إلى مؤلفه ما يلي: «ولقد وقف المملوك على «الروض الباسم» فما هو إلا الحسام القاصم، ولقد وقع من القلوب موقع الماء من الصادي والنُّجح من الغادي، والراحة من المخمور، و[الصلة] من المهجور، ولقد نصرت الحديث على الكلام، والحلال على الحرام، وأوضحت الصراط المستقيم، وأشرت إلى النهج السليم، ولم تترك شبهة إلا فضحتها، ولا حجّة إلا أوضحتها، ولا زائغًا إلا قوّمته، ولا جاهلًا إلا علمته، ولا ركنًا للباطل إلا خفضته، ولا عقدًا لمبتدع إلا نقضته، ولقد صدقت الله في الرغبة إليه، ووهبت نفسك لله وتوكلت عليه، فالحمد لله الذي أقرّ عين السنة بمكانه، وأدالها على البدع وأهلها ببرهانه، ولقد أظهر من الحق ما ودّ كثير من الناس أن يكتمه، وأيّد دين الأمة الأمية بما علمه الله وألهمه، فعض على الجذل، وسيجعل الله بعد عسر يسرًا، وإنا لا ندري لعل الله يحدث بعد ذلك
_________________
(١) انظر ترجمته في «أنباء الغمر» (٨/ ٣٠٩)، و«الضوء الامع» (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٥)، و«البدر الطالع» (١/ ١٤٢ - ١٤٥).
[ المقدمة / ٧٠ ]
أمرًا، وإذا أراد الله أمرًا هيّأ أسبابه، وفتح لمن أراد الدخول بابه.
*إذا الله سنَّى حلَّ عقدٍ تيسرًا*
ومن وقف على ما أفحمت به ذلك المعتدي، [من الحق] الذي استحلبت (١) فيه بالإعجاز والتحدي؛ علم أن بينه وبين النفثات النبوية أنسابًا شريفة لا تحل عقودها، ولا تضاع حقوقها، ورحمًا بلّها ببلالها، وبادر إلى صلتها ووصالها، لقد أبقى نورًا في وجه الزمان، وسرورًا في قلوب أهل الإيمان، وقلّدت جيد السنة منة وأي منة، وأصبح شخصك ملموحًا بعيون البصائر، ودرّك ملتقطًا بأسماع الضمائر، والمنّة في ذلك للمصنف على عامة أهل الملّة وخاصَّة على أعيان هذه النحّلة، فحقّ على الكل أن يعرفوا حقّه إن كانت لهم أفهام تقدر قدره، وأن يستضيئوا بنوره إن كانت لهم أبصار تثبت للنور فجره.
وأرى لهم أن يكتبوا أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب
سمع الدعاء إلى الفلاح فوثب، وقلّب الله قلبه إلى الحق فانقلب؛ من غير ترهيب استفزه، ولا ترغيب هزه، ولا مناظرة غيّرته، ولا محاسدة اعترته، بل توفيق من الله إلهي، وإلهام سماوي، سهّل عليه مفارقة العادة وما نشأ عليه بدءًا وإعادة، وإن أمرًا هذا أوله؛ فعواقبه عن النجاح مسفرة، وقصدًا هذا مبتدؤه، فغوارسه مثمرة.
وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
ثم أجاب ابن الوزير على هذا التقريض بقوله:
_________________
(١) كذا، وفي نسخة: «استحلفتَ».
[ المقدمة / ٧١ ]
ومن عجب لم أقضه منه أنه توهَّمني في العلم سامي المراتب
أغرك أني قد ذكرت وإنما ذكرت لأني من جبال المغارب
وقد عدمت فيه البصائر والنهى فطِبْت بذكرى موت كل الأطايب
ولو عدمت وُرق الحمائم لم يكن بمستبعد تشبيهنا بالنواعب
وألبست تأليفي «العواصم» بالثنا جميلًا أطاب الشكر من آل طالب
وما فيه من حسن سوى أنه شجا روافض صحب المصطفى والنواصب
وما كان تأليفي له عن تضلّع من العلم يشفي الصدر من كل طالب
ولكنني والحمد لله منصف أذبّ بجهدي عن صحاح مذاهبي
فلا تتوهمني بعلم محققًا فإنك ما جربت كلّ التجارب
توهّمت يا ذا (١) بالتخيل حينما دجا الليل وامتدت ذيول الغياهبِ
رويدًا خليلي لا يغرك إنما رأيت التي تدعى بنار الحباحِبِ
وما كلّ نارٍ نار موسى لمهتد ولا كل برق في الثقال الهواضب
نصحتك لا أني تواضعت فانتفع بنصحي فما أرضى خِداعًا لصاحب
ولا زلت يا خير الأفاضل باقيًا رضيع لبان للعلا والمناقب (٢)
وأثنى عليه العلاّمة إسحاق بن يوسف بن المتوكل (٣)، فقال في آخر «الروض الباسم» من نسخته: «انتهى ما أردت من مطالعة هذا
_________________
(١) في نسخة «نارة»
(٢) هذا النقل برمته موجود في آخر نسخة (ي) من «الروض» بقلم الناسخ نفسه (ق/٨٨ب-٨٩أ).
(٣) ترجمته في «البدر الطالع» (١/ ١٣٥)، و«هجر العلم» (ص/١٤٢٦).
[ المقدمة / ٧٢ ]
السفر الجليل، الذي هو برؤ العليل وشفاء الغليل، فرحم الله مؤلفه رحمة واسعة، وحشره في زمرة حبيبه الشفيع » (١) اهـ.
وأثنى عليه الصنعاني في «فتح الخالق» (٢) فقال بعد أن ذكر رسالة المعترض-: «واحتاج الناظم -﵀- أن يشمّر ساعد الجد والاجتهاد، ويجلب الأدلة من الأغوار والأنجاد، وأتى بما لم يأت به الأوّلون، وبما يعجز عنه المتأخرون، وألف «العواصم والقواصم في الذّبّ عن سنة أبي القاسم» واختصره بكتابه «الروض الباسم».
فكأن رسالة شيخه إنّما أثارت كنوزًا من المعارف، وعمرت كعبة لكل طائف، من المحققين المصنّفين وعاكف» اهـ.
وأثنى عليه العلاّمة القنّوجي (١٣٠٧هـ) في «أبجد العلوم»: (١/ ٣٥٨)، فقال: «وللسيّد الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني -﵀- كتب ورسائل مستقلة في هذا الباب (أي في النهي عن الاشتغال بعلم الكلام، منها كتابه المسمّى بـ «الروض الباسم في الذبّ عن سنة أبي القاسم، فإن شئت الزيادة فعليك بها» اهـ.
وبالجملة؛ فكل ثناء قيل في «العواصم» فهو منطلق إلى «الروض» حري به، مع مافي «الروض» من فوائد ليست في أصله.
-أما من ردّ عليه من الزيدية:
١ - أحمد بن حسن بن يحيى القاسمي، في كتابه «العلم الواصم في الرد على هفوات الروض الباسم». ولا يدرى من أمر هذا الكتاب
_________________
(١) من آخر نسخة (ي) من «الروض».
(٢) (ق/١١١) نسخة الجرافي.
[ المقدمة / ٧٣ ]
شيء (١).
٢ - «العَضْب الصَّارم في الرد على صاحب الروض الباسم»، لمجهول، منه نسختان في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء (٢).
* * *
_________________
(١) «هجر العلم» (ص/١٢٠٤).
(٢) «مصادر الفكر الإسلامي في اليمن» (ص/١٣١).
[ المقدمة / ٧٤ ]