القدح تارة فيما نقل عنّي من الكلام، وتارة في كثير من قواعد العلماء الأعلام، وتارة في سنّة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، فرأيت ما يخصّني غير جدير بصرف العناية إليه، ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه، وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية، مثل قدحه في صحة الرّجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصّحابية، ونحو ذلك من القواعد الأصولية، فإني رأيت القدح فيها ليس أمرًا هينًا، والذّبّ عنها لازمًا متعينًا، فتعرّضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض القواعد الكبار، التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار، وجعلت الجواب متوسّطًا بين الإطناب والاختصار، وصدّني عن التّوسيع والتكثير، خشية التنفير والتأخير:
أمّا التنفير: فلأن التوسيع [يُمل] (١) الكاتب والمكتوب إليه، والمتطلع إلى رؤية الجواب والوقوف عليه، مع أنّ القليل يكفي المنصف، والكثير لا يكفي المتعسّف، وضوء البرق المنير، يدلّ على النّوء الغزير.
وأمّا التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيد عرائس الأفكار، حتّى تستكمل الزّينة، ومطالعة نفائس الأسفار، الحافلة بالآثار المتينة، والأنظار الرّصينة.
فهذا البحر وهو الزّخّار، يحتاج من السّحب إلى مَددٍ (٢)، والبدر
_________________
(١) في (الأصل): «على»، والتصويب من (ي) و(س).
(٢) كذا في الأصول. ثم كتب في هامشها: «إلى مدّ، كذا المحفوظ، وهو المناسب للسجع، وهو بمعنى المدد. أفاده العلامة محمد بن الحسين العمري» اهـ. وفي (س): «مدّ».
[ ١ / ١٥ ]
وهو النّوار، يفتقر من الشّمس إلى يد. ومن أين يتأتّى ذلك أو يتهيّأ لي، وأنا في بوادٍ خوالي، وجبالٍ عوالي! (١)
فحينًا بطودٍ تُمطر السُّحب دونه أَشمَّ مُنيفٍ بالغمامِ مُؤَزَّرُ
وحينًا بشعب بطنِ وادٍ كأَنه حَشا قلم تُمسي به الطيرُ تصفر
إذا التفتَ الساري به نحو قلةٍ توهّمها من طولها تتأخّر
أجاور في أرجائه البومَ والقَطا فَجيرتها للمرءِ أولي وأَجدرُ/
هنالك يصفو لي من العيش وِرده وإلاّ فورد العيش رَنق (٢) مكدَّر
فإِن يبست ثَمَّ المراعي وأَجدبت فَرَوْضُ العُلا والعلم والدّين أخضر
ولا عارَ أن ينجو كريمٌ بنفسه ولكنَّ عارًا عجْزُهُ حين يُنصر
فقد هاجَر المختار قبلي وصحبُه وفرّ إلى أَرض النَّجاشي جعفرُ
ولما أنشأت هذا الجواب من هذه الجبال العالية، والبوادي الخالية، قصر باعي، وضاقت رباعي، فتمصّصتُ من بَلَلِ ما عندي بَرَضا (٣)، وما أكفى ذلك وأرضى، إذا كان ذلك طيبًا محضًا!.
سامحًا بالقليل من غير عذر ربما أَقنع القليلُ وأرضى
ولكن هيهات لذلك! لا محيص لي عن أوفر نصيب من طَفِّ (٤)
_________________
(١) ذكر القاضي الأكوع في مقدمة «العواصم»: (١/ ٦٧) أن ابن الوزير قال هذه الأبيات لما كان في رأس قُلّة بني مِسْلم (جبل سَحَمَّر).
(٢) بالراء المهملة المفتوحة، ونون ساكنة.
(٣) أي: قليلًا. «القاموس»: (ص/٨٢١).
(٤) أي: محاولة ملأه. «الأساس»: (ص/٢٨١). وهذه الكلمة من الأضداد.
[ ١ / ١٦ ]
الصّاع، ولا بد لي من الانخداع بداعية الطّباع. وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن السنن النبوية والقواعد الدينية، وليس يضرّني وقوف أهل المعرفة على مالي من التّقصير، ومعرفتهم أنّ باعي في هذا الميدان قصير، لاعترافي بأني لست من نقّاد هذا الشأن، لا من فرسان هذا الميدان. لكني لم أجد من الأصحاب من تصدّى لجواب هذه الرسالة، لما يجرّ إليه [ذلك] (١) من سوء القالة، فتصديت لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، ومن عدم الماء تيمّم بالتراب، عالمًا بأني وإن (٢) كنت باري قوسها ونبالها، وعنترة فوارسِها ونِزالها، فلن يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الكدر عند النّقاد.
فالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو: كلام الله الحكيم، وكلام من شهد بعصمته القرآن الكريم. وكلّ كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقشر ولباب. ولو أنّ العلماء ﵃ تركوا الذّبّ عن الحقّ خوفًا من كلام الخلق: لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا.
وأكثر ما يخاف الخائض في ذلك أن يكل حسامه في معترك المناظرة وينبو، ويعثر جواده في مجال المحاجة ويكبو، فالأمر في ذلك قريب: إن أخطأ فمن الذي عُصم، وإن خُطىء فمن الذي ما وُصِم؟.
والقاصد لوجه الله تعالى لا يخاف أن يُنقد عليه خلل في كلامه،
_________________
(١) من (ي) و(س).
(٢) إشارة في هامش (الأصل) و(ي) إلى أنه في نسخة: «ولو».
[ ١ / ١٧ ]