قال المعترض: إنه يلزم قبول حديثهم، وقد قال الله تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤].
والجواب من وجوه:
الأوّل: من أين صحّ أنّها نزلت فيهم؟ وأنّها نزلت بعد إسلامهم؟ والطّريق إلى صحّة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذّرها كما في سائر الأخبار.
الثّاني: من أين صحّ فيهم (٢) أن نداءهم له - ﵇ - من وراء الحجرات كان بعد إسلامهم؟ وما المانع أن يكون قبله فيكون ذمّهم على فعل فعلوه قبل الإسلام، فلا يستحقّون الذّم بعد الإسلام، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله من الكفر والكبائر، كيف ما لا يعلم أنّه من ذلك؟ ونزول الآية بعد إسلامهم لا يصلح مانعًا في ذلك كما نزل بعد التّوبة على آدم - ﵇ - قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].
الثالث: أنّ قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ؟﴾ [الحجرات:٤] ليس على ظاهره، لوجهين:
أحدهما: أنّهم مكلّفون، وشرط التّكليف العقل.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص/٩٥).
(٢) «فيهم» ليست في (ي) و(س).
[ ١ / ١٢٥ ]
وثانيهما: أنّه ﷾ لا يذمّ ما لا يعقل كما لا يذمّ الأنعام لعدم العقل، إذ من لا عقل له لا ذنب له في عدم العقل، وإنّما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤]. ذمًّا للغافلين عن تدبّر الآيات، لا ذمًّا للأنعام السّائمات (١).
إذا ثبت ذلك فالمراد ذمّهم بالجفاوة، وعدم الفهم للعوائد الحميدة (٢)، وآداب أهل الحياء والمروءة، وهذا ليس من الجرح في شيء، فإنّ لطف الأخلاق، والكيس في الأمور، ليس من شروط الرّواية، لأنّ مبني الرّواية على ظنّ الصّدق، وأولئك الأعراب لا سيما ذلك الزّمان كانوا من أبعد النّاس عن الكذب والظّنّ لصدقهم قوي، لا سيّما في الحديث عن الرسول - ﷺ -، ولابدّ إن شاء الله تعالى من الإشارة إلى أنّ الكذب على الله ورسوله أبعد ما يجوز وقوع المسلم فيه من المعاصي في غالب الأحوال، إلا أعداء الله تعالى من الدّجالين الكذّابين خذلهم الله تعالى.
الوجه الرّابع: أنّ صدور مثل هذه القوارع على جهة التّأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى، أو من رسوله - ﷺ - لا يدلّ على فسقه وخروجه من ولاية الله تعالى، فقد نزل من الآيات القرآنية ما فيه تقريع لبعض الصّالحين، وتأديب لبعض الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: ﴿لَولاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَا
_________________
(١) في (س): «السائحات»!.
(٢) في (س): «الفوائد الحميدة»!.
[ ١ / ١٢٦ ]
أَخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]، وأنزل الله في الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وشدّد فيها على من والى أعداء الله تعالى، ولم يكن ذلك جرحًا في حاطب، فقد عذره رسول الله - ﷺ - ونهى عنه عمر - ﵁ -، وقال له: «إنّك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١).
وقد ثبت في «صحيح مسلم» (٢) مرفوعًا: أنّ حاطبًا يدخل الجنة - ﵁ -.
وقد نزل الوعيد في رفع الأصوات عند رسول الله - ﷺ -، فأشفق بعض أصحابه -﵃- من ذلك، وكان جهوري الصّوت (٣)، ولم يكن شيء من ذلك جرحًا في أحد من أولئك.
وقد أنزل الله تعالى سورة (عبس) في تأديب صفوته من خلقه - ﷺ - وأنزل في أوّل أنبيائه آدم - ﵇ -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].
_________________
(١) أخرجه البخاري (الفتح): (٦/ ١٦٦)، ومسلم برقم (٢٤٩٤) من حديث علي - ﵁ -.
(٢) رقم (٢٤٩٥)، من حديث جابر - ﵁ -. وقد وقع خطأ في ترقيم هذا الحديث في «صحيح مسلم» حيث وقع هكذا (٢١٩٥) والصواب ما أثبته.
(٣) هو ثابت بن قيس بن شمّاس، كما ثبت في «صحيح البخاري» (الفتح): (٨/ ٤٥٤). وممّن أشفق من ذلك أيضًا أبو بكر، وعمر، كما ثبت في البخاري (الفتح): (٨/ ٤٥٤).
[ ١ / ١٢٧ ]
وقال رسول الله - ﷺ - لأبي ذر -الذي ورد فيه أنّه: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة منه» (١) -: «إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة» /قاله - ﵇ - وقد سبّ امرأة، رواه البخاري (٢).
وقد روى عن علي أنّه قال لابن عبّاس -﵃- وقد راجعه في المتعة: «إنّك امرؤٌ تائه» (٣)، ولم يدلّ شيء من ذلك على الجرح، فكذلك الآية (٤).
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ: (٥/ ٦٢٨)، وابن ماجه: (١/ ٥٥)، والحاكم: (٣/ ٣٤٢)، وغيرهم، من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -. قال الترمذي: «هذا حديث حسن» اهـ. لكن فيه: «عثمان بن عمير أبو اليقظان الكوفي» ضعيف مدلّس، مختلط يغلو في التشيّع. وللحديث شاهد من حديث أبي الدرداء، أخرجه أحمد: (٥/ ١٩٧)، وابن سعد: (٤/ ٢٢٨)، والحاكم: (٣/ ٣٤٢). قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه» اهـ. وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» اهـ، ووافقه الذّهبي. لكن فيه مالك بن مرثد لم يخرج له مسلم، وعكرمة بن عمار في روايته اضطراب.
(٢) (الفتح): (١/ ١٠٦) من حديث أبي ذر - ﵁ - ومسلم برقم (١٦٦١).
(٣) أخرجه النّسائي: (٦/ ١٢٥)، من حديث علي - ﵁ - بسند صحيح.
(٤) أي: في وفد بني تميم.
[ ١ / ١٢٨ ]