قرع سمعي، ورسخ في طبعي: وجوب النّظر، والقول بأنّ من قلد في الاعتقاد فقد كفر، فاستغرقت في ذلك حدّة نظري، وباكورة عمري، وما زلت أرى كلّ فرقة من المتكلمين تداوي أقوالًا مريضة، وتقوّي أجنحة مهيضة، فلم أحصل على طائل، وتمثلت بقول القائل:
كلٌّ يداوي سقيمًا من مقالته فمن لنا بصحيح ما به سقم
فرجعت إلى كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ -، وقلت: لا بدّ أن يكون فيها براهين وردود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
فتدبّرت ذلك، فوجدت الشّفاء كلّه، دقّه وجلّه، وانشرح صدري، وصلح أمري، وزال ما كنت به مبتلى، وأنشدت متمثلًا:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى كما قرّ عينًا بالإياب المسافر» ا هـ.
وثانيهما: تلك المدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحي الذي اختطه ابن الوزير -﵀- في تلك المنطقة، متمثلًا ذلك المنهج في نخبة من العلماء، لهم مواقف مسطورة، على تفاوت بينهم؛ فمن مقلّ ومستكثر، ومنهم:
-القاضي محمد بن محمد بن داود النهمي، رفيق ابن الوزير في الطلب.
-الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن صلاح الجلال (١٠٨٤هـ).
-محمد بن علي بن قيس (١) (١٠٩٦هـ).
_________________
(١) وقد نسخ كتاب «العواصم»، وأوقف نسخة من «الروض الباسم»، انظر مخطوطات الكتاب.
[ المقدمة / ١٣ ]
-يحيى بن الحسين بن القاسم (١١٠٠هـ).
-صالح بن مهدي المقبلي (١١٠٨هـ).
-محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (١١٨٢هـ)، وهو وارث علوم ابن الوزير، وشارح كتبه (١).
-محمد بن علي الشوكاني (١٢٥٠هـ).
-محمد بن عبد الملك الآنسيّ (١٣١٦هـ).
-أحمد بن عبد الله الجنداري (١٣٣٧هـ).
-عبد الله بن محمد العيزري (١٣٦٤هـ).
-حسين بن أحمد بن قاسم الخوثي (١٣٨٦هـ).
«وإذا كان الإصلاح (الذي اختطه الرائد) يسير ببطء؛ فما هو المتسبّب، وإنما ذلك لطبيعة الزمان والمكان، وضعف المقتضيات، وقوة الموانع، وحسبه أن حرّك الخامد، وزعزع الجامد، وأجال اليد المصلحة» (٢)
ومن نافلة القول أن هذه الدراسات الوصفية لهذه المدارس
_________________
(١) فثناؤه على ابن الوزير منقطع النظير، وقد شرح عددًا من كتبه: - فشرح «تنقيح الأنظار» بـ «توضيح الأفكار». - وشرح الديوان المسمّى بـ «مجمع الحقائق والرقائق في ممادح ربّ الخلائق» بـ «فتح الخالق ». - وشرح عبارة لابن الوزير في «الروض» برسالة مستقلة وهي: «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد». - وله حاشية على «إيثار الحق» سمّاها: «الأنوار على كتاب الإيثار». - وله حواشٍ على «الروض» أثبتناها في أماكنها من هذه الطبعة.
(٢) من كلام الشيخ البشير الإبراهيمي بتصرف، انظر: «آثاره»: (٣/ ٥٥٠).
[ المقدمة / ١٤ ]
الفكرية، لن تؤتي أكلها، ولن تقوم على سوقها، إلا بدراسة مسبقة شاملة عن رائد تلك المدرسة، ولمّا يحصل ذلك -فيما أعلم-.
وبعد؛ فلم يحض ابن الوزير -﵀- بالترجمة لا من معاصريه، ولا من بعدهم. أما معاصريه؛ فلم يترجم له أحد منهم في كتبهم المشهورة كالمقريزي (٨٤٥هـ) في «درر العقود الفريدة»، فقد ترجم فيه لمعاصريه، ولا الحافظ ابن حجر (٨٥٢هـ) في «إنباء الغمر»، وهو على شرطه (١)، ولا العيني في «عقد الجمان»، ولا الفاسي (٨٣٢هـ) في «العقد الثمين» (٢)، ولا ابن تغري بردي (٨٧٤هـ) في «المنهل الصافي».
إلا ابن فهد (٨٧١هـ) فقد ترجمه ترجمة موجزة في «معجمه» نقل السخاوي في «الضوء اللامع»: (٦/ ٢٧٢) جلّ ما فيها.
ثم ترجم له السخاوي ترجمة موجزة في «الضوء» جلّها من «معجم ابن فهد»، وهذا يدل على عدم معرفته به، خاصّة أنه وهم فيها عدة أوهام!!.
ولذلك قال الشوكاني: «وكذلك السخاوي لو وقف على (العواصم والقواصم) لرأى فيها ما يملأ عينيه وقلبه، ولطال عنان قلمه في ترجمته، ولكن لعله بلغه الاسم دون المسمّى».
ثم قال: «ولا ريب أن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم في الزيدية مالا مقتضى له، إلا مجرد التقليد لمن
_________________
(١) وأورده عرضًا في ترجمة أخيه الهادي.
(٢) ووهم الشوكاني في «البدر»: (٢/ ٩٢) فادّعى أن الفاسي ترجم له!! ولا وجود لذلك.
[ المقدمة / ١٥ ]
لم يطلع على الأحوال، فإن في الديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عددًا يجاوز الوصف يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صح في الأمهات الحديثية ولا يرفعون إلى التقليد رأسًا، لا يشوبون دينهم بشيءٍ من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها، بل هم على نمط السلف الصالح » (١) ا هـ.
أما أهل بلده؛ فقد انتصبوا لعداوته، والطعن فيه، والترسّل عليه، لا لشيء!! إلا لأنه «ذبّ عن السنة ودفع عن أعراض أكابر العلماء وأفاضل الأمة، وناضل أهل البدع، ونشر علم الحديث، وسائر العلوم الشرعية في أرض لم يألف أهلها ذلك، لا سيما في تلك الأيام» (٢).
وكان قائد تلك الحملة: شيخه جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم (٨٣٧هـ) وهو المردود عليه في هذا الكتاب -كما سيأتي مشروحًا-.
قلت: بل بُلي بمن يطعن فيه من أهل بيته (٣)!! ويقول: إنه ممن أضله الله على علم!! وهذا كما قيل:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهنّد (٤).
ومن أبشع ما وقفت عليه في الكلام على المؤلف -﵀-
_________________
(١) «البدر»: (٢/ ٨٣).
(٢) قال الشوكاني: (٢/ ٩٢).
(٣) انظر «هِجَر العلم»: (١/ ١٩٤ - ١٩٥).
(٤) البيت لطرفة بن العبد «ديوانه»: (ص/١١٣) ضمن معلقته.
[ المقدمة / ١٦ ]
والتعصب عليه، مافاه به يحيى بن شمس الدين بن أحمد بن يحيى المرتضى (٩٦٥هـ)، فقد ساق القاضي الأكوع في «هجر العلم» (١) نقلًا عن هذا الرجل كلامًا شنيعًا مُقذعًا في حق الإمام ابن الوزير -﵀-.
والشأن ما قاله الشوكاني: «إن هذه قاعدة مطردة في كلّ عالم يتبحّر في المعارف العلمية، ويفوق أهل عصره، ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بدّ أن يستنكره المقصّرون، ويقع له معهم محنة بعد محنة، ثمّ يكون أمره الأعلى، وقوله الأوْلى، ويصير له بتك الزلازل لسان صدقٍ في الآخرين، ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره » (٢) اهـ.
أمّا من ترجم له من أهل بلده فهم:
١ - تلميذه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير (٨٩٧هـ) في ترجمة مستقلة، وهي التي نشرتها هنا في مقدمة هذا الكتاب.
٢ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الوزير (٩٨٥هـ). في «تاريخ بني الوزير» (ق/٣٥ب-٤١ب).
٣ - أحمد بن صالح بن محمد بن علي بن أبي الرجال (١٠٩٢هـ) في «مطلع البدور ومجمع البحور» (مخطوط).
٤ - يحيى بن الحسين بن القاسم (١١٠٠هـ) في «طبقات الزيدية الصغرى» (مخطوط).
٥ - إبراهيم بن القاسم بن المؤيد (١١٥٣هـ) في «طبقات الزيدية الكبرى» (مخطوط).
_________________
(١) (٣/ ١٣٢١ - ١٣٢٥).
(٢) «البدر الطالع»: (١/ ٦٥)، ونحوه في «الفضل المبين» / (ص/٣٢٨) لجمال الدين القاسمي.
[ المقدمة / ١٧ ]
٦ - الوجيه العطّاب في «تاريخه» (١).
٧ - الشوكاني (١٢٥٠هـ) في «البدر الطالع» (٢/ ٨١ - ٩٣). وقال: إن ترجمته تحتمل مجلدًا.
وقد ترجم له ترجمة هائلة، ونعته بعبارات ضخمة، لم يطلقها ولا مثلها على أحد ممن ترجم له في كتابه أجمع.
وغير هؤلاء
أما المحدثين؛ فقد قدّم حوله عدد من الدراسات العلمية هي:
- «ابن الوزير اليمني ومنهجه الكلامي» لرزق الحجر، طبع سنة (١٤٠٤هـ).
- «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير، دراسة وتحقيق، الجزء الأول، لأحمد مصطفى حسين صالح، رسالة ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود عام (١٤٠٣هـ)، وطبعت سنة (١٤٠٥هـ).
-الجزء الثاني من «الإيثار»، رسالة ماجستير بالجامعة نفسها، لمحمد بن زيد العسكر، عام (١٤٠٨هـ)، ولمّا تطبع.
- «ابن الوزير وآراؤه الاعتقادية»، رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، لعلي بن علي الحربي سنة (١٤٠٦هـ)، وطبعت سنة (١٤١٧هـ) في مجلدين.
- «منهج ابن الوزير في الحديث» رسالة دكتوراه، بالمغرب، لأخي العزيز محمد بن عبد الله باجعمان، ولمّا تناقش بعد.
-كما أفرده أحمد العليمي بباب كامل في رسالته للماجستير
_________________
(١) نقل منه صاحب ترجمة ابن الوزير، وصاحب تاريخ آل الوزير والشوكاني.
[ المقدمة / ١٨ ]
«الصنعاني وكتابه توضيح الأفكار»: (ص/١٠٩ - ١٣٨)، لم يقدم فيها جديدًا!!.
-الإمام ابن الوزير وكتابه العواصم، للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع.
ولمّا لم أرد تكرار الجهد، واجترار المعلومات؛ رأيت أن أسهم هنا بنشر «ترجمة ابن الوزير» لحفيد أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي (٨٩٧هـ).
وهذه ترجمته: من كتاب «هجر العلم ومعاقله في اليمن»: (١/ ٤٥٠ - ٤٥١).
هو: «محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزير (١). عالم مبرز في كثير من العلوم، نسّابة شاعر أديب، وكان له خط جميل.
وقرأ على عمّ أبيه الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير. طُلب منه أن يدعو إلى نفسه بالإمامة فوافق في بداية الأمر، ثم أعرض عنها. ذكره البريهي في تاريخه المطوّل، فقال: «إنه التزم بمذهب الزيدية، وكان وزيرًا للإمام الناصر، ثم عزله، وقال: إنه أطلع على قصيدة للفقيه إبراهيم الإخفافي ينتقد فيها مذهب الزيدية، مطلعها:
مذهبكم يا أيها الزيدية مذهب حق جاء للعدلية
قال: ذلك تهكمًا، فأجاب عليه محمد بن عبد الله الوزير بقوله:
قصيدة فريدة دريّة رائعة في الوزن والرويّة
وهي (٩٢) بيتًا تعرّض فيها للمذهب الشافعي، فردّ عليه
_________________
(١) وانظر: «الضوء»: (٨/ ١٢٠)، و«ملحق البدر الطالع»: (ص/٢٠٢).
[ المقدمة / ١٩ ]