كثير من رواتهم الذين هم من أعراب، أو يفدون عليه مرة واحدة كما جاء في حديث وفد تميم (١) وأنزل الله تعالى فيه: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤]، وكحديث وفد عبد القيس (٢).
أقول: اشتمل كلامه في هذا الوجه على مسائل:
المسألة الأولى: القدح على المحدّثين بقبول المجهول من الصّحابة -﵃-، وقولهم: [إنّ] (٣) الجميع عدول بتعديل الله، والجواب عليه من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الذّاهب إلى هذا المذهب لا يستحق الإنكار؛ لأنّ هذا المذهب إن لم يكن هو الحق دون غيره؛ فلا أقلّ من أن يكون غير محرّم ولا منكر، لأنّه لا دليل قاطع على تحريمه، ومن ادّعى شيئًا من ذلك فليدلّ عليه.
والعجب من المعترض أنه خصّ المحدثين بهذا المذهب، وهو مذهب أكثر أهل الإسلام من المحدّثين والفقهاء وغيرهم، بل هو مرويّ عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو مذهب مشهور مستفيض حتّى
_________________
(١) انظر: «سيرة ابن هشام»: (٤/ ٥٦٠)، و«تفسير ابن جرير» (١١/ ٣٨٢)، و«أسباب النزول» (ص/٤٤٧) للواحدي، وابن مردويه كما في «الدر المنثور»: (٦/ ٩٠).
(٢) أخرجه البخاري (الفتح): (١/ ١٥٧)، ومسلم برقم (١٧) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) في (أ) و(ي): «إنهم»، والمثبت من (س).
[ ١ / ٩٥ ]
في مذهب المعتزلة والزّيدية.
أمّا المعتزلة: فرواه ابن الحاجب عنهم الجميع، لفظه: «قالت المعتزلة: الصحابة (١) عدول إلا من حارب عليًّا». وذكروه أيضًا في كتبهم، فممن ذكره منهم: عالمهم وإمامهم بغير منازعة: الشّيخ أبو الحسن البصريّ في «المعتمد» (٢) فإنه قال فيه ما لفظه: «واعلم أنّه إذا ثبت اعتبار العدالة وغيرها من الشّروط التي ذكرناها، وجب إن كان لها ظاهر أن يعتمد، وإلا لزم اختبارها، ولا شبهة أن في بعض الأزمان كزمن النّبي - ﷺ - قد كانت العدالة منوطة بالإسلام، فكان الظاهر من المسلم كونه عدلًا، ولهذا اقتصر النّبيّ - ﷺ - في قبول خبر الأعرابي عن رؤية الهلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت (٣) الصّحابة على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب».
وقال الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي في: «شرح العيون» له ما لفظه: «إن أحوال المسلمين كانت أيّام رسول الله - ﷺ - معلومة، وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها (٤»).
وأمّا الزّيدية: فقد ثبت عن كثير منهم ما يدل على ذلك كما سنذكره، من ذلك قول الإمام الكبير المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن
_________________
(١) «الصحابة» سقطت من (س)!.
(٢) (٢/ ٦٢٠).
(٣) في (أ) و(ي) و(س): «واقتصر» والمثبت من (ت)، و«العواصم»: (١/ ٣٧٥)، و«المعتمد».
(٤) في (س): «اختبارها».
[ ١ / ٩٦ ]
سليمان - ﵁ -، فإنّه قال في: «الرسالة الإمامية، في الجواب على المسائل التّهامية» (١) ما لفظه: «فأمّا ما ذكره المتكلّم حاكيًا عنّا من تضعيف آراء الصحابة، فعندنا أنّهم أشرف قدرًا، وأعلى أمرًا، وأرفع ذكرًا من أن تكون آراؤهم ضعيفة، أو موازينهم في الشّرف والدّين خفيفة. فلو كان ذلك، لما اتّبعوا رسول الله - ﷺ -، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب و[القرباء] (٢) إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس، ولم يسمع له /ذكر، شاقّ على القلوب، ثقيل على النّفوس فهم خير النّاس على عهد رسول الله - ﷺ - وبعده، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام خيرًا» إلى قوله: «فهذا مذهبنا لم نخرجه غلطة، ولم نكتم سواه تقيّة. وكيف وموجبها زائل! ومن هو دوننا مكانة وقدرة يسبّ ويلعن، ويذمّ ويطعن، ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منّا إلى علي - ﵇ -» إلى قوله: «وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسبّ الصّحابة -﵃- والبراءة منهم فتبرّأ من رسول الله - ﷺ - من حيث لا يعلم.
إذا كنت لا أَرمِي وتُرمي كِنانتي تُصب جانحات النّبل كشحِي ومِنكبِي
انتهى ما أردنا نقله من كلام المنصور بالله، وما فيه من نسبة مذهبه هذا إلى جميع آبائه -﵃-.
_________________
(١) أجاب فيها عن مسائل وردت من الفقيه محمد بن أسعد الواقدي الصليحي، منها نسخ في المتحف البريطاني برقم (٣٨٢٨). انظر: «مصادر الفكر»: (ص/٥٩٦).
(٢) في (أ): «القرنا»، والمثبت من (ي) و(س).
[ ١ / ٩٧ ]
وفي كلامات المؤيد بالله يحيى بن حمزة - ﵁ - في الذّبّ عن الصّحابة والثّناء عليهم، ما هو أكثر من هذا، ولكن لم يحضرني تأليفه فأنقل ألفاظه في ذلك، وقد أفرد الكلام في ذلك وجوّده في كتابه «التحقيق» (١) وانتصر للذّبّ عن الصّحابة غاية الانتصار، وذكر مثل ذلك في كتابيه: «الشامل» (٢) و«الانتصار» (٣).
وأمّا المنصور بالله فله في ذلك كلامات مختلفة، في أماكن من كتبه متفرقة. من ذلك كلامه في كتاب «هداية المسترشدين»، واحتجاجه بتأمير النّبي - ﷺ - لعتّاب بن أسيد ثاني يوم من إسلامه واكتفاؤه في أمره بمجرّد الإسلام.
وفي «الاستيعاب» (٤) وغيره أنّه أسلم يوم الفتح، وولاّه النّبي - ﷺ - حين خرج إلى حنين.
وفي الاحتجاج على العدالة بالولاية نظر، لكن المنصور بالله
_________________
(١) «التحقيق في أدلّة الإكفار والتفسيق» منه نسختان إحداهما في مكتبة الأستاذ حسين السياغي، والأخرى بمكتبة الجامع «الكتب المصادرة». «مصادر الفكر»: (ص/٦١٨).
(٢) «الشامل لحقائق الأدلة وأصول المسائل الدنيوية» له نسختان بمكتبة الجامع. انظر: «مصادر الفكر»: (ص/٦٢٠).
(٣) «الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة، وأقاويل علماء الأمة في المباحث الفقهية والمضطربات الشرعية» كبير، منه أجزاء متفرقة في مكتبة الجامع. «مصادر الفكر»: (ص/٦١٧). وللمؤيد بالله رسائل مفردة في الذّبّ عن الصحابة -﵃-.
(٤) (٣/ ١٥٣) «بهامش الإصابة».
[ ١ / ٩٨ ]
ذكر أنّه ولاه على القضاء فيما حكى لي بعض أهل العلم. فعلى الجملة؛ فغرضنا حاصل بكلام المنصور، فإنّ القصد الاستشهاد به على ذهاب المنصور بالله إلى عدالة مجهول الصّحابة، وفي هذا الاحتجاج ما يؤخذ له منه عدالة الصّحابة كلّهم -﵃- على أنّه قد ثبت في كلام غير واحد من الزّيديّة: أنّه يقبل المجهول من جميع المسلمين؛ الصّحابة وغيرهم. كما قدّمنا ذلك من كلام عبد الله بن زيد، والمنصور بالله، وأبي طالب، فخذه من مكانه المقدّم (١). وذلك أيضًا مشهور عن الحنفية وغيرهم. فمع هذا ما سبب إنكار هذا المعترض على المحدّثين، وتخصيصهم بردّ هذا المذهب من بين سائر طوائف المسلمين؟ وهل هذا إلا محض الجهل أو التّجاهل، وصريح التّعنّت والتّحامل؟ والله المستعان.
الوجه الثاني: أنّ الشّيخ أبا الحسن روى في «المعتمد» (٢) عن الصّحابة أنّهم اقتصروا على إسلام من كان يروي الأخبار من الأعراب، وهذا يفيد إجماع الصّحابة على ذلك. والمعترض يعتقد عدالة الصّحابة، وقبول خبره، وقد كان الرّجل -على ما ذهب إليه، من أهل الدّيانة والأمانة، يعترف له بذلك أهل المعرفة بعلم الرّجال من المحدّثين كما ذكره الذّهبي (٣)، وإنّما الذي قدحوا به عليه كونه كان رأسًا في الاعتزال داعية إلى القول به، وذلك كثير في الرّواة الثقات
_________________
(١) (ص/٥٦).
(٢) (٢/ ٦٢٠).
(٣) حيث قال في «الميزان»: (٥/ ١٠١): «وله تصانيف، وشهرة بالذكاء والديانة على بدعته» اهـ.
[ ١ / ٩٩ ]
المتفق على إخراج حديثهم في «الصّحيحين»، وغيرهما كقتادة وغيره. وإذا ثبت ذلك؛ فكيف ينكر المعترض على المحدّثين، مذهبًا قد روى الثّقة عنده أنّه قول الصّحابة، بل الذي روى أوسع من مذهب المحدّثين فإنّهم اقتصروا على قبول من رأى النّبيّ - ﷺ -، وأبو الحسين روى قبول الصّحابة لمن أسلم من الأعراب من غير تقييد لذلك برؤية النّبيّ - ﷺ -.
وقال النّواويّ/ - ﵁ -: إنه قول من يعتبر به من الأمّة أو كما قال، ذكره في «شرح مسلم» (١) وهذه العبارة تفيد دعوى الإجماع. وقد روى الحفّاظ من فرسان علم الأثر ما يدلّ على كلام الشّيخ أبي الحسين.
فمن ذلك: ما روى معمر البصريّ عن أبي العوّام البصري قال: كتب عمر إلى موسى -وساق كتابه الطّويل في القضاء- وفيه من كلام عمر - ﵁ -: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادات، إلا مجلودًا في حدّ، أو مجرّبًا عليه شهادة الزّور، أو ظنينًا في ولاءٍ أو دية (٢). فإن الله تعالى تولّى من العباد السّرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان» وساق بقيّة كتابه، رواه البيهقي هكذا، ثم قال: «وهذا [كتاب] (٣) معروف مشهور» (٤).
_________________
(١) (١٥/ ١٤٩).
(٢) في جميع المصادر: «أو قرابة» بدلًا من «دية».
(٣) من (ي) و(س)، و«معرفة السنن والآثار».
(٤) «معرفة السنن والآثار»: (٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وبقية كلامه: «لا بدّ للقضاة من معرفته، والعمل به» اهـ. وأخرجه أيضًا في «السنن الكبرى»: (١٠/ ١٥٠). وقال شيخ الإسلام عن هذا الكتاب: «ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه، وأصول الفقه ..» اهـ. «منهاج السنة»: (٦/ ٧١). وقال ابن قيم الجوزية في «إعلام الموقعين»: (١/ ٨٦): «وهذا كتاب جليل، تلقّاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمّله، والتّفقه فيه» اهـ. وأفرط ابن حزم فادّعى أنّ هذه الرسالة مكذوبة على عمر كما في «المحلّى»: (١/ ٥٩)، وانظر ردّ الشيخ أحمد شاكر عليه في حاشية الصفحة نفسها.
[ ١ / ١٠٠ ]
وفيه ما يدلّ على مذهب المحدّثين، وأنّ مذهبهم هذا مشهور في السّلف والخلف.
وفي حديث شقيق [ابن سلمة] (١) عن كتاب عمر - ﵁ -: «لا تفطروا حتّى يشهد رجلان مسلمان [أنّهما] (٢) أهلاّه بالأمس» رواه الدّارقطنيّ (٣) والبيهقي، قال: «وهو أثر صحيح» (٤) ذكره ابن النّحويّ في «البدر المنير» و«الخلاصة» (٥) (٦).
_________________
(١) من (ي) و(س).
(٢) سقطت من (أ).
(٣) «السّنن»: (٢/ ١٦٨)، قال ابن كثير في «الإرشاد»: (١/ ٢٧٨): «بإسناد صحيح» اهـ.
(٤) «السّنن الكبرى»: (٤/ ٢٤٨).
(٥) (١/ ٣٣٢).
(٦) في هامش (ي): «وأخرجه الإمام المرشد بالله في أماليه».
[ ١ / ١٠١ ]
ومن ذلك أثر عليّ - ﵁ - وفيه: أنه كان يستحلف بعض الرّواة [إذا اتّهمه] (١)، فإن حلف صدّقه. وقد روى ذلك عنه من الزّيديّة الإمام المنصور محتجًّا به، وكذلك رواه الإمام أبو طالب وهو -أيضًا- معروف عند حفّاظ الحديث، رواه أبو عبد الله الذّهبي في «تذكرة الحفّاظ» (٢) وقال: «وهو حديث حسن» (٣).
وهو يدلّ على مثل مذهب المحدّثين، لأنّ التّهمة والتّحليف لا يكون للمخبورين المأمونين. وإنما يكون لمن يجهل حاله فيقوى الظّنّ بيمينه.
فإن قيل: هذا يدلّ على خلاف مذهب المحدّثين، لأنّ المفهوم منه: أنّه لو لم يحلف له الرّاوي ما قبله.
والجواب: أنّ ذلك عير صحيح لوجهين:
أحدهما: أنّ المحدّثين إنما يقولون بذلك في الصّحابة الذين رأوا رسول الله - ﷺ -، وليس يعلم أنّ هذا منهم لجواز أن يكون من الأعراب.
وثانيهما: أنّهم لا يقولون: [إنه] (٤) لا يجوز الوهم على الصّحابي، إنّما قالوا: إنه ثقة، والوهم جائز على الثّقة، وعليّ - رضي
_________________
(١) من (ي) و(س).
(٢) (١/ ١١).
(٣) في هامش (ي): و[أخرجه] الإمام المتوكل أحمد بن سليمان في «الحقائق»، والحسين بن القاسم في «الغاية» و«شرحها».
(٤) من (ي) و(س).
[ ١ / ١٠٢ ]
الله عنه - لم يتّهم الرّاوي بتعمّد الكذب؛ لأنّه لو اتّهمه بذلك لاتّهمه بالفجور باليمين، ولم يصدّقه إذا حلف، وإنّما اتّهمه بالتّساهل في الرّواية بالظّنّ الغالب، فمع يمينه قوي ظنّه بأنّه متقن لما رواه حفظًا. ومع امتناعه من اليمين يعرف أنّه غير متقن ولا مستيقن، فتكون هذه علّة في قبول حديثه.
ولا شكّ أنّ حديث الثّقة قد يكون معلولًا بأمر يوجب الوقف، ولهذا توقّف النبي - ﷺ - في قبول حديث ذي اليدين (١) حتّى سأل، وتوقّف عمر - ﵁ - في قبول حديث فاطمة بنت قيس (٢)، وذلك مقرّر في مواضعه من الأصول.
الوجه الثالث: أنّ الأدلّة قد دلّت على ما ذهب إليه أهل الحديث، وغيرهم من قبول الصّحابة -﵃- المعروف منهم بالعدالة والمجهول حاله. والأدلّة على ذلك من الكتاب، والسنّة، والنّظر كثيرة، نذكر طرفًا يسيرًا [منها] (٣):
أما الكتاب؛ فمثل قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وأمّا السّنّة؛ ففي ذلك آثار كثيرة، نذكر منها نبذة يسيرة:
الأثر الأول: ما روى ابن عمر عن أبيه -﵄-: أنّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (الفتح): (١/ ٦٧٤)، ومسلم برقم: (٥٧٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٤٨٠).
(٣) من (ي) و(س).
[ ١ / ١٠٣ ]