النّووي في «شرح مسلم» (١) أنّه قد أجاب عن ذلك، أو عن أكثره في شرحه، على أنّ الأمر قريب في ذلك الخلاف، وهو ينحصر في نوعين:
النّوع الأوّل: تعليل بعض أحاديثهما، ومثاله: أن يرفع الحديث بعض الثّقات ويقفه الباقون، أو يسنده ويرسلوه، ونحو ذلك من العلل، وهذا النّوع مما اختلف في القدح به، وأكثر علماء الأصول على أنّه لا يقدح في صحّة الحديث ولا في الرّاوي، وأكثر المحدّثين على القدح به في الحديث إذا غلب على الظّنّ وقوع الوهم فيه، وفي الرّاوي إذا أكثر من ذلك، ومذهب المعتزلة والزّيديّة: أنّه لا يقدح بهذا النّوع في الحديث ولا في الرّاوي.
ومثال ما وقع في البخاري منه: ما أخرجه البخاري (٢) عن الشّعبيّ عن جابر مرفوعًا: «لا تنكح المرأة على عمّتها» هذا حديث رواته ثقات، لكن له علّة وهي: أنّ المشهور عن الشّعبيّ أنّه رواه عن أبي هريرة لا عن جابر، وقد خرّجه البخاريّ كذلك أيضًا، لكنّه رأى أنّه لا مانع من كون الشّعبيّ يرويه عن جابر وأبي هريرة [معًا] (٣) فرواه [عنه] (٤) عنهما.
_________________
(١) (١/ ٢٧).
(٢) مع (الفتح): (٩/ ٦٤)، وانظر ما أجاب به الحافظ عن هذا الاعتراض: (٩/ ٦٥)
(٣) زيادة من (ي) و(س).
(٤) من (س)، وإثباتها هو الأنسب ومعنى الكلام: فروى البخاري الحديث عن الشعبي عن ابي هريرة وجابر -﵄-.
[ ١ / ١٦٠ ]
والمحدّثون يرون أنّه لو كان يحفظه عنهما معًا لرواه كذلك لتلامذته وطلبة العلم منه، ولمن يقبل ذلك أن يقول: يحتمل أنّه ذكر تلك الطّريق الثّانية بعد نسيان، أو استفادها بعد جهل، أو تذكّرها بسبب سؤال عنها، أو ذكرها بحسب الدّاعي إلى ذكرها أو نحو ذلك، فمع هذه التّجويزات لا يحسن طرح مثل ذلك، فإن ترجّح طرحه لأحد؛ فلا وجه للاعتراض على من قبله، فبان لك أنّ الأمر في مثل هذا قريب النظر إلى الحديث في نفسه، وكذلك النّظر إلى راوي الحديث؛ لأنّه إنّما يدلّ على أنّ الثّقة وهم في روايته، والوهم جائز على الثّقات، /ولايقدح بمطلقه إجماعًا، بل ادّعى عبد الله بن زيد العنسي الإجماع على قبول حفظه أكثر من وهمه، ذكره في «الدّرر المنظومة»، وذلك هو المشهور في كتب الأصول، ولكن لم يصرّحوا بدعوى الإجماع عليه.
وأمّا إذا استوى وهمه وحفظه؛ فاختلفوا: فالمشهور ردّ حديثه ببطلان رجحان صدقه، ومنهم من قال: لا يجوز ردّ حديثه لأنّ الأدلّة الموجبة لقبوله تعمّ هذه الصّورة، واستواء حفظه ووهمه لا ينتهض مخصّصًا مانعًا من العمل بالعام مسقطًا للتّكليف بقبوله، وممّن اختار هذا من الزّيديّة: عبد الله بن زيد في «الدّرر»، والإمام المنصور بالله في «الصّفوة» وإنّما أجمع العلماء على ردّ حديث من (١) وهمه أكثر من إصابته.
وأمّا المحدّثون: فهم أكثر النّاس تشديدًا في القدح بالوهم؛
_________________
(١) «من» سقطت من (س).
[ ١ / ١٦١ ]
لأنّهم يقدحون به متى كثر، وإن لم يكن أكثر من الصّواب، ولهذا تجد كثيرًا من أئمة الجرح والتّعديل يتردّدون في الرّاوي فيوثّقونه مرّة ويضعّفونه أخرى، وذلك لأنّ دخول وهمه حيّز الكثرة مما لا يوزن بميزان معلوم، وإنّما يُظنّ (١) ويرجح فيه التّحرّي والاجتهاد، فصار النّظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظّنيّة، فلذا يكون لابن معين في الرّاوي قولان: التّوثيق والتّضعيف ونحو ذلك.
ومنهم من يغلو و(٢) يقدح بالوهم وإن لم يكثر، وإنّما يقدح بهذا من قلّ فقهه وبصره بمعنى العدالة، والاحتراز عن الوهم غير ممكن، والعصمة مرتفعة عن العدول، بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التّبليغ، فقد وهم رسول الله - ﷺ - أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال، فقال له ذو اليدين: «أقصرت الصّلاة أم سهوت (٣) يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم يكن» (٤) الحديث، وهذا وهم، وبناء على ما اعتقده - ﷺ -، والحديث في «الصّحيح»، وقال - ﷺ -: «رحم الله فلانًا لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها» رواه [مسلم] (٥)، وفي «الصّحيح» (٦) عن عائشة -رضي
_________________
(١) في (س): «ينظر».
(٢) في (س): «أو»!.
(٣) في (س): «نسيت».
(٤) تقدّم تخريجه (ص/١٠٣).
(٥) بياض في (أ) و(ي)، والمثبت من (س)، والحديث في مسلم برقم (٧٨٨) من حديث عائشة -﵂-.
(٦) البخاري (الفتح): (٣/ ١٨١)، ومسلم برقم (٩٣٢) من حديث ابن عمر - ﵁ -.
[ ١ / ١٦٢ ]
الله عنها- أنّها قالت في حق ابن عمر: «ماكذب ولكنّه وهم». وقد صحّ عن عمر - ﵁ - أنّه نسي حديث التّيمّم الذي رواه عمّار (١) ولم يذكره بالتّذكير مع أنّه مما لا ينسى [مثله] (٢)، ونسي أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] حتّى ذكّره ذلك أبو بكر - ﵁ - حين خطب بعد موت رسول الله - ﷺ - (٣).
بل نصّ القرآن على جواز النّسيان على أهل رتبة النّبوّة الذين هم أعلى طبقات البشر، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيِّ/ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢].
أي: إذا تلا ألقى الشّيطان في تلاوته على سبيل السّهو، ثمّ ينسخ الله ذلك، يعرّف الله (٤) الأنبياء والرّسل به، حتّى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في التّبليغ. وقال ﷾ في حقّ آدم - ﵇ -: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، ولو أردنا أن نستقصي ما ورد في هذا الباب لطال الكلام، والمقصود بهذا أن القدح على رواة الصّحاح بالتّهمة لهم (٥) بالوهم النّادر مما لا يقتضي جرحهم، ولا يقدح في حديثهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (الفتح): (١/ ٥٢٨)، ومسلم برقم (٣٦٨)، من حديث عمار - ﵁ -.
(٢) من (ي) و(س).
(٣) أخرجه البخاري (الفتح): (٣/ ١٣٦).
(٤) سقطت من (س).
(٥) في (أ) و(ي): «في».
[ ١ / ١٦٣ ]