فكيف ينكر على من قبله مع مثل هذه القرائن الكثيرة؟ وإذا كان المعتبر (١) في باب الرّواية هو الظّنّ المطلق كما يأتي تحقيقه عند كثير من أهل العلم، فكيف ينكر على من استند إلى مثل هذا الظّنّ القوي؟
/فإن قيل: إنّ أهل الحفظ والثقة قد يسندون عن معمَّرين (٢) لا يعرفون الحديث، ولا يضبطونه؛ فكان هذا قدحًا في رواية الحديث (٣) عنهم.
قلنا: أهل الحديث لا يعتمدون على أولئك المعمّرين في جواز الرّواية والعمل بالحديث، بل يعتمدون على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السّماع لهم، وإنّما احتاجوا إلى أولئك لأجل علوّ السّند، ذكر معنى ذلك الذّهبي في خطبة «الميزان» (٤) وقال: «إنّه مبسوط في علوم الحديث»، وقال: «من المعلوم أنّه لابدّ من صون الرّاوي وستره».
وذكر ذلك كلّه زين الدّين في كتابه في «علوم الحديث» (٥) والله أعلم.
الوجه السّابع: أنّ أقصى ما في الباب أن يروي المحدث عن المجاهيل من المسلمين والمجاهيل من العلماء، فقد قال
_________________
(١) في (ي) و(س): «المعتمد».
(٢) في (ي): «مغمورين»، وهو كذلك في نسخة كما في هامش (أ).
(٣) في (س): «الثقات».
(٤) (١/ ٤).
(٥) «شرح الألفية للعراقي»: (ص/١٧٠).
[ ١ / ٣٦ ]
بذلك (١) من أهل العلم المجمع على فضلهم ونبلهم من لا يحصى، فقد ذهب أئمة الحنفيّة إلى قبول المجهول من أهل الإسلام، وذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة والزّيدية، وهو أحد قولي المنصور بالله: ذكر ما يقتضي ذلك في كتابه: «هداية المسترشدين»، وهو الذي ذكره عالم الزّيدية ومصنّفهم وعابدهم وثقتهم عبد الله بن زيد العنسي (٢)، ذكره في «الدّرر المنظومة» (٣) بعبارة محتملة للرّواية عن مذهب الزّيدية كلّهم، وهو الذي أشار إلى ترجيحه أبو طالب في كتاب: «جوامع الأدلة» (٤) وتوقّف فيه في كتاب: «المجزي» وذكر أنّه محل نظر، وحكاه المنصور في «الصّفوة» عن الشّافعي.
فكيف تنكر أيّها الزّيدي ما ذهب إليه جلّة من أئمة الزّيدية ومحقّقيهم؟ ّ! على أنّ المحدث غنيّ عن النزول إلى هذا الحدّ في الترخّص، وأكثر ما يحتاج إليه في بعض الأحوال: الرّواية عن المجهول مطلقًا، وقول ابن عبد البرّ، وابن الموّاق (٥) معهم، فقد وافقوهما على
_________________
(١) في (ي) و(س): «بكل ذلك».
(٢) عبد الله بن زيد بن أحمد بن ابي الخير العني، له عدة مصنفات ت (٦٦٧هـ). «مصادر الفكر الإسلامي في اليمن»: (ص/١٢٠ - ١٢١).
(٣) في أصول الفقه.
(٤) مخطوط ذكره الزركلي باسم «جوامع النصوص». «الأعلام»: (٨/ ١٤١).
(٥) وهو: محمد بن يحيى بن أبي بكر، أبو عبد الله المرّاكشي، إمام في الحديث، من تلاميذ ابن القطان الفاسي، وله مصنفات منها: «المآخذ الحفال السّامية ..» في انتقاد كتاب شيخه «بيان الوهم والإيهام» لم يكمل ت (٦٤٢هـ). انظر: «الإعلام بمن حلّ مرّاكش وأغمات من الأعلام»: (٤/ ٢٣٢).
[ ١ / ٣٧ ]