ويلحق بهذا تنبيهات (١) حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله، لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة، لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جوابًا مقنعًا، وجدلًا قامعًا، أو خطابًا خطابيًّا، أو تنبيهًا أدبيًا.
التنبيه الأوّل: المراجعة في أنّ طلب الحديث متيسّر أو متعسّر من الأساليب المبتدعة والأمور المتعسّفة؛ لأنّ مقادير التّسهّل والتّعسّر غير منضبطة بحدّ، ولا واقفة على مقدار، ولا جارية على قياس، ولا يصحّ في [معرفة] (٢) مقاديرها برهان العقل، ولا نصّ الشّرع ولا تعرف مقاديرها بكيل ولا وزن ولا مساحة ولا خرص، فإنّ من قال: إن طلب الحديث أو أنّ حفظ القرآن أو الفقه متيسّر عليه أو متعسّر، لم يُعقد له مجلس المناظرة كما يُعقد للمخالفين في العقائد، لأنّ الذي ادّعاه أمر ممكن وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وطلب العلم متسهّل على ذكي القلب، صادق الرّغبة، خليّ البال من الأشغال، واجد الكتب المفيدة، والشّيوخ المبرّزين، والكفاية فيما يحتاج إليه، ونحو ذلك، وطلب العلم متعسّر على من فقد هذه الأمور كلّها، وبينهما في التسهّل والتّعسّر درجات غير
_________________
(١) في هامش (أ) و(ي) ما نصّه: «هذه التنبيهات الآتية نبذة يسيرة من إحدى وعشرين تنبيهًا، وسردها المؤلّف -﵀- في «العواصم»، فيها فوائد ونفائس لا توجد في غيرها، وقدمها في «العواصم» لا كما هنا. تمت من خط القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي -﵀-».
(٢) من (ي) و(س).
[ ١ / ٧٨ ]
منحصرة ومراتب غير منضبطة، وبين النّاس من التّفاوت ما لا يمكن ضبطه ولا يتهيّأ، وأين الثّريّا من الثّرى؟
وجامد الطّبع بليد الذّهن، إذا سمع [من] (١) يدّعي سهولة ارتجال القصائد والخطب، وتحبير الرّسائل والكتب؛ توهّم أنّه بمنزلة من يدّعي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وكذلك الجبان الفشل إذا سمع [من] يدّعي سهولة مقارعة الأقران ومنازلة الشّجعان.
وكم عاصر أئمة العلم والنّحاة والنّظّار وحفّاظ الحديث من طالب للعلم مجتهد في تحصيله؛ فلم يبلغ مبلغهم ولا قارب شأوهم، وإنّما تميّز عن الأقران أفراد من الخلق، وخواصّ منحهم الله الفهم والفطنة وآتاهم الفقه والحكمة، وقد وقع التّفاضل بين الصّحابة -﵃-: فكان علي - ﵁ - أقضاهم، ومعاذ أفقههم، وأبيّ أقرأهم، وأبو هريرة أحفظهم، والخلفاء أفضلهم، وزيد أفرضهم (٢)، بل قد فاضل الله تعالى بين الأنبياء -﵈- قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]، فهذا تفضيل في الفهم بين داود وسليمان - ﵉- مع الاشتراك في النّبوّة، والتّقارب ما بين الأبوّة والبنوّة، وكذلك قد فاضل الله بينهم فيما هو دون هذه المرتبة، وذلك في البيان والفصاحة
_________________
(١) في (أ) و(ي): «ممن»، والمثبت من (س).
(٢) انظر رسالة مستقلة في تخريج حديث: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر » لمشهور حسن.
[ ١ / ٧٩ ]
وضوح العبارة، مثل ما نصّ الله عليه من إيتاء داود فصل الخطاب (١)، ومثل قوله تعالى في الحكاية لقول موسى في أخيه -﵉-: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص:٣٤].
وعموم (٢) التّفاوت الذي يدور عليه، وميزانه الذي يعتبر به في أغلب الأحوال هو: التّفاوت في صحّة الفهم، وصفاء الذّهن، واعتدال المزاج، وسلامة الذّوق، ورجحان العقل، واستعمال الإنصاف، فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف، ومباني الفضائل، ولأجلها يكون الرّجل غنيًّا من غير مال، وعزيزًا من غير عشيرة، ومهيبًا من غير سلطان، إلى غير ذلك من الصّفات الحميدة والنُّعون الجميلة، ومن ههنا حصل التّفاوت الزائد، حتّى عدّ ألف بواحد، ومما أنشدو في ذلك:
ولم أر أمثال الرِّجال تفاوتًا لدى المجدِ حتّى عدّ ألف بواحد
وقال ابن دريد (٣) في المعنى:
والنّاس ألفٌ مِنهم كواحدِ وواحد كالألفِ إن أَمرٌ عنى
وأنشدوا في المعنى:
يا بني البُعد في الطّباع [لا] (٤) مع القُربِ في الصّور
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ﴾ [ص:٢٠].
(٢) كذا في الأصول، وفي (س): «وعمود».
(٣) وهو: محمد بن الحسن بن دريد أبو بكر. ت (٣٢١هـ). ترجمته في «إنباه الرواة»: (٣/ ٩٢ - ١٠٠)، و«بغية الوعاة»: (١/ ٧٦ - ٨١). والبيت في «ديوانه»: (ص/١٣٢)، ضمن «المقصورة».
(٤) من (س).
[ ١ / ٨٠ ]
وفي الأخبار: «النّاس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة» (١).
وفي الأمثال العربيّة: «المرء بأصغريه» (٢).
بل في الحديث الصّحيح عن رسول الله - ﷺ -: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (٣).
وليس كلّ من حفظ الحديث كان كالبخاري، ولا كلّ من تفقّه في الدّين كان مثل الشّافعي، ولا كلّ من قرأ النّحو والمعاني صنّف مثل «الكشّاف»، ولا كلّ من درس الأصول والجدل ركب بحر الدّقائق الرّجّاف/.
وما كلّ دارٍ أقفرت دار عَزَّةٍ (٤) ولا كلّ بيضاء التّرائب زينب
_________________
(١) أخرجه البخاري (الفتح): (١١/ ٣٤١)، ومسلم برقم (٢٥٤٧)، من حديث ابن عمر -﵄- بلفظ مقارب. وذُكر على أنه مثل كما في «مجمع الأمثال»: (٣/ ٣٨٤).
(٢) انظر: «مجمع الأمثال» (٣/ ٣٠١).
(٣) الحديث أخرجه أحمد: (٥/ ١٨٣)، وأبو داود: (٤/ ٦٨)، والترمذي: (٥/ ٣٣)، وابن حبّان «الإحسان»: (١/ ٢٧٠)، وغيرهم، من طرق عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان -وهو ابن عثمان بن عفان- عن أبيه، عن زيد بن ثابت به. وهذ سند صحيح. وقد جاء الحديث من رواية جماعة من الصّحابة، منهم: جبير بن مطعم، وابن مسعود، ومعاذ، وأنس -﵃- بألفاظ متقاربة.
(٤) في (س): «دار البلى»، وكانت هكذا في (أ) و(ي) ثم ضرب عليها، وكتب ما هو مثبت.
[ ١ / ٨١ ]