ذكره النّوويّ في «شرح مسلم»، ومنها ما لم يذكره، ثمّ اختصرتها لأنّها لا [تتعلّق] (١) بنقض كلام المعترض.
قال: والذي يذهب إليه علماؤنا ويجري على أصولهم أنّ في أخبار هذه الكتب: الصّحيح، والمعلول، والمردود، والمقبول.
أقول: الجواب: أنّ حديث هذه الكتب منقسم إلى أقسام:
أحدها: ما بيّنوا أنّه صحيح، وأجمعوا على صحّته، وهذا القسم العمل بمقتضاه واجب بلا خلاف بينهم، وإنّما اختلفوا في أنّه هل يفيد العلم القاطع، أو الظّنّ الرّاجح على ما مضى؟ ومن نازع في الإجماع فلمدّعي الإجماع أن يبحث عليه بأحد تلك الوجوه المتقدّمة، وهذا القسم هو أرفع أقسام الصّحيح السّبعة على ما بيّنه العلماء في كتب «علوم الحديث» (٢).
القسم الثّاني: ما اختلفوا في صحّته من أحاديث هذه الكتب، فيرجع فيه إلى كتب الجرح والتعديل، ثمّ يوزن عند التّعارض بميزان التّرجيح.
القسم الثّالث: ما نصّ (٣) علماء الحديث -أو أحدهم- على ضعفه، ولم يعارضهم من يقول بصحّته، فهذا لا يؤخذ به في الأحكام
_________________
(١) في (أ): «تعلق».
(٢) انظر: «علوم الحديث»: (ص/١٦٩ - ١٧٠)، و«التقييد والإيضاح»: (ص/٢٨)، و«فتح المغيث»: (١/ ٤٨ - ٥٠)، و«تدريب الراوي»: (١/ ١٣١ - ١٣٢).
(٣) في (أ) و(ي): «ما نص عليه»، والمثبت من (س).
[ ١ / ١٥٥ ]
ويؤخذ به في الفضائل، فلا يخلو المعترض إمّا أن يريد أنّ المردود والمعلول في القسمين الأخيرين؛ فذلك مسلّم ولا خلاف فيه، أو يريد أنّه في القسم الأوّل؛ فذلك ممنوع، لأنّ المخالف إمّا أن يقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد، أو لا:
إن لم يقرّ بذلك فليس ينبغي أن يراجع في هذا المقام، لأنّه فرع لذلك الأصل، ومن جحد الأصل لم يراجع في الفرع.
وإن أقرّ بورود التّعبّد بأخبار الآحاد والعمل فيها بأقوى الظّنون /فلا يخلو: إمّا أن يقرّ أنّ أهل كلّ فنّ أعرف به، وأنّ المرجع في كلّ فنّ إلى أهله أو لا؛ إن لم يعترف بذلك؛ فهو معاند غير مستحق للمناظرة؛ لأنّ المعلوم من الفرق الإسلامية على اختلاف طبقاتها: الاحتجاج في كلّ فنّ بكلام أهله، ولو لم يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم، لأنّ غير أهل الفنّ إمّا ألا يتكلموا فيه بشيء البتّة أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي، ألا ترى أنّك لو رجعت في تفسير غريب القرآن والسّنّة إلى القرّاء، وفي القراءات إلى أهل اللّغة، وهي المعاني والبيان والنّحو إلى أهل الحديث، وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى المتكلمين، وأمثال ذلك لبطلت العلوم، وانطمست منها المعالم والرّسوم، وعكسنا المعقول، وخالفنا ما عليه أهل الإسلام.
وإن اعترف المعترض بالحقّ، وأقرّ أنّ كلام أهل كلّ فنّ مقدّم في فنّهم على غيرهم، معتمد فيه على تحقيقهم، فلا شكّ أنّه قد اشتهر عند كل منصف ما لأهل الحديث من العناية التّامّة في معرفته، والبحث عن علله ورجاله وطرقه، والاختلاف الكثير الواقع بينهم كثير منه،
[ ١ / ١٥٦ ]
الدّال على عدم تقليد بعضهم في الحديث لبعض، وعدم المتابعة لمجرّد (١) العصبيّة، بحيث لو كانوا في القلّة في حدّ يمكن تواطؤهم على التّعصّب؛ لوجب ترجيح كلامهم، وقبول قولهم في فنّهم، كيف وهم من الكثرة في حدّ لا يمكن معه تواطؤهم على ذلك؛ لاختلاف أزمانهم وبلدانهم وأغراضهم وأديانهم! ومع ذلك فقد اشتهر عن أئمتهم القول بصحّة مسند «صحيحي البخاري ومسلم»، وادّعى غير واحد من ثقاتهم انعقاد الإجماع على ذلك؛ وخبر الثّقة في رواية الإجماع واجب القبول، كما هو المنصور المصحّح في موضعه من كتب الأصول (٢).
وعلى تسليم أنّه ليس بمقبول (٣)، وأنّ ذلك الإجماع غير صحيح؛ فلا أقلّ من أن يكون ما ادّعي الإجماع على صحّته قول جماهير نقاد علم الحديث، وأئمة فرسان علم الأثر، وهذا من أعظم وجوه التّراجيح، بل أئمة علماء الأصول، والغوّاص على الدقائق والحقائق من أهل علوم المعقول، يقضون بوجوب التّرجيح بأخفّ أمارة، وأخفى دلالة تثير أقلّ الظّنّ، وتثمر يسير القوّة، فكيف بما نقّحه، وصحّحه (٤) إمام الحفّاظ الثّقات، والنّقّاد الأثبات: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجّاج النّيسابوريّ، وانتقياه من ألوف أحاديث صحاح، مع تواتر إمامتهما وأمانتهما ونقدهما ومعرفتهما،
_________________
(١) في (س): «مجرّد»!.
(٢) انظر: «الإحكام»: (١/ ٢١٢) للآمدي، «شرح الكوكب»: (٢/ ٢٢٤).
(٣) في (س): «بمنقول»!.
(٤) في (س): «ووضّحه»!.
[ ١ / ١٥٧ ]