قبول مجهول العلماء لأنه من جملة المجاهيل، لكنّهما خالفاهم في قبول من عدا هذا الجنس، ولهما من الحجج على ما اختاراه ما يمكن الرّكون إليه والاعتماد عليه، لولا عدم الحاجة إلى ذلك، ومحبّة الاحتياط بسلوك أوضح المسالك، وقد ذكرت في «الأصل» (١) لهما حججًا في ذلك، وطوّلت الكلام عليها، وأنا أذكرها في هذا «المختصر» وأحذف من التّطويل فأقول:
يمكن أن يحتج لهما بحجج قرآنية، وأثريّة، ونظرية:
أما القرآنية: فقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]، فإطلاق هذا الأمر القرآني يدلّ وجوب سؤال العلماء إلا ما خصّه الإجماع وهو: الفاسق المتعمّد؛ وهذا نادر في العلماء، وإن اتّفق ذلك من أحد منهم فهو معروف غير معتمد، وإنّما يصدر منهم من المعاصي ما لم يجمع على [الجرح] (٢) به كما سيأتي/ قريبًا.
وأما الأثريّة؛ فقد ورد في ذلك آثار:
الأثر الأول: النّبي - ﷺ -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله (٣»). روي مرفوعًا مسندًا من طريق أبي هريرة، وعلي بن أبي
_________________
(١) «العواصم والقواصم»: (١/ ٣٠٨ - ٣٢٦).
(٢) في (أ): «على المجروح»!، وفي (س): «على الخروج»!، والتصويب في (ي).
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل»: (١/ ١٤٧)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى»: (١٠/ ٢٠٩)، من طريق الوليد بن مسلم عن إبراهيم العُذري عن الثقة من أشياخه عن النبي - ﷺ -. وأخرجه العقيلي في «الضعفاء»: (٤/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: (٢/ ١٧)، وابن حبان في «الثقات»: (٤/ ١٠)، وابن عدي: (١/ ١٤٦)، من طرق عن مُعان بن رفاعة عن إبراهيم العذري عن النبي - ﷺ - مرسلًا. فالطريق الأول: فيه إبراهيم العذري، وهو مجهول، قال الذهبي في «الميزان»: (١/ ٤٥): «لا يدرى من هو»، وفيه -أيضًا- التعديل على الإبهام، وهو لا يقبل من الثقة! فكيف يقبل ممن لا يدرى من هو؟!. والطريق الثاني: قال الذهبي في «الميزان»: (١/ ٤٥) -لما ذكر هذا الحديث-: «رواه غير واحد عن معان بن رفاعة عنه، ومعان ليس بعمدة، ولا سيما أتى بواحد لا يدرى من هو!. وفيه -أيضًا- الإرسال. والكلام على الحديث طويل الذّيل، وقد جاء من رواية جماعة من الصحابة منهم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي أمامة الباهلي، ومعاذ، وأبي هريرة -﵃- وجميع طرقه لا تخلو من مقال! والراجح ضعفه على قواعد المحدّثين، والله أعلم. فكلام المصنّف -﵀- على الحديث فيه بعض التسمّح، مع تقرير أشياء غير مقبولة، ثمّ البناء عليها، مع عدم قبول الأصل المبني عليه، فليتنبّه!.
[ ١ / ٣٨ ]
طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة.
واختلفوا في صحة إسناده وإرساله؛ فأسنده العقيلي (١) عن أبي هريرة، وابن عمرو بن العاص وقال: الإسناد أولى، وضعّف إسناده
_________________
(١) «الضعفاء»: (١/ ٩ - ١٠).
[ ١ / ٣٩ ]
زين الدّين ابن العراقي (١)، وقال ابن القطّان (٢): الإرسال أولى. وتوقّف في ذلك الحافظ ابن النّحوي الشّافعي المصري. وقال ابن عدي (٣): «رواه الثّقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا] (٤) الثّقة من أصحابنا أنّ رسول الله - ﷺ - قال » وساقه. قال الذّهبي (٥): «رواه غير واحد من معان يعني ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري التّابعي».
فالقوي صحّة الحديث كما ذهب إلى ذلك: إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل، والعلاّمة الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ، روى تصحيحه عن أحمد بن حنبل غير واحد وابن النّحوي في «البدر المنير» (٦) والزّين ابن العراقي في «التبصرة» (٧) وقال: «ذكر الخلال في «كتاب العلل» أنّ أحمد سئل عنه فقيل له: كأنّه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح، فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد».
قلت: الظّاهر صحته أو حسنه، فإنّما علّل بالإرسال، والاختلاف في معان.
_________________
(١) «التقيد والإيضاح»: (ص/١١٦).
(٢) في «بيان الوهم والإيهام»: (٣/ ٤٠).
(٣) «الكامل»: (١/ ١٤٧)، ونقله المؤلف هنا بمعناه.
(٤) «ثنا» سقطت من (أ) و(ي) و(س)، والاستدراك من «الكامل» و«العواصم»: (١/ ٣١٠).
(٥) «الميزان»: (١/ ٤٥).
(٦) (١/ ٢١٥).
(٧) (ص/١٤٣)، و«التقييد»: (ص/١٣٩).
[ ١ / ٤٠ ]
أمّا الإرسال: فقد ارتفع بقول ابن عديّ: إنّ الثّقات رووه عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا] (١) الثقة مع شهادة تلك الطرق المقدّمة لإسناده، وإن كان زين الدّين ضعّفها؛ فالضعيف يستشهد به، وقد تكثر الطّرق الضّعيفة فيقوى المتن على حسب ذلك الضّعف في القلّة والكثرة، كما يعرف ذلك من عرف كلام أهل [هذا] (٢) العلم في مراتب التّجريح والتّعديل.
وأمّا مُعان؛ فقد قال أحمد: «لا بأس به» (٣) ووثّقه ابن المديني، لكن ليّنه ابن معين (٤) والتّليين لا يقتضي ردّ الحديث، بل يسقطه من مرتبة الصّحة، ويجوز أن يكون حسنًا لا سيمّا وهو من قبيل الجرح المطلق، وهو مردود مع التوثيق الرّاجح، وموقوف فيه مع انفراده.
وهذا الجرح المطلق معارض بما هو أرجح منه، وهو كلام أحمد وابن المديني فإنّهما أرجح من ابن معين لأجل العدد، وإن كان مثلنا أقلّ من أن يرجح بينهم في المعرفة بالحديث، فأمّا التّرجيح بالعدد فهو ظاهر، على أنه لم يصرّح (٥) بما يعارض كلاميهما.
فقد يقال فيمن يجب قبوله: «فيه لين»، وقد تطلق هذه العبارة في بعض رجال الصّحيح، وإنّما فائدتها: ترجيح من لم يقل فيه ذلك
_________________
(١) سقطت من الأصول.
(٢) من (ي) و(س).
(٣) «بحر الدم»: (ص/٤٠٧).
(٤) «تهذيب التهذيب»: (١٠/ ٢٠١).
(٥) أي: ابن معين، من هامش الأصل.
[ ١ / ٤١ ]
على [من] (١) قيل فيه عند التعارض، كيف وقد وردت شواهد لحديث مُعان! فقد قال ابن عدي: «رواه الثقات عن إبراهيم بن عبد الرحمن» فالثّقات جمع أقلّه ثلاثة، وقد رواه أحمد بن حنبل عن غير واحد، منهم مسكين، إلا أنّه وهم في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن، فقال: القاسم بن عبد الرحمن.
هذا كلّه من غير اعتبار/ الطّرق المسندة التي اوردها ابن العراقي في «التّبصرة» (٢).
وأمّا إبراهيم بن عبد الرحمن؛ فقد قال ابن الأثير في «أسد الغابة»: (٣) إنّه من الصّحابة، وقد قيل: إنّه ليس بصحابيّ.
لكن المثبت أولى من النّافي، والزّيادة من العدل مقبولة إذا لم تكن معلولة، وقال جماعة: تقبل وإن كانت معلولة ولم تضعّف، بل قد قال الذّهبي (٤) «ما علمته واهيًا»، وحديثه مقبول عند طوائف من العلماء.
أما المحدّثون؛ فلأنّ إمامهم أحمد بن حنبل يقبله، ولأنّ له قاعدة في تصحيح الأخبار معروفة (٥) عندهم، ولا يظن بمثله أنّه يقضي
_________________
(١) في (أ): «ما»، والتصويب من (ي) و(س).
(٢) (ص/١٤٣ - ١٤٤).
(٣) (١/ ٥٢/٥٣).
(٤) «الميزان»: (١/ ٤٥).
(٥) كان في (أ) و(ي): «مردودة» ثم أصلحت إلى «معروفة» ورمز لها بـ «ظ». ثم شرح في هامش (ي) قوله: «مردودة»: «مراد بقوله: «مردودة» أنه اشترط امورًا غير ما قاله الأكثر، فينظر، لأنّ اللفظ في نسخة [] من جملة اشتراطه: عدم ذكر حديث من الواقفيّة» اهـ.
[ ١ / ٤٢ ]
بصحّته قبل تمهُّد قاعدةِ الصحّة، وكذلك ابن عبد البر، وقد روى عنه غير واحد من الثّقات فخرج عن مطلق الجهالة، ولأنّه قد قال فيه الثقة: إنه صحابي.
وأما الحنفيّة؛ فإنهم يقبلون المجهول، كيف إذا كان تابعيًّا! كيف إذا قيل: إنه صحابيّ!.
وأمّا المالكيّة؛ فإنّهم يقبلون المرسل.
وامّا الشّافعيّة فإنّهم يقبلون بعض المراسيل، وإذا جمعت طرق هذا كلّه وجدته أقرب إلى القبول على قواعدهم.
فهذه الوجوه مع تصحيح أحمد، وابن عبد البر، وترجيح العقيلي لإسناده (١) مع سعة اطّلاعهم، وإمامتهم: تقضي بجواز التّمسّك به.
وأمّا ما اعترض به زين الدّين على هذا الحديث من جهة المعنى، فإنه ضعيف.
فإنه قال: «لو كان خبرًا لما وجد في حملة العلم من ليس بعدل، فوجب حمله على الأمر به» (٢).
والجواب: أنّ هذا غير لازم؛ لأنه يجوز تخصيص الأخبار كما يجوز تخصيص الأوامر، وذلك مستفيض في القرآن والسّنة، ومنه:
_________________
(١) إلا أن العقيلي قال في ترجمة (معان) (٤/ ٢٥٦): «وقد رواه قوم مرفوعًا من جهة لا تثبت» اهـ.
(٢) «التقييد والإيضاح»: (ص/١١٥).
[ ١ / ٤٣ ]
﴿وَأُوتِيَت مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ [النمل:٢٣]، وقد قال الله تعالى في أهل عصر النبي - ﷺ -: ﴿كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠].
مع صحة ارتداد جماعة منهم، كما ذكره أئمة الحديث في تأويل قوله ﵊: «فأقول سحقًا لمن بدّل بعدي» (١)، فلم يوجب ذلك تأويل الآية على الأمر (٢)، وسلب الصّحابة ﵃ هذه الفضيلة العظمى.
والوجه في ذلك أنّ التخصيص كثير في الشّريعة واللّغة، حتّى قال بعضهم: إنّ كلّ عموم في القرآن مخصوص إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شِيءٍ عَلِيمٍ﴾ [الأنعام:١٠١] وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ﴾ [المائدة:١٢٠].
وحتّى قال بعض الأصوليين: إنّ ألفاظ العموم مشتركة بينه وبين الخصوص، بخلاف ورود الخبر بمعنى الأمر فإنّه ليس في هذه المرتبة (٣)، وما كان أكثر وقوعًا كان أرجح.
وأمّا قوله: إنّ ذلك قد جاء في بعض طرق [ابن] أبي حاتم (٤)، فمردود بضعفه وإعلاله لمخالفة جميع الرّواة الثّقات وغير الثّقات (٥).
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (مع الفتح): (١١/ ٤٧٢)، ومسلم برقم (٢٢٩١) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٢) أي: في قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍِ﴾
(٣) أي: في الكثرة.
(٤) في (أ) و(ي): «طرق أبي حاتم»، والتصويب من «التقييد والإيضاح»: (ص/١١٥).
(٥) وانظر جواب المؤلّف في كتابه «تنقيح الأنظار»: (ق/٤٧أ).
[ ١ / ٤٤ ]
الأثر الثاني: قوله - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين» (١)، رواه جماعة من الصّحابة عن النبي - ﷺ -، وهو صحيح صحّحه محمد بن إسماعيل البخاري، / وأبو عيسى الترمذي (٢) وغيرهما، وهو دليل على أن الله قد أراد الخير لأهل الفقه، ولا معنى لتخصيصهم بذلك إلا لوقوع ما أراده بهم، أمّا عند أهل السنة فظاهر، وأمّا عند المعتزلة فلتخصيصهم بالذّكر، وأمّا الزّيدية فقد احتجوا بمثله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].وهذا الأثر يخصّ من فقه في دينه دون غيره من أهل العلم، والكلام فيمن يطلق عليه ذلك يتعلق بشروح الحديث.
الأثر الثالث: ما ورد في «الصّحيح» (٣) من قصّة الرّجل الذي قتل تسعة وتسعين، وسأل عن أعبد أهل الأرض، فدلّ عليه، [فسأله] (٤) فأفتاه ألاّ توبة له فقتله، ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض، فدلّ عليه، فسأله فأفتاه بأن توبته مقبولة، وفيه: بأنّه من أهل الخير.
فحكى رسول الله - ﷺ - قصّته، ولم يحك فيها أنّه بعد معرفة علم
_________________
(١) جاء من رواية جماعة من الصحابة. وأخرجه البخاري (الفتح): (١/ ١٩٧)، ومسلم برقم (١٠٣٧) من حديث معاوية - ﵁ -.
(٢) «الجامع»: (٥/ ٢٨).
(٣) أخرجه البخاري (الفتح): (٦/ ٥٩١)، ومسلم برقم (٢٧٦٦)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
(٤) من (ي) و(س).
[ ١ / ٤٥ ]
الرّجل سأل عن عدالته، وقد اعتمد هذا الرّجل على فتواه فيما يتعلق بالتّوبة من أحكام تلك الشّريعة من الدّية وسقوط القود، وغير ذلك، والظّاهر أنّه لم يكن القود في شرعهم (١)، أو كان هناك مسقط للقود من كفر القاتل والمقتول أو غير ذلك، والله أعلم.
الأثر الرابع: وهو في «الصّحيح» (٢) أيضًا وذلك أنّ الله تعالى لما قال لموسى - ﵇ -:» إنّ لنا عبدًا هو أعلم منك «-يعني: الخضر - ﵇ -، سأل موسى من الله تعالى لقاء الخضر ليتعلم منه وسافر للقائه، ولم يرد في الحديث أنّه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله تعالى بعلمه (٣)، مع أنّ من الجائز أن يكون عظيم العلم غير عدل مثل:
_________________
(١) في هامش (أ) و(ي) ما نصه: «قلت: أخرج البيهقي في «السنن» عن أبي العالية: أنّ الدية لم تحلّ لأهل التوراة، إنما هو قصاص أو عفو ليس غيره، فجعل لهذه الأمة القود والدية والعفو. ومثله أخرج عبد الرزّاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والبيهقي في «السنن» عن ابن عبّاس مثله. فقول المصنف: «الظاهر أنه لم يكن القود في شرعهم» يتم إن كان قاتل المئة من النصارى، تمت من خط البدر الأمير» اهـ.
(٢) أخرجه البخاري (الفتح): (١/ ٢٦٣)، ومسلم برقم (٢٣٨٠) عن ابن عباس -﵄-.
(٣) «بعلمه» سقطت من (س).
[ ١ / ٤٦ ]