وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. فكمل الدين في ذلك الزّمان، ووضحت الحجّة والبرهان، ودحضت وساوس المشبّهين؛ وانحسمت مواد المبطلين، إذ لا حجّة على الله بعد الرّسل لأحد من العالمين، بنصّ كتابه المبين.
هذا؛ وإنّي لما رَتَبْت (١) رتوب الكعب في مجالسة العلماء السّادة، وثبتُ ثبوت القطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمّرًا في طلب معرفة ديني، أنتقل في رتبة الشّيوخ من قدوة إلى قدوة، وأَتَوَقَّل (٢) في مدارس العلم من ربوة إلى ربوة، ولم يزل يراعي بلطائف الفوائد نَوَاطِف، وبناني للطف المعارف قَوَاطِف: لم يكن حتمًا أن يرجع طرف نظري عن المعارف خاسئًا حسيرًا، ولم يجب قطعًا أن يعود جناح طلبي للفوائد مَهيضًا كسيرًا، ولم يكن بدعًا أن تنسّمت من أعطارها روائح، وتبصّرت من أنوارها لوائح، أشربت قلبي محبّة الحديث النّبوي، والعلم المصطفوي، وكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيد ما تعفَّى من رسومه.
ورأيت أولى ما اشتغلت به: ما تعيّن فرض كفايته بعد الارتفاع، وتضيّق وقت القيام به بعد الاتساع، من الذَّبَّ عنه، والمحاماة عليه، والحثّ على اتّباعه والدُّعاء إليه.
_________________
(١) رتب الشيء: ثبت ودام، يقال: رتب فلان رتوب الكعب، في المقام الصعب. انظر «أساس البلاغة»: (ص/١٥٣).
(٢) أي: أصعد، والتوقّل: الصعود. انظر: «اللسان»: (١١/ ٧٣٣).
[ ١ / ٦ ]
فإنه علم الصّدر الأوّل، والذي عليه بعد القرآن المعوّل.
وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس.
وهو المفسّر للقرآن بشهادة: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٤٤].
وهو الذي قال الله فيه تصريحًا: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤].
وهو الذي وصفه الصّادق الأمين، بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمّعة: «إني أوتيت بالقرآن ومثله معه» (١).
وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه، في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه.
وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للرّكب، وتفاوتت العلوم في الرتب، أصمَّت مِرْنانُ (٢) نوافله كلّ مناضل، وأَصمَّت برهان معارفه كلّ فاضل.
وهو العلم/ الذي ورّثه المصطفى المختار، والصّحابة الأبرار، والتّابعون الأخيار.
وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٤/ ١٣١)، وأبو داود: (٥/ ١٠)، ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد»: (١/ ١٥٠) وغيرهم. كلهم من طريق حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معد يكرب، عن النبي - ﷺ -. وإسناده صحيح.
(٢) المرنان: القوس. «القاموس»: (ص/١٥٩٥).
[ ١ / ٧ ]
حسناته في أمّة الرّسول -﵊-.
وهو العلم الذي صانه الله عن عبارات الفلاسفة، وتقيّدت عن سلوك مناهجه فهي راسفة (١) في [الأغلال] (٢) آسفة.
وهو العلم الذي جلي للإسلام به في ميدان الحجّة وصلى، وتجمّل بديباج ملابسه من صام لله وصلّى.
وهو العلم الفاصل حين تلجلج الألسنة بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطّاب (٣).
وهو العلم الذي تفجّرت منه بحار العلوم الفقهية، والأحكام الشّرعية، وتزيّنت بجواهره التفاسير القرآنية، والشّواهد النّحوية، والدّقائق الوعظية.
وهو العلم الذي يميز الله به الخبيث من الطّيّب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريّب.
وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السّلامة، ويوصله إلى دار الكرامة، والسّارب (٤) في رياض حدائقه، الشّارب من حياض حقائقه، عالم بالسنّة، ولابس من كلّ خوف جنّة، وسالك منهاج الحق إلى
_________________
(١) أي: مقيّدة.
(٢) في (أ) و(ي): «الفلا» والمثبت من (س).
(٣) أي رجوعه إلى السنة عندما بلغته، في قصص كثيرة، منها: حديث أبي موسى في الاستئذان، وحديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون، وحديثه في أخذ الجزية من المجوس، ودية الأصابع.
(٤) بالسين المهملة، أي الذاهب.
[ ١ / ٨ ]