أما علم الأدب: فصنوه السّيّد جمال الدين الهادي، والقاضي العلامة جمال الدين محمد بن حمزة بن مظفر، وكان المشار إليه في علوم العربية واللغة والتفسير في تلك المدة.
[ المقدمة / ٣٩ ]
وأما علم الأصول: فالقاضي العلاّمة، ملك العلماء وقاموس الحكماء، عبد الله بن حسن بن عطيّة بن محمد بن المؤيد الدّواري، والفقيه العلاّمة العلم جمال الإسلام والمسلمين علي بن عبد الله بن أبي الخير، وكان المشار إليه، والمتصدر للتدريس بصنعاء اليمن في علمي الأصول.
قرأ عليه «شرح الأصول» وهو معتمد الزيدية في البلاد اليمنية، و«الخلاصة» و«الغياصة» و«تذكرة الشيخ المتكلم ابن متّويه» وغيرها في علم اللطيف. وسمع عليه «مختصر المنتهى» للفقيه النحوي المالكي ابن الحاجب، وطالع كتب آبائه الكرام في هذا الفنّ كـ «المجزي» للسيد الإمام الناطق بالحق أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني، و«صفوة الاختيار» للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان الحبشي، وغيرهما.
وكذلك مؤلفات جدّه السّيد العلاّمة يحيى بن منصور بن العفيف بن المفضل، ومصنفات السيد العلاّمة حميدان بن يحيى القاسمي، ومثل كتاب «الجامع الكافي» للسّيد الإمام [أبي] عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني، وكتاب «الجملة والألفة» للفقيه الإمام العلاّمة [] (١) علماء الزيدية وقدماء الشيعة: محمد بن منصور المرادي المتفق على علمه، وفضله (٢). وعرف ما وقع فيه الخلاف بينهم وبين المعتزلة، وجمع في ذلك مختصرات مفيدة،
_________________
(١) كلمة لم أتبينها، ولعلها: «زمام».
(٢) كأن في الكلام شيء؛ إذ لا صلة لهذا الكلام بما بعده!!.
[ المقدمة / ٤٠ ]
ومقالات فريدة.
وكان زميله ورفيقه في طلب هذين العلمين: القاضي محمد بن داود النهمي نفع الله به، فإنه لزمه وصحبه واقتفا آثاره، واستصوب أنظاره، وأخذ يراجعه في مسائل الكلام وتضعيف ما جاء به المتكلمون، مثل قولهم: إنّه من لم يعرف الله بأدلتهم المبنية على المقدمات المنطقية من عامة المسلمين، فهو كافر!! ومثل ما نصّ عليه شيخهم أبو هاشم وتبعه عليه أصحابه البهاشمة من غير مناكرة ولا مبالاة من قولهم: ما يعلم الله من نفسه إلا/ ما يعلمونه، وهو ردّ لقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، بل يقال لهم: ليس الواحد منكم يعلم من نفسه ما يعلم الله منه حتى قيلت فيهم الأشعار، وسارت بالتشنيع عليهم الركبان في الأقطار، فمن ذلك قول بعضهم:
يا ضلّة الضالين حيث توهّموا ما لا يفوه به التّقي المسلم
قالوا إله العرش ليس بعالم من ذاته والوصف مالم يعلموا
هذي مقالة من هوى في متلف وعليه ديجور الغواية مظلم
وربما تأوّل بعضهم قول شيخهم: بأنه لا يعلم سبحانه من نفسه إلا بما يعلمونه، بأنه سبحانه يعلم أنه قادر، وأنّا نعلم أنّه قادر، وكذلك سائر الصّفات الواجبة له ﷾.
ممن ذكر هذا التأويل: القاضي العلاّمة فخر الدين في كتابه الموسوم بـ «شريدة القنّاص في شرح خلاصة الرّصاص»، وهو تأويل ضعيف يمجّه السّمع، ولا يسوغ سماعه عند المحققين من أهل النظر والسمع!!.
ولو صحّ مثله؛ لصحت تأويلات المبطلين لبواطلهم، وكم لهم
[ المقدمة / ٤١ ]
من هذا وأمثاله! ما لو ذكرناه لأحوجنا إلى التطويل، وأخرجنا عن المقصود.
فلمّا عرّف القاضي المذكور تضعيف هذه المسائل وأمثالها؛ اعترف بفضله ونبله، واغترف من نمير وبله وطلّه.
وقرأ السّيد المذكور كتاب «مختصر المنتهى» (١) على السيد العلاّمة جمال الإسلام وواسطة عقد النظام في السّلاة (٢) الكرام: علي بن محمد بن أبي القاسم الهادي، وكان في تلك المدة هو المشار إليه في فنون العلم جميعها، ولما سمع عليه هذا «المختصر» بهره ما رآه من صفاء ذهنه، وحسن نظره، وألمعيّته وبلاغته، وفطنته، وبراعته. وكان يطنب في الثناء عليه، ويرشد طلبة العلم إليه، حتى ترسّل السيد جمال الدين إلي السيد عزّ الدين الرّسالة المعروفة (٣)،
_________________
(١) لابن الحاجب.
(٢) كذا في الأصل، ولعلّها: «السلالة».
(٣) ترسل عليه جمال الدين المذكور برسالتين: الأولى: في الرد على قصيدته الطويلة في بيان اعتقاده ومحبته للسنة واتباعها، والتي يقول مطلعها: ظلت عواذله تروح وتغتدي وتعيد تعنيف المحبّ وتبتدي وقد أجاب عما في رسالة جمال الدين هذه من الخطأ والتعنت. السيد جمال الدين الهادي بن إبراهيم الوزير، أخو المؤلّف بكتاب سمّاه «الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين». وهو مخطوط، وعندي نسخة منه، مكتوبة سنة (٨١٠هـ) أي في حياة المؤلّف. والرسالة الثانية: هي التي ذكرها المترجم هنا، وقد أجاب عنها ابن الوزير بكتابه العظيم «العواصم والقواصم»، ومختصره «الروض الباسم».
[ المقدمة / ٤٢ ]
التي نسب إليه فيها القول بالرؤية، وبقدم القرآن، بمخافة أهل البيت -﵈-، وبناها على مجرّد التوهمات الواهية، والتخيلات الباردة، ولم يوجب الكلام عليه في ذلك إلاّ العمل بمقتضى مذهب أهل البيت -﵈- ولا فعل شيئًا إلاّ وفيه خلاف بينهم -﵈- ولكنه كان يرى أنّهم إذا اختلفوا، وكان مع أحد الفريقين منهم نصّ نبوي وكان الفريق الآخر محتج بالرأي مصرّحين به أو محتجين بحديث ضعيف عنده؛ رجّح العمل بقول مع عضده النّص النّبوي، ولا أقلّ لرسول الله من أن يكون كلامه مرجحًا فقط، وإنكار هذا من عود الدين غريبًا.
وقال -﵀- في شأن المتكلمين في ذلك (١):
إن كان حبي حديث المصطفى زللًا (٢) مني فما الذّنب إلاّ من مصنّفه
وإن يكن حبّه دينًا لمعترف فذاك ديمي وهمّي في تعرّفه
ومذهبي مذهب الحق اليقين فما تحوّل الحال إلا من تشوّفه
وذاك مذهب أهل البيت إنهم نصّوا بتصويب كلّ في تصرّفه
نصّوا بتصويب كلّ في الفروع فما لوم الذي لام إلاّ من تعسّفه
فما قفوت سوى أعلام منهجه ولا تلوت سوى آيات مصحفه
أمّا الأصول فقولي فيه قولهم لا يبتغي القلب حيفًا عن تحنّفه
ففي المجازات أمضي نحو معلمه وفي المحارات أبقى وسط موقفه
وإن سعيت فسعيي حول كعبته وإن وقفت ففي وادي معرّفه
_________________
(١) ذكر المؤلف بعض هذه القصيدة في «الروض»: (١/ ١٢).
(٢) في نسخة: «خللًا».
[ المقدمة / ٤٣ ]
وحق حبي له أني به كلف يغنيني الطبع فيه عن تكلّفه
هذا الذي كثّر العذال فيه فما تعجّب القلب إلاّ من معنّفه
ما الذنب إلا وقوفي بين أظهرهم كالماء ما الأجن إلا من توقّفه
والمندل الرّطب في أوطانه حطب واستقر صرف الليالي في تصرّفه
يستأهل القلب ما يلقاه ما بقيت (١) له علاقة تدليع بمألفه
ولم يزل -﵀- متمسّكًا بأهل البيت سرًّا وجهرًا، معتنيًا في إظهار عقيدته في ذلك نظمًا ونثرًا (٢)، ومن شعره -﵀- يعرض بالسيد المذكور في اختلاف أقواله فيه، وهي من ألطف العتاب وأحسن ما يدور بين الأصحاب (٣):
عرفت قدري ثم أنكرته فما عدا بالله ممّا بدا
في كلّ يوم لك بي موقف أسرفت بالقول بسوء البدا
أمس الثّنا واليوم سوء الأذى يا ليت شعري كيف تضحي غدا
يا شيبة العترة في وقته ومنصب التعليم والاقتدا (٤)
قد خلع العلم رداء الهوى عليك والشّيب رداء الرّدى
فصن ردائيك وطهّرهما من دنس الإسراف والاعتدا
/ثم إنّه بعد ذلك انتصب لنشر هذه العلوم، وتصدّر برهة من الزّمان، وأهرع إليه الطلبة من كلّ مكان، فاستناروا بمعارفه، واقتبسوا من فوائده، فظهر أمره وبعد صيته، فلما رأى أن في هذا طرفًا من الدنيا
_________________
(١) في نسخة: «من تعب».
(٢) انظر في نقاش هذا ودفعه: «الزيدية»: (ص/٥٠ - ٥١) للقاضي الأكوع.
(٣) الأبيات في «تاريخ بين الوزير»: (٣٨ب-٣٩أ)، في ترجمة ابن الوزير.
(٤) في «تاريخ بني الوزير»: «الاهتدا» وكذا في «البدر الطالع»: (٢/ ٩٣).
[ المقدمة / ٤٤ ]
والرياسة، قرّع نفسه وقمعها، ومنعها مما تشوفت إليه وردعها، ثم أقبل على الله بكليته فلزم العبادة والأذكار، وقيام الليل وصيام النّهار، وتأديب النفس وإذلالها للملك الجبار فألجمها بلجام الزهد، وجرّها بعنان القوى، وأجراها في ميدان والورع، وساقها بسوط الصبر، وأدخلها اصطبل الخلوة، وربطها إلى جدار التوكل، وعلفها الجوع، وسقاها الدموع، وألبسها سرابيل الذّل والخضوع، وتوّجها بتاج التبتّل والخشوع، ولم يبق نوع من أنواع الرياضة، ولا طريق من طرق السلوك إلا سلك بها مسلكه، وشرع بها في جناحه، وكلّفها بحمل أعبائه.
ولقد كان يخصف نعله، ويتكسب لأهله، وربما تظاهر بأنواع التصرفات والحرف، كحرف الفدادين والجفاة، ويلبس الصوف الخشن، ويفطر على قرص الشعير بلا إدام، ويقصد بذلك رياضة (١) نفسه وتحقيرها وتصغيرها، وردعها وتعريفها بمنزلتها عنده.
وهذه أبيات له - ﵁ - إلى السيد الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى، وقد أنفذ إليه بمسائل (٢) في الإمامة وغيرها، وكان يومئذ مقيمًا بـ «ثُلأ» (٣) فلم يجب عليه، فكتب في ذلك إليه.
أعالمنا هل للسؤال جواب وهل يروي العطشان (٤) منك عباب
إلى آخرها تركتها اختصارًا.
_________________
(١) في نسخة: «إذلال».
(٢) في «تاريخ بني الوزير»: (ق/٣٧ب) «سأله عن خمسة وعشرين سؤالًا».
(٣) بالضم مقصور، من حصون اليمن. انظر «معجم البلدان»: (٢/ ٨٢).
(٤) في «تاريخ بني الوزير»: «الظمآن».
[ المقدمة / ٤٥ ]
ومن رقائق شعره في بعده من الناس وانقطاعه، أبيات كان كتب بها إلى السيد الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى الهادوي المفضّلي -رحمه الله تعالى- عقيب دعوته:
أعاذل دعني أرى مهجتي أزوف الرحيل ولبس الكفن
وأدفن نفسي قبل الممات في البيت أو في كهوف القنن
إلى آخرها تركتها اختصارًا.
وله - ﵁ - في ذكر أهل البيت -﵈-:
أولئك آباءي على رغم منكر لكوني على منهاجهم في مذاهبي
وحسبي بهم إن رام نقصي معاند شجّا في حلوق الحاسدين النواصب
ومن أبيات كتبها إلى السيد جمال الدين علي بن المؤيد الهادي:
ولو شئت أبكيت العيون معاتبًا وألهبت نيران القلوب رقائقًا
إلى آخرها تركتها اختصارًا.
* * *
[ المقدمة / ٤٦ ]
فصل
في ذكر ما سنح من أشعار منه وإليه
فمن ذلك أبيات كتبها إليه حيّ صنوه السيد الإمام العلاّمة جمال الدين الهادي بن إبراهيم، وقد شفي من مرض شديد:
بشرى بعافية العلوم كلامها وحديثها وحلالها وحرامها
وأصولها وفروعها وبيانها وبديعها وغريبها ونظامها
لمحمد شفيت وزال سقامها وبه شفاء الداء من أسقامها
لما ألمّ بجسمه ألم سرى منه إلى الأرواح في أجسامها
وشفاه من آلامه ربّ السّما فشفى علوم الدين من آلامها
حمدًا لمن أولاك برد سلامة وحباك من تحف الهدى بسلامها
الله أحمد قد شفى لي مهجة هامت وحقّ لها عظيم هيامها
لمحمد عز الهدى وهو الذي قد حلّ في العلياء فوق سنامها
هذا الذي أحيا العلوم وذا الذي أحيا التلاوة فهو بدر ظلامها
الله قلدني بذلك نعمة عظمى ينوء الشكر تحت مصامها
لو إنّ عدنانًا حبتني كلّها ببيان منطقها وحسن كلامها
ما كنت أبلغ شكرها من نعمة لو كانت الأشجار من أقلامها.
[ المقدمة / ٤٧ ]
فالله يوزعنا جميعًا شكرها ويزيدنا حمدًا على إتمامها
إني أقول مقالة قد قالها عمرٌ ببطحا مكة وإكامها
مع حسن خاتمة أفضّ ختامها ورضاه عني يالطيب ختامها
قلت: وقد ترجم له الفقيه الأديب البارع وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العطار (١) في تاريخه الذي سمّاه: [] (٢)؛ فقال ما لفظه: «الإمام الحافظ أبو عبد الله، شيخ العلوم وإمامها، ومن في يديه زمامها، قلّد فيها وما قلّد، وألفى جيد الزمان عاطلًا فطوّقه بالمحاسن وقلّد.
/صنّف في سائر فنونها، وألّف كتبًا تقدم فيها وما تخلّف، وله في حديث النبي - ﷺ - الباع المديد، والشأو البعيد، الذي ما عليه من مزيد، وله شعر تحسده زهر النجوم، وتود لو أنّها في سلكه المنظوم». ثم أورد له القصيدة التي قالها، وقد سأله بعض الطلبة أن يقرأ عليه في المنطق بكمالها، التي أوّلها:
يا طالب العلم والتحقيق في الدين والبحث عن كلّ مكنون ومخزون
ثم أورد له أبياتًا بعدها ذكرتها لغرابتها وعدم وجودها:
شجتني الدّيار الدّراسات البلاقع بنجدٍ وبكّتها الحمام السّواجع
أعارت عيوني دمعها كل مزنةٍ لتروى بها تلك الرّبا والمراتع
أيا دمنة ما بين رامة والنقى سقتك دموعي والسّحاب الهوامع
_________________
(١) كذا بالأصل! والذي في «تاريخ بني الوزير»: (ق/٣٧أ)، و«مطلع البدور» مخطوط، و«البدر الطالع»: (٢/ ٩٢)، و«مصادر الفكرة»: (ص/٤٧٢): «العطّاب» بالباء.
(٢) بياض في الأصل، وليس في المصادر تسمية تاريخه.
[ المقدمة / ٤٨ ]
وإن قلّ دمعي زدت أمطرت من دمي عليها كما قلبي هنالك ضائع
سبته التي كالشمس وجهًا ودونه غواش عليها رصدت وأضالع
فقلت لها: ردّية طوعًا وأحسني إليّ فإني مغرم القلب والع
وإلا استبيناها على رغم معشر أطارتهم من خوف قومي الفجائع
لأنّا أناس لا تطلّ دماؤنا ومن رامنا خسفًا فلسنا نطاوع
لنا الذروة العليا لنا المجد والعلى لنا الشرف الأقصى فأين المراجع
ورثنا رسول الله مجدًا ومفخرًا وعلّمنًا وفضلًا كل ذلك واقع
وجزنا بأسباب السّماء نزفّها إلى حيث لم يبلغه دانٍ وشاسع
رضعنا من العليا لبانًا وحرّمت على كلّ خلق الله تلك المراضع
فما سامنا فيما فعلناه ماجد ولا رامنا فيما ارتقيناه طامع
قال: وله القصيدة المشهورة في ذكر العقيدة التي كان عليها، ومحبته للسنة النبوية، وذكر فيها النبي - ﷺ -، أنشأها سنة ثمانٍ وثمان مئة:
ضلّت عواذله تروح وتغتدي وتعيد تعنيف المحبّ وتبتدي
إلى آخرها تركتها اختصارًا.
فأجابه عنها صنوه السيد الإمام جمال الدين الهادي بن إبراهيم -﵀- فقال:
عجلت عواذله ولم تتأيّده وجنت عليه جناية المتعمّد
ومنها:
ومحبّر وافي إليّ نظامه كالدّرّ في عنق الغزال الأغيد
أربى عليّ بلاغة وبراعة وأكلّ مذوده المنوّه مذودي
وهي قصيدتان فريدتان شرحهما السيد الإمام جمال الدين، واستوفى ما يحتاج الشرح والبيان، وهما موجودتان في كتاب مجلد.
[ المقدمة / ٤٩ ]
قال الوجيه العطّار (١): له - ﵁ - ورحمه- في التورية، وهي نوع من علم البديع:
يروي حديث وداد عمر ومدمع إرساله يغنيك عن إسناده
ذكر رحلته وطلبه لعلم الحديث النبوي صلوات الله على صاحبه، وإجازة مشايخ أهل هذا الفن الشريف له بألفاظها.
أما حديث أهل البيت -﵈-؛ فاجازته فيها من السّيد الإمام العلاّمة جمال الدين الناصر بن أحمد بن أمير المؤمنين، تركتها وغيرها من عدّة إجازات عديدة بسيطة لطولها.
والله يعيد من بركته، ويوفق إلى أوسع رحمته ورضاه وتقواه بحق لا إله إلا الله، وبجاه (٢) سيدنا محمد - ﷺ -، وجميع رسله آمين آمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
كان فراغ رقمه نهار الجمعة، لعله (٢١) من شهر شعبان الكريم سنة (١١٣٩هـ) وحسبنا الله وكفى.
ذكر وفاته ﵀:
كانت في اليوم السابع والعشرين من شهر المحرم غرّة سنة أربعين وثمان مئة، وهو العام الذي وقع فيه الطاعون، وهلك فيه الناس أجمعون، فإنّا لله وإنا إليه راجعون! وما أحقه -﵀- بقول الزمخشري في الإمام ابن سمعان (٣):
_________________
(١) كذا بالأصل، وانظر ما تقدّم من التعليق (ص/٤٨).
(٢) هذا من التوسل الممنوع!.
(٣) هو: الإمام أبو المظفّر منصور بن محمد التميمي السمعاني، الشافعي صاحب «الاصطلام» و«القواطع» (ت٤٨٩هـ). انظر: «طبقات الشافعية»: (٥/ ٣٣٥ - ٣٤٥)،و«السير»: (١٩/ ١١٤/١١٩).
[ المقدمة / ٥٠ ]
مات الإمام ابن سمعان فلا نظرت عين البصيرة إذ ضنّت بأدمعها
وأي حوبًا ما صمّت (١) ولا عميت ولا استفادت بمرآها ومسمعها
أين الذي لو شريناه لما أخذت ببعضه هذه الدّنيا بأجمعها
أين الذي الفقه والآداب إن ذكرت فهو ابن إدريسه وهو ابن أصمعها
من للإمامة ضاعت بعد قيّمها من للبلاغة عيّت بعد مصقعها
من للأحاديث يميلها ويسمعها بعد ابن سمعان ممليها ومسمعها
سرد الأسانيد كانت فيه لهجته ككفّ داود في تسريد أدرعها
/خلّى الأئمة حيرا فقد أعلمها على اتفاق وأسخاها وأورعها
إلى آخر الأبيات.
وفي هذا اليوم الذي مات فيه، كان وقوع الداهية الدهياء، والحادثة الجلّى، وذلك وفاة الإمام الأعظم، أمير المؤمنين، المنصور بالله رب العالمين: علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن منصور بن يحيى بن منصور بن المفضل بن الهادي إلى الحق - - ﵇ -.
ولو أشرنا إلى الأحداث من بعده، وما اتفق على من بقي من ولده، وأهل ودّه، لكلّت الأقدام وامتلأت المهارق بالكلام، وقلّ أن يأتي في مجلد مفرد، والحمد لله على كل حال، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، والحمد لله الذي بعزه وجلاله وبنعمته تتم الصالحات.
* * *
_________________
(١) كذا!!.
[ المقدمة / ٥١ ]
اللهم صلّ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته، وأهل بيته، وأنصاره، وأشياعه، ومحبيه وأمته، وعلينا معهم أجمعين آمين، واغفر لي ولمالكه ولجميع المؤمنين يا ربّ العالمين آمين.
حُرّر [في] ذي القعدة سنة (١٣٣٦هـ) ختمت بخير إن شاء الله (١).
_________________
(١) كتب في آخر النسخة: «بلغ مقابلة هذه الترجمة، والحمد لله وحده».
[ المقدمة / ٥٢ ]