سبق (١) أن ذكرنا أن شيخ المصنّف علي بن محمد بن أبي القاسم (٨٣٧هـ) قد ترسّل على المؤلف برسالتين؛ إحداهما في الرد على قصيدته في التمسك بالسنة، والرسالة الأخرى هي المردود عليها «بالعواصم» و«الروض» والتي وصفها ابن الوزير بقوله: «إلا أنه لما اتسع الكلام وطال، واتسع مجال القيل والقال، جاءتني رسالة محبّرة، واعتراضات محرّرة، مشتملة على الزّواجر والعظات، والتنبيه بالكلم الموقظات، زعم صاحبها أنه من الناصحين المحبين، وأنه أدى ما عليه لي من حق الأقربين » وأسهب في وصفها، ثم قال: «ثم إني تأملت فصولها وتدبّرت أصولها؛ فوجدتها مشتملة على القدح تارة فيما نقل عني من الكلام، وتارة في كثير من قواعد العلماء الأعلام، وتارة في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، فرأيت ما يخصّني غير جدير بصرف العناية إليه .. وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية، مثل قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية والآثار الصحابية فتعرضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار، التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار» (٢).
وقد اتفقوا أن المعترض لم ينصف في رسالته تلك، ولا استعمل أساليب أهل العلم في الاعتراض والرد، بل اعتسف وحاد واستعمل
_________________
(١) (ص/٤٢) حاشية رقم (٣).
(٢) «الروض» (١/ ١٤ - ١٥).
[ المقدمة / ٦٠ ]
أساليب أهل الّلجاج والعناد. وانظر «تاريخ بني الوزير»: (ق/٣٧ب- ٣٨أ)، و«ترجمة ابن الوزير»: (ق/٦ب)، و«فتح الخالق»: (ق/١١١)، و«البدر الطالع»: (١/ ٤٨٥).
قال الصنعاني في «فتح الخالق»: « وترسّل عليه شيخه السيد علي بن محمد بن أبي القاسم برسالة بديعة، درات في مواقف الأعيان، وشغف بها كل إنسان، واحتاج الناظم -﵀- أن يشمّر ساعد الجد والاجتهاد، ويجلب الأدلة من الأغوار والأنجاد » اهـ. وقال الشوكاني: «وترسل عليه -أي ابن أبي القاسم- برسالة تدل على عدم انصافه ومزيد تعصّبه -سامحه الله-» اهـ.
فكان ثمرة هذه الرسالة الكتاب العظيم المشهور: «العواصم والقواصم» الذي لم يؤلّف في الديار اليمنية مثله -كما عبّر الشوكاني-.
ثم إن هذا الجواب لما تم اشتمل على علوم كثير؛ أثرية ونظرية، ودقيقة وجليّة، وحجج متكاثرة للمسائل التي نصرها، وإشكالات قد تبلغ المئين على المسائل التي ينقضها، فدعاه ذلك لاختصاره حيث قال: «ثم إني تأمّلت الكتاب -بعد ذلك- فوجدت ما فيه من التطويل والتدقيق؛ يصرف الأكثرين عن التأمل له والتحقيق، لا سيما والباعث لداعيه النشاط إلى معرفة مثل هذا إنما هو وجود من يعارض أهل السنة، ويورد على ضعفائهم الشّبه الدقيقة، ومن عوفي من هذا ربما نفر عن مطالعة هذه الكتب نفرة الصحيح عن شرب الأدوية النافعة، وألم المكاوي الموجعة؛ فاختصرت منه هذا الكتاب» (١) اهـ.
_________________
(١) «الروض» (١/ ١٨ - ١٩).
[ المقدمة / ٦١ ]