يرون أن يقتل جميعهم وتستأصل شأفتهم حذرًا من أيسر عار يلم بساحتهم أو ينسب إلى قرابتهم، ولا أعظم عارًا عليهم من الاعتراف بضلال الآباء، وكفرهم، وتفضيل الأنعام السّائمة عليهم، فلولا صدقهم في الإسلام ومعرفتهم لصدق الرّسول - ﵇ -، ما لانت عرائكهم [لذلك] (١) ولا سلكوا في مذلّلات المسالك.
وممّا يدلّ على صحّة ذلك ويوضّحه: أنّ أكثرهم تساهلًا في أمر الدّين: من يتجاسر على الإقدام على الكبائر، لا سيما معصية الزّنا، فقد علمنا أنّ جماعة من أهل الإسلام في ذلك العصر من رجال ونساء وقعوا في ذلك، فهم (٢) فيما يظهر لنا أكثر أهل ذلك الزّمان تساهلًا في الوقوع في المعاصي، وذلك دليل خفّة الأمانة ونقصان الدّيانة، لكنّا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله المتأخرين إلا أهل الورع الشّحيح، والخوف العظيم، ومن يُضرب بصلاحه المثل، ويتقرّب بحبه إلى الله ﷿، وذلك أنّهم بذلوا أرواحهم في مرضاة ربّ /العالمين، وليس يفعل هذا إلا من يحقّ له منصب الإمامة في أهل التّقوى واليقين، وذلك كثير في أخبارهم، مشهور الوقوع في زمانهم.
من ذلك حديث المرأة التي [زنت] (٣) فجاءت النّبيّ - ﷺ - مقرّة بذنبها، سائلة للنّبيّ - ﷺ - أن يقيم الحدّ عليها، فجعل رسول الله - ﷺ - يستثبت في ذلك، فقالت: يا رسول! إنّي حبلى به، فأمر أن تُمهل
_________________
(١) من (ي) و(س)، وفي (أ): «لتلك»!.
(٢) أي: من وقع في الكبائر يومئذ.
(٣) سقطت من (أ)، والمثبت من (ي) و(س).
[ ١ / ١١٠ ]
حتّى تضع، فلمّا وضعت جاءت بالمولود وقالت: يا رسول الله هو هذا قد ولدته، فقال: «أرضعيه حتّى يتمّ رضاعه»، فأرضعته حتّى أتمّت مدة الرّضاع، ثمّ جاءت به في يده كسرة من خبز، فقالت: يا رسول الله! هو هذا يأكل الخبز، فأمر بها فرجمت (١). رواه الحافظ ابن كثير في «إرشاده» (٢).
فانظر إلى عزم هذه الصّحابية -﵂- على أصعب قتلة على النّفوس، وأوجع ميتة للقلوب، وبقاء عزمها على ذلك هذه المدّة الطّويلة، ومطالبتها في ذلك غير مكرهة ولا متوانية، وهذا -أيضًا- وهي من النّساء الموصوفات بنقصان العقول والأديان، فكيف برجالهم ﵃!؟.
ومن ذلك حديث الرّجل الذي أتى إلى النّبيّ - ﷺ - فأخبره أنّه سرق، فأمر بقطع يده، فلما قطعت قال: الحمد لله الذي خلّصني منك، أردت أن تدخليني النّار (٣)، أو كما قال.
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٦٩٥) من حديث بُرَيدة بن الحصيب - ﵁ -.
(٢) (٢/ ٣٦٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه: (٢/ ٨٦٣)، والطبراني في «الكبير»: (٢/ ٨٦). من طريق سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أنّ عمرو بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلان، فأرسل إليهم النبيّ - ﷺ - فقالوا: إنّا افتقدنا جملًا لنا، فأمر النّبيّ - ﷺ - فقطعت يده. قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهّرني منك، أردت أن تُدخلي جسدي النّار». قال البوصيري في «مصباح الزُّجاجة»: (٢/ ٧٥): «هذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة» اهـ. وفيه أيضًا: عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، قال الذهبي في «الكاشف»: (٢/ ١٥٩): «يجهل»، وقال الحافظ في «التقريب»: «مجهول».
[ ١ / ١١١ ]
وحديث المجامع في رمضان (١).
وحديث ماعز بطوله (٢).
وحديث الذي قال: إنّي أتيت امرأة فلم أترك شيئًا مما يفعله الرّجال بالنّساء إلا أتيته، إلا أنّي لم أجامعها (٣)؛ وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة إليه.
فأخبرني على الإنصاف: من في زماننا، وقبل زماننا من أهل الدّيانة قد سار إلى الموت نشيطًا، وأتى إلى ولاة الأمر مقرًّا بذنبه، مشتاقًا إلى لقاء ربّه، باذلًا في مرضاة الله لروحه، ممكّنًا للولاة والقضاة من الحكم بقتله؟
وهذه الأشياء تنبّه الغافل، وتقوّي بصيرة العاقل، وإلا ففي قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. كفاية وغنية، مع ما عضدها من شهادة المصطفى - ﵇ - بأنهم خير القرون،
_________________
(١) أخرجه البخاري (الفتح): (٤/ ١٩٣)، ومسلم برقم (١١١١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري (الفتح): (١٢/ ١٣٨) من حديث ابن عباس -﵄-، ومسلم برقم (١٦٩٥) من حديث بريدة بن الحصيب - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (الفتح): (٢/ ١٢) ومسلم برقم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ١ / ١١٢ ]
وبأنّ غيرهم لو أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشّريفة ومراتبهم المنيفة.
وقد ذكر ابن عبد البرّ في ديباجة «الاستيعاب» (١) جملة شافية ممّا يدلّ على فضل أهل ذلك الزّمان، [وذكر في ذلك أحاديث كثيرة] (٢).
منها الحديث الصّحيح الشّهير أنه «لا يدخل النّار أحد شهد بدرًا والحديبية» (٣) رواه من طرق كثيرة.
وروى الحديث المشهور من طريق أبي الزّبير عن جابر مرفوعًا «لا يدخل النّار أحد بايع تحت الشجرة» (٤) ثمّ روى أنّ أهل الحديبية كانوا ألفًا وأربع مائة، وأهل بيعة الرضوان ألفًا وخمس مائة، وأهل بدر ثلاث مئة وبضعة عشر، وذكر الحديث «ألا إنّكم توفّون /سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٥) والحديث الذي فيه: «إنّ الله نظر إلى قلوب العباد فوجد قلوب أصحاب محمد خير قلوب العباد» (٦)،
_________________
(١) (١/ ٢ - ٥) بحاشية «الإصابة».
(٢) النّص مضطرب في (أ)، وتصويبه من (ي) و(س).
(٣) أخرجه مسلم برقم (٢٤٩٥) من حديث جابر - ﵁ -.
(٤) أخرجه مسلم برقم (٢٤٩٦) من حديث أم مبشر -﵂- يرويه عنها جابر.
(٥) أخرجه أحمد: (٥/ ٣)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات»: (١/ ٢٩)، وأخرجه ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»: (١/ ٥) من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وهذا إسناد حسن.
(٦) رواه أحمد: (١/ ٣٧٩)، والطّيالسي في «مسنده»: (ص/٣٣)، والطّبراني في «الكبير»: رقم (٨٥٨٢)، و«الأوسط»: (٤/ ٣٦٧)، والحاكم: (٣/ ٧٨)، والبيهقي في «المدخل»: (ص/١١٤)، من قول ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا. وصححه الحاكم والذهبي، وقال الحافظ في «الدراية»: (٢/ ١٨٧): «أخرجه أحمد موقوفًا على ابن مسعود بإسناد حسن» اهـ، وكذا حسّنه السخاوي في «المقاصد الحسنة»: (ص/٣٦٧). وجاء مرفوعًا من حديث أنس - ﵁ - أخرجه الخطيب في «التاريخ»: (٤/ ١٦٥)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية»: (١/ ٢٨١)، وقال: «تفرّد به النخعي -أي أبا داود- قال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث، وهذا الحديث إنّما يعرف من كلام ابن مسعود» اهـ.
[ ١ / ١١٣ ]