قد علمنا فيما مضى أنّ «الروض» مختصر من «العواصم»؛ فإنّ «الأصل» لما تم فأينعت ثماره، وازدانت أزهاره، أجال عليه مؤلّفه يد القطاف، فالتقط من ثماره أنضجها، ومن أزهار أطيبها، ثم أعمل يده أخرى فقدّم وآخر وهذّب وشذب، وأصلح ورتّب؛ حتى صار -بحقّ- «روضًا باسمًا»
وقد كان سبب الاختصار ما أشار إليه المؤلف في المقدمة فقال: «فلأن التوسيع يملّ الكاتب والمكتوب إليه، والمتطلع إلى رؤية الجواب والوقوف عليه، مع أنّ القليل يكفي المنصف، والكثير لا يكفي المتعسّف (١»).
وقال أيضًا: «ثم إني تأملت الكتاب -بعد ذلك- (أي الأصل) فوجدت ما فيه من التطويل والتدقيق، يصرف الأكثرين عن التأمل له والتحقيق، لا سيّما والباعث لداعية النشاط إلى معرفة مثل هذا إنما هو وجود من يعارض أهل السنة، ويورد على ضعفائهم الشّبه الدقيقة، ومن عوفي من هذا ربما نفر عن مطالعة هذه الكتب نفرة الصحيح عن شرب الأدوية النّافعة، وألم المكاوي الموجعة، فاختصرت منه هذا الكتاب، على أني لم أطنب في الأصل كل الإطناب » (٢) اهـ.
أما جوانب المغايرة بين الأصل ومختصره ففي أمور:
_________________
(١) «الروض» (١/ ١٥)، ومع أن هذا الكلام أراد به المؤلف «الأصل»، إلا أنه يصلح في المختصر أيضًا.
(٢) «الروض» (١/ ١٩)، وانظر (ص/٦٠) من المقدمة.
[ المقدمة / ٧٥ ]
١ - سار المؤلف في «الأصل» على حسب إيرادات المعترض دون تصرّف في تقديم أو تأخير، بخلاف «المختصر» فإنه يجمع الكلام على المسائل المتشابهة في مكان واحد، فيقدم يوخّر بحسب المقتضي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك: «الكلام على كفار التأويل وفُسّاقه» فبينما هي في «الأصل» في أوائل الكتاب (٢/ ١٣٠ - ٣/ ٢٢٣)، كانت في «المختصر» في آخر الكتاب: (٢/ ٤٨١ - ٥٦٩). ثم هي في «المختصر» أكثر ترتيبًا.
ومن الأمثلة أيضًا: ذبّ المؤلّف عن أئمة الإسلام الأربعة، فبينما أورده في «الأصل» بحسب إيراد المعترض له، فالكلام على أبي حنيفة في (٢/ ٨١)، والكلام على مالك (٣/ ٤٥٣)، والكلام على الشافعي في (٥/ ٥)، والكلام على أحمد (٣/ ٣٠٠). إلا أنه قد ساقه في «المختصر» مساقًا واحدًا، حرصاُ منه على جمع الذّبّ عن الأئمة في مكان واحد. «الروض» (ص/٢٩٥ - ٣٤٣)، والأمثلة كثيرة، انظر: «الروض»: (١/ ٢٣٠).
٢ - من جوانب المغايرة اختصار ما لا تعلّق له بنقض كلام المعترض من الفوائد والاستطرادات العلمية فقال في (ص/١٥٤ - ١٥٥): «وهذا الموضع يحتمل ذكر فوائد ذكرتها في «الأصل»، منها ما ذكره النووي في «شرح مسلم»، ومنها ما لم يذكره، ثم اختصرتها لأنها لا تتعلق بنقض كلام المعترض» (١) اهـ.
_________________
(١) وانظر (١/ ٢٧).
[ المقدمة / ٧٦ ]
بل إنه يختصر بعض الأوهام التي وهمها المعترض مما ليس تحتها إلا مجرد الاعتراض، وبيان الوهم، فقال في (ص/٢٣٠): «وقد رأيت أن أقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم أمرها؛ فإنّ مجرّد التعرض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل، ولا يستكثر من ذكره فاضل» اهـ.
٣ - أن «الأصل» ومختصره مبنيان على إلزام الخصم على أصوله، ولم يتعرض المؤلف لبيان المختار عنده أحيانًا، وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية. ثم قال المؤلف عن المختصر: «ثم إني قد اختصرت هذا الكتاب في كتاب لطيف سميته: «الروض الباسم»، وهو أقل تقيّة من هذا ولن يخلو، فالله المستعان» (١) اهـ.
فيستفاد من هذا فائدة جليلة، وهي معرفة اختياراته في المسائل العلمية حيث صرّح بها في «المختصر»، ولم يتعرض لذلك في «الأصل».
٤ - ومن جوانب المغايرة والامتياز في «المختصر»، ما فيه من زيادات على «الأصل»، سواء كانت في الاستدلال أو التمثيل أو التحقيق، فمن تلك المواضع:
* (١/ ٩ - ١٣) بعض الأشعار في مدح أهل الحديث.
* (١/ ١٣٣) شعر للمؤلف في العشرة المبشرين بالجنة.
* (١/ ١٦٦) فائدة للمؤلف عمن يُخَرِّج لهم البخاري استشهادًا.
_________________
(١) «العواصم» (١/ ٢٢٥).
[ المقدمة / ٧٧ ]
* (١/ ١٧٠ - ١٧١) كلام الذهبي في حديث: «ما تقرّب إليّ عبدي» ورد الحافظ ابن حجر عليه.
* (١/ ٢٤٦ - ٢٤٨) الكلام على الوليد بن عقبة.
* (٢/ ٤٦٤ - ٤٧٦) بعض الكلام والتحقيق في حديث: «فحجّ آدم موسى»
* (٢/ ٥٤٣ - ٥٦٩) أحاديث عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة في الأحكام مع ذكر شواهدها والكلام عليها. فهذه (٢٦) صحيفة ليست في «الأصل».
* (٢/ ٥٩٠ - ٥٩٦) خاتمة المؤلف وفيها نصيحة وعِظة وعبرة، وقصيدة في التمسك بالسنة.
* * *
[ المقدمة / ٧٨ ]