أما غرضه منه: فقد أبانه بقوله في فاتحة الكتاب وهو يصف رسالة المعترض وما تعرّضت له من القدح فيه وفي السنة وفي القواعد: «فرأيت ما يخصني غير جدير بصرف العناية إليه، ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه، وأما ما يختص بالسنن النبوية والقواعد الإسلامية؛ مثل قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية والآثار الصحابية، ونحو ذلك من القواعد الأصولية، فإني رأيت القدح فيها ليس أمرًا هيّنًا، والذبّ عنها لازمًا متعينًا، فتعرضت لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار، التي قال بها الجلّة من العلماء الأخيار» (١) اهـ.
كما أبانه غاية البيان فقال: «وقد اقتصرت في هذا «المختصر» على نصرة السّنن النبوية، والذبّ عنها وعن أهلها من حملة الأخبار المصطفوية، سالكًا من ذلك في محجّةٍ جليّةٍ، غير عويصةٍ ولا خفيّةٍ ..» (٢) اهـ.
وقال: « والقصد بهذا كله الذب عن السنن ورواتها» (٣).
وقال: «وقد تركت إيراد كلام متكلّمي الأشعرية في التحسين والتقبيح؛ لأن كتابي هذا كتاب نصرة للحديث وأهله، الواقفين على ما كان عليه السّلف، من ترك الخوض في عويص الكلام، ودقيق الجدال» (٤) اهـ.
_________________
(١) «الروض» (١/ ١٥).
(٢) «الروض» (١/ ١٩).
(٣) «الروض» (١/ ٦٠).
(٤) «الروض» (٢/ ٣٧٧).
[ المقدمة / ٧٩ ]
وقال: «وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصحيح ..» (١).
فلا أصرح من هذه العبارات الدّالة على المقصود من هذا التأليف، فلم تدع قولًا لمتقوّل، ولا تخمينًا لمتخرّص!!.
أما ما يتعلق بمنهجه، فيمكن التماسه في النقاط الآتية:
١ - سلك المؤلف في نقضه على المعترض مسالك الجدليين فيما يلزم الخصم على أصوله، فقال: «وقد سلكت -في هذا الجواب- مسالك الجدليين، فيما يلزم الخصم على أصوله، ولم أتعرّض في بعضه لبيان المختار عندي، وذلك لأجل التقيّة من ذوي الجهل والعصبية، فليتنبّه الواقف عليه على ذلك، فلا يجعل ما أجبت به الخصم مذهبًا لي، ثم إني اختصرت هذا الكتاب (العواصم) في كتاب لطيف سميته «الروض الباسم» وهو أقلّ تقيّة من هذا ولن يخلو، فالله تعالى المستعان» (٢) اهـ.
وقال أيضًا: « إذا المقصود إلزام الخصم ما يلزمه على مقتضى مذهبه» (٣) اهـ.
وقال: «وصحّت أحاديثهم -أي معاوية وعمرو والمغيرة- هذه على وجهٍ لا شبهة فيه على قواعد الخصوم» (٤) اهـ.
_________________
(١) «الروض» (٢/ ٥٢٣)، وانظر (٢/ ٥٨٠).
(٢) «العواصم» (١/ ٢٢٥).
(٣) «الروض» (١/ ٢٧).
(٤) «الروض» (٢/ ٥٦٩).
[ المقدمة / ٨٠ ]
٢ - حرص أن ينصر ما يرجحه بالطرق التي يتّفق عليها الفريقان (١) فقال: «وقد اجتهدت في هذا الكتاب في نصرة الحديث الصحيح بالطرق التي يتفق الفريقان على صحتها أو يتفقون على قواعد تستلزم صحّتها، كما يعرف ذلك من تأمل هذا الكتاب كلّه» (٢) اهـ.
٣ - يورد المؤلف كلام المعترض المتعلق بمسألة واحدة ثم ينقضه، فيبين له أولًا مخالفته لأصحابه من الزيدية والمعتزلة، وأنهم قائلون بما أنكره أو أكثرهم، وأنّ ما يلزم أهل السنة من إلزامات المعترض؛ فهو لازم لأصحاب المعترض، فما كان جوابه عن أصحابه كان جوابنا عن أهل السنة.
والمعترض على أحسن الأحوال قد جهل تلك الأقوال، ومثل هذا المعترض كما قال شيخ الإسلام: « حتى أن كثيرًا من هؤلاء يعظّم أئمة، ويذم أقوالًا، قد يلعن قائلها أو يكفره، وقد قالها أولئك الأئمة الذين يعظمهم، ولو علم أنهم قالوها لما لعن القائل، وكثير منها يكون قد قاله النبي - ﷺ -، وهو لا يعرف ذلك!» (٣) اهـ.
والمؤلف متثبّت في نقله، فهو ينقل مذاهب الزيدية والمعتزلة من كتبهم المعتبرة (٤)، من طرقٍ مختلفة ووجوه متغايرة فيها مقنع للمنصف والمتعسّف!.
ثم إن ساق المعترض دليلًا على قوله؛ نقضه ببيان ضعفه، أو
_________________
(١) السنة والشيعة.
(٢) «الروض» (٢/ ٥٢٣).
(٣) «مهاج السنة» (٥/ ٢٨١).
(٤) وكثيرًا ما يشير إلى ذلك بقوله: «وهذا في «مَدْرَس» الزّيديّة
[ المقدمة / ٨١ ]
ضعف الاستدلال به، أو قلب دليله دليلًا عليه.
ثمّ إن نسب المعترض لأهل السنة قولًا لم يقولوا به؛ بيّن خطأه في ذلك بنقل قولهم من كتبهم -مع بعده عن ديارهم، وقلّة مصنفاتهم الحافلة- والاستدلال لها من الأصلين، حتى إذا لم يبق بين يديه دليل ولا شبهة دليل؛ إنهال عليه بوابل من الإشكالات، وسيل من الإلزامات، من جنس ما يورده هو على أهل السنة، وهذه من أحسن طرق المناظرة، فتجعله يتملّص من قوله لكثرة الواردات عليه!.
قال شيخ الإسلام: «ومن الطرق الحسنة في مناظرة هذا (أي الحلّى) أن يورد عليه من جنس ما يورد على أهل الحق وما هو أغلظ منه، فإن العارضة نافعة، وحينئذ فإن فَهِم الجواب الصحيح عَلِم الجواب عما يورده على الحق، وإن وقع في الحيرة والعجز عن الجواب؛ اندفع شرّه بذلك، وقيل له: جوابك عن هذا هو جوابنا عن هذا» (١) اهـ.
وقد اعتذر المؤلف -﵀- عن التحقيق في بعض المسائل، واكتفى فيها بإيراد المعارضات، وذكر الجواب الجُمْليّ: «أما التحقيق؛ فلا مكانُهُ ولا زمانُهُ، ولا فرسانُهُ ولا ميدانُهُ» (٢).
_________________
(١) «منهاج السنة» (٨/ ٢٨٣).
(٢) «الروض» (٢/ ٤٤٦). ويفسر كلام المؤلف هنا قول الصنعاني في «فتح الخالق» (ق/١١٠ - ١١١): «وقد علم من أحوال الناظم (أي ابن الوزير) -﵀- أنه انفرد في عصره بطريقة خالف فيها أهله وأهل مذهبه من الزيدية، واتبع السنة النبوية، وسيرة السلف المرضية، فعاداه الناس كلّهم إلا شذوذًا منهم » اهـ.
[ المقدمة / ٨٢ ]
وينبغي التنبيه هنا على أن هذه المعارضات والأسئلة لا تلزم المورد لها، بل يورد السؤال والمعارضة وإن كان ضعيفًا عند المورد بل باطلًا، وذلك لأمرين:
«أ- ليدفع المورِدُ عن نفسه ما يرد عليه من ذلك القبيل، فيدفع الباطل بالباطل، ويكتفي بالشر من غير خروج من حقّ، ولا دخولٍ في باطل.
ب- تعريف الخصم بضعف قوله الذي استلزم تلك الأشياء الضعيفة، فإنّ القويّ لا يستلزم الضعيف» (١) اهـ.
حتى أن المؤلف من شدة انتصاره على خصمه ودفاعه عن الحديث الذي هو من رواية المرجئة الثقات قال -تنبيهًا للقاريء من وهم قد يقع فيه-؛ «وقد اكثرت من الانتصار لظنّ صدقهم وقبول روايتهم، حتى ربما توهّم بعض الضعفاء أني أميل إلى رأيهم، ومعاذ الله تعالى من ذلك! فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد ..» (٢) اهـ.
٤ - لم يتعرّض المؤلف لجميع المسائل العقدية أو الأصولية التي يمكن أن تورد، لأن المعترض قد أعرض عن ذكرها فأعرض المؤلف عن إيرادها؛ لأنه مجيب لا مبتدي، وقد نبّه على ذلك حتّى لا يتوهّم من يقف على كلامه أنه ينصر قولًا مبتدعًا، أو يسوّي بين أهل السنة وأهل البدعة فيما لم يذكره من القضايا (٣).
_________________
(١) «العواصم» (٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩).
(٢) «الروض» (٢/ ٥٢٢).
(٣) «الروض» (٢/ ٣٦٥)، وانظر «العواصم» (١/ ٢٣٥).
[ المقدمة / ٨٣ ]