غير تلك الكتب فليس بصحيح -إلى قوله- أمّا هذا الفصل (١) فزعم القائل به أنّ مؤلّفي الصّحاح أعرف النّاس به، وقد تعرّضوا لحصر (٢) الصّحيح، فما لم يذكروه فليس بصحيح، إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى.
أقول: كلام المعترض هنا لا يحتاج إلى جواب أكثر من تعريفه [بأنّه] (٣) أفرط في الجهل، ورمى أهل الحديث بما نصّوا على البراءة منه نصوصًا كثيرة متواترة، فممّن نصّ على ذلك البخاري ومسلم:
أمّا البخاريّ فإنّه اشتهر عنه أنّه خرّج صحيحه من مائة ألف حديث صحاح (٤)، مع أنّ صحيحه لا يشتمل إلا على قدر أربعة آلاف (٥) حديث من غير المكرّر، وهذا في رواية الفِربريّ، ورواية
_________________
(١) في (س): «أما أهل الفضل»!.
(٢) في (أ) و(ي) كتب فوق هذه الكلمة «لذكر» صح، ويظهر أن ناسخ (أ) قد ضرب على كلمة «لحصر» والصواب إثباتها.
(٣) في (أ) و(ي): «فإنّه»، والمثبت من (س)، وهو الصواب.
(٤) جاء عن البخاري أنه قال: «احفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح» «تذكرة الحفّاظ»: (٢/ ٥٥٦)، و«تدريب الراوي»: (١/ ١٠٦). أمّا المنصوص عن البخاري؛ فقوله: «أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مئة ألف حديث» انظر: «تاريخ بغداد»: (٢/ ٨)، و«هدي الساري»: (ص/٥١٣).
(٥) في هامش (أ) و(ي) ما نصّه: «في «العواصم»: «قدر ستة آلاف» والذي في كتاب «العلوم» لابن الصلاح: جملة ما في كتاب الصحيح -يعني البخاري- سبعة آلاف ومئتان وخمسة- وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة. تمت. القاضي العلاّمة محمد بن عبد الملك الآنسي -﵀-». أقول: وبتكملة كلام ابن الصلاح في «علومه»: (ص/١٦٣) «وقد قيل إنّها بإسقاط المكرر: أربعة آلاف حديث» اهـ. فلا يتم اعتراض المحشّي.
[ ١ / ١٤٢ ]
حمّاد بن شاكر دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل (١)، فمن نصّ على أنّه أخرج أربعة آلاف حديث من مئة ألف صحاح كيف ينسب إلى دعوى حصر الصّحيح؟!.
وأمّا مسلم؛ فروى النّواوي عنه في «شرح مسلم» (٢) النّصّ الصّريح على أنّه ما قصد حصر الصّحيح، وكذا روى النّواويّ في «الشّرح» (٣)
إنكار ذلك على ابن وارة وأبي زرعة، وذكر الحاكم أبو عبد الله في خطبة «المستدرك» (٤) أنّ البخاريّ ومسلمًا (٥) ما ادّعيا ذلك، وقد نصّ على ذلك علماء الحديث: منهم ابن الصّلاح، وزين الدّين، والحاكم وغيرهم، ولم يختلفوا في ذلك، وإنّما اختلفوا في عدد أقسام الصّحيح.
فالحاكم عدّ أقسامه عشرة (٦)، وجعل حديث البخاريّ ومسلم
_________________
(١) انظر: «التقييد والإيضاح»: (ص/١٥).
(٢) (١/ ٢٤).
(٣) (١/ ٢٥ - ٢٦). و«في الشرح» ليست في (ي) ومكانها: «عنه»!.
(٤) (١/ ٢).
(٥) في (س): «ومسلم»!.
(٦) «المدخل إلى كتاب الإكليل»: (ص/٣٣ - ٥٠).
[ ١ / ١٤٣ ]
قسمًا منها، وابن الصّلاح وزين الدّين [جعلا] (١) أقسام الصّحيح سبعة أقسام (٢)، و[جعلا] حديث البخاري ومسلم ثلاثة أقسام: ما اتفقا عليه قسمًا، وما انفرد به كلّ واحد منهما قسمًا، وابن الأثير في «الجامع» (٣) تبع الحاكم في تقسيمه المذكور.
ولم يزل علماء الحديث وأئمّته يستدركون على صاحبي الصّحيح ما تركاه مما هو على شرطهما، ويحتجّون بما حكم بصحّته غيرهما كالبرقانيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، والدّارقطنيّ، والبيهقي، والحاكم، وعبد الغني المقدسيّ، وعبد الحقّ، وتقيّ الدين ابن دقيق العيد، وابن سيّد النّاس، وأبي الحسن بن القطّان، والزّكيّ عبد العظيم وغيرهم، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تطويل، ومعلوم لا يفتقر إلى دليل.
وليس يصحّ في الأفهام (٤) شيء إذا احتاج النّهار إلى دليل
قال: وأمّا الفصل الأوّل -وهو أنّ كلّ ما في هذه الكتب فهو صحيح- ففيه موضعان: الأوّل: في حكاية المذهب، والثّاني: في
_________________
(١) في (أ): «جعل» والتصويب من (ي) و(س)، والثانية التصويب من (س) فقط.
(٢) «علوم الحديث»: (ص/١٦٩)، و«التقييد والإيضاح»: (ص/٢٨).
(٣) «جامع الأصول»: (١/ ١٦٠). قال الحافظ في «النكت»: (١/ ٣٦٧) تعليلًا لمتابعة ابن الأثير وغيره للحاكم: « لقلّة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأنو واسترواحهم إلى تقليد المتقدّم دون البحث والنظر» اهـ.
(٤) في (ي): «الأذهان» وكتب فوقها: «الأفهام».
[ ١ / ١٤٤ ]