حجّة، وهو قوله في كتابه إلى أبي موسى: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادات، إلاّ مجلودًا في حدّ، أو مجرّبًا عليه شهادة الزّور» الحديث. رواه البيهقي (١) عن معمر البصري عن أبي العوّام عنه. وقال: «وهو كتاب معروف».
وأما كلام أصحاب المعترض: فقال عبد الله بن زيد، من علماء الزّيدية في كتابه «الدّرر المنظومة» في تفسير لفظ العدل: «ومعنى كونه عدلًا: أن يكون مؤديًا للواجبات مجتنبًا للكبائر من المستقبحات».
قال شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري (٢) في كتابه «المعتمد» (٣) في تفسير لفظة العدل: «وتعورف أيضًا فيمن تقبل روايته عن النّبي - ﷺ -، وهو من اجتنب الكبائر، والكذب، والمستخفّات من المعاصي والمباحثات»، ومثّل المستخفات من المعاصي: بالتّطفيف بحبّة، والمستخفّات من المباحات: بالأكل على الطريق.
ومن المنقول في ذلك عن فضلاء السّلف والخلف: ما اشتهر عنهم من وصفهم لأنفسهم بمقارفة الذّنوب والوقوع في المعاصي.
فروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن أبيه قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: «لو تعلمون ذنوبي ما وطيء عقبي اثنان،
_________________
(١) «معرفة السنن والآثار»: (٧/ ٣٦٦)، وكذا في «السنن الكبرى»: (١٠/ ١٥٠). وانظر (١/ ١٠٠ - ١٠١) من هذا الكتاب.
(٢) هو: أبو الحسين محمد بن عليّ بن الطّيب البصري المعتزلي ت (٤٣٦هـ). ترجمته في: «تاريخ بغداد»: (٣/ ١٠٠)، «السير»: (١٧/ ٥٨٧).
(٣) (٢/ ٦١٧).
[ ١ / ٥٦ ]
ولحثيتم على رأسي التراب، ولوددت أنّ الله غفر لي ذنبًا من ذنوبي وأني دعيت: عبد الله بن روثة» (١).
وروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد الله يومًا فقال: «والله الذي لا إله غيره لو تعلمون [علمي] (٢) لحثيتم التّراب على رأسي» (٣). قال الذّهبي في «النبلاء» (٤): «روي هذا من غير وجه عن ابن مسعود - ﵁ -».
قلت: هذا؛ وقد روى علقمة عن أبي الدرداء (٥) أنّه قال: «إنّ الله أجار ابن مسعود من الشّيطان على لسان نبيّه».
وجاء من غير وجه عن النبي - ﷺ -، «لو كنت مؤمّرًا أحدًا من غير مشورة لأمّرت ابن أم عبد» (٦)، وجاء عنه - ﵇ -: «اهتدوا
_________________
(١) أخرجه البسوي في «المعرفة والتاريخ»: (٢/ ٥٤٨)، والحاكم في «المستدرك»: (٣/ ٣٢٦).
(٢) في (أ) و(ي): «عملي» والتصويب من مصادر الأثر.
(٣) أخرجه البسوي: (٢/ ٥٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية»: (١/ ١٣٣).
(٤) (١/ ٤٩٥).
(٥) هذا سبق قلم من المصنّف -﵀- فالذي جاء عن أبي الدّرداء، كما في «صحيح البخاري» (الفتح): (٧/ ١١٤)، وغيره: أنّ الله أجار عمّار بن ياسر من الشيطان، لا عبد الله بن مسعود.
(٦) أخرجه أحمد: (١/ ٧٦ وغيرها)، والترمذي: (٥/ ٦٣٢)، وابن ماجه: (١/ ٤٩). من حديث الحارث (الأعور) عن علي - ﵁ -. قال الترمذي: «هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث الحارث عن علي» اهـ. والحارث: ضعيف، واتهمه بعضهم.
[ ١ / ٥٧ ]
بهدي عمّار وتمسّكوا بعهد ابن أم عبد» (١) وقال - ﵇ -: «رضيت لأمّتي ما رضي لها ابن أم عبد» (٢) رواه الثّوري وإسرائيل عن منصور (٣). وأجمعت الأمّة على صحة حديثه وجلالة قدره.
فإذا كان مثل هذا الصّاحب الجليل يقسم بالله الذي لا إله إلا هو: لو يعلم النّاس ذنوبه لحثوا على رأسه التّراب، فكيف يشترط في العدل أن لا تبدو منه هفوة ولا يقع في معصية؟!.
وأعظم من هذا سؤال عمر بن الخطاب - ﵁ -
_________________
(١) أخرجه الترمذي: (٥/ ٦٣٠)، والحاكم: (٣/ ٧٥)، من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: حدّثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود به. قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ابن مسعود لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث» اهـ. وقال الحاكم: «إسناده صحيح»!. وتعقّبه الذّهبي بقوله: «سنده واهٍ». أقول: للحديث شواهد من حديث: حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر. انظرها في «السلسلة الصحيحة» برقم (١٢٣٣).
(٢) أخرجه الحاكم: (٣/ ٣١٨)، وقال: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» وأعلّه الحاكم والذّهبي بالإرسال. وله شاهد من حديث أبي الدّرداء - ﵁ -.
(٣) رواه الثوري وإسرائيل عن منصور مرسلًا، وخالفهم زائدة بن قدامة، فرواه عن منصور موصولًا.
[ ١ / ٥٨ ]
لحذيفة، هل هو منافق؟ وقول حذيفة بعد تزكيته: لا أزكّي بعدك أحدًا (١). ولم يخف/ عمر - ﵁ - من النّفاق الذي هو الشّكّ في الإسلام، فإنّه يعلم براءة نفسه منه، بل نحن نعلم براءته - ﵁ -[منه] (٢) بما شهد له به رسول الله - ﷺ - من الفضائل الكثيرة، والمناقب الكبيرة، وإنّما خاف - ﵁ - من صغائر النّفاق الذي هو: خلف الموعد، وخيانة الأمانة، والكذب في الحديث، فإنّ المؤمن الورع قد يدخل عليه من صغائر بعض هذه الخصال ما يدقّ ولا يتفطّن له، وربما كان الغير (٣) أبصر بعيب الإنسان منه.
وربّما قصد عمر تنبيه ضعفاء المسلمين على تفقّد أنفسهم، وجعل لهم بنفسه الكريمة أسوة حسنة حيث أتّهمها على أمر عظيم. وقد كان عمر - ﵁ - إمامًا في التّقوى والمراقبة، شديد المناقشة لنفسه والمحاسبة، وقد قال لبعض الصحابة: كيف وجدتموني؟ [قالوا] (٤):صالحًا، ولو زغت لقوّمناك. فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا زغت قوّموني (٥) أو كما قالا.
_________________
(١) أخرجه الفسوي في «تاريخه»: (٢/ ٧٦٩)، وضعّفه، وردّ ذلك عليه الذهبي في «الميزان»: (٢/ ٢٩٧)، وانظر: «كنز العمال»: (١٣/ ٣٤٤)، «السير»: (٢/ ٣٦٤).
(٢) من (ي) و(س).
(٣) في «الأصل»: «هذا الغير»!. والمثبت من (ي) و(س).
(٤) في (أ): «قال»، والمثبت من (ي) و(س).
(٥) بنحوه في «الرياض النّضرة في مناقب العشرة»: (١/ ٣٢٥) للمحبّ الطبري.
[ ١ / ٥٩ ]