الجنّة.
وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي، وإن برز في علمه، والفقيه وإن برّز في ذكائه وفهمه، والنّحوي وإن برّز في تجويد لفظه، واللّغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصّر، والصّوفي والمفسّر، كلّهم إليه راجعون، ولرياضه منتجعون.
ولنورد نبذة لطيفة ونكتة شريفة مما قيل فيه من أشعار الحكمة، وكلمات أحبار هذه الأمة، ارتياحًا إلى ذكر ممادحه، والتذاذًا بِسَطر فضائله.
فمن ذلك ما قال الحافظ الصّوري (١):
قل لمن عاند الحديث وأضحى عائبًا أهله ومن يدّعيه
أبعلم تقول هذا أبن لي أم بجهل فالجهل خلق السّفيه
أيعاب الذين هم حفظوا الدين من الترهات والتّمويه
وإلى قولهم وما قد رووه راجع كل عالم وفقيه (٢)
ومن ذلك قول الحافظ الحُميدي (٣):
كتاب الله ﷿ قولي وما صحّت به الآثار ديني
_________________
(١) هو: محمد بن علي بن عبد الله الشّامي السّاحلي الصّوري، أبو عبد الله ت (٤٤١هـ). انظر: «تاريخ بغداد»: (٣/ ١٠٣)، و«السير»: (١٧/ ٦٢٧).
(٢) الأبيات في «شرف أصحاب الحديث»: (ص/٧٧)،و«الإلماع»: (ص/٣٩).
(٣) هو: محمد بن أبي نصر فتوح، الأزدي، الحميدي، الأندلسي ت (٤٨٨هـ) انظر: «الصلة»: (٢/ ٥٦٠) لابن بشكوال، و«السير»: (١٩/ ١٢٠).
[ ١ / ٩ ]
وما اتفق الجميع عليه بدءًا وعودًا فهو من حقّ يقين (١)
فدع ما صدّ عن هذا وخذها تكن منها على عين اليقين (٢)
ومن ذلك قول أبي محمد هبة الله بن الحسن الشّيرازي (٣):
عليك بأصحاب الحديث فإنهم على منهج ما زال بالدين معلما
وا النور إلاّ في الحديث وأهله إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما
فأعلى البرايا من إلى السّنن اعتزى وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى
ومن يترك الآثار ظل بسعيه (٤) وهل يترك الآثار من كان مسلمًا
ومن ذلك قول العلاّمة مجد الدّين محمد بن أحمد بن [الظهير] (٥) الإربلي (٦):
إذا شئت أن تتوخّى الهدى وأن تأتي الحقّ من بابه
فدع كلّ قول ومن قاله لقول النّبيّ وأصحابه
فلم تنج من محادثات الأمور بغير الحديث وأربابه
ومن ذلك قول الحافظ أبي محمد علي بن أحمد الفارسي:
_________________
(١) في «معجم الأدباء» و«السير»: (مبين) بدلًا من (يقين).
(٢) الأبيات في «معجم الأدباء»: (١٨/ ٢٨٥)، و«نفح الطيب»: (٢/ ١١٥)، و«السير»: (١٩/ ١٢٠)
(٣) لم أجد له ترجمة!. والأبيات ذكرها القنّوجي في «الحطّة»: (ص/٤٣).
(٤) في هامش (أ) و(ي): «ضلّل سعيه» في نسخة.
(٥) في (أ) و(ب): «ابن أبي الطّهر» وهو خطأ، والتصويب من مصادر الترجمة.
(٦) أديب، علاّمة، حنفي، توفي سنة (٦٦٧هـ). انظر: «معجم شيوخ الذهبي»: (٢/ ١٥٢)، و«العبر»: (٣/ ٣٣٦). والأبيات ذكرها القنوجي في «الحطّة»: (ص/٤٦).
[ ١ / ١٠ ]
عليك كتاب الله لا تتعدّه ففيه هدى للزّيغ ماح وقامع
وما سنَّهُ النّبي محمدٌ/ فقد خاب عاصيه وفاز المتابع
فخير الأمور السّالفات على الهدى وشرّ الأمور المحدثات البدائع
ومن ذلك قول الحافظ أبي عبد الله الذّهبي:
العلم قال الله قال رسوله إن صحّ والإجماع فاجهد فيه
وحذار من نصب الخلاف جهالة بين النّبي وبين رأي فقيه (١)
ومن ذلك قول بعضهم (٢):
دين النّبي محمد آثار نعم المطيّة للفتى الأخبار
لا ترغبنّ عن الحديث وأهله فالرّأي ليل والحديث نهار
وممّا قلت في ذلك:
العلم ميراث النّبي كذا أتى في النّصّ، والعلماء هم ورّاثه
فإذا أردتّ حقيقة تدري بمن (٣) وُرَّاثه فكَّرت ما ميراثُه
ما ورّث المختار غير حديثه فينا، وذاك متاعه وأَثاثه
فلنا الحديثُ وراثة نبويّة ولكلّ مُحدِث بِدعةٍ إِحداثُه
ومما قلت في الرّدّ على من كره تمسّكي بالسّنة (٤):
_________________
(١) نسبه له جماعة. انظر: «الرد الوافر»: (ص/٦٧).
(٢) البيتان في «شرف أصحاب الحديث»: (ص/٧٦)، و«جامع بيان العلم وفضله»: (٢/ ٣٥)، و«الإلماع»: (ص/٣٨)، وفي كل مصدر نسبت إلى قائل.
(٣) في (س): «لمن».
(٤) والقصيدة أطول مما هنا.
[ ١ / ١١ ]
يا لائمي كُفّ عن لومي ومعتقدي قول النبي فهمّي في تعرُّفِه
فما قفوت سوى آثار (١) منهجه ولا تلوثُ سوى آياتِ مُصحفِه
ففي المجازات أمضي نحو مَعْلمه وفي المحاراة أبقى وسط موقِفِه
وإذا سعيت فسعي نحو كعبته وإن وقفت ففي وادي معرَّفه
وحقّ حبّي له أنّي به كلفٌ يغنيني الطّبع فيه عن تكلّفه
هذا الذي كثّر العذّال فيه فما تعجَّب القلب إلا من مُعَنِّقه
يستأهل القلب ما يلقاه إن بقيت له علاقة توليع بمألفه
ومما قلت في ذلك: القصيدة الطويلة (٢) التي أوّلها:
ظلَّت عواذله تروح وتغتدي وتُعيدُ تعنيف المحبّ وتَبْتَدي
يا صاحِبيَّ على الصَّبابة والهوى من مِنكما في حبِّ أحمد مُسعدي
حسبي بأني قد شُهرتُ بحبِّه شرفًا ببردته الجِميلةِ أَرتدي
لي باسمه وبحبّه وبقربه ذِمَمٌ عِظامٌ قد شَدَدت بها يدي
ومحمد أوفى الخلائق ذمّة فليبلغنّ بي الأماني في غَدِ
يا قلبُ لا تستبعدنَّ لقاءه ثق باللقاء، وبالوفاء فكأَن قَدِ
يا حبَّذا يوم القيامة شُهرتي بين الخلائق في المقام الأحمدِ
_________________
(١) في (س): «آيات»!.
(٢) وقد أنشأها المصنف في سنة (٨٠٨هـ) وعدد أبياتها مئة وثلاثة أبيات. ولما رآها شيخه المردود عليه علي بن محمد بن أبي القاسم، انتقد ما فيها بتشنيع وتحامل، فردّ عليه أخو المصنف الهادي بن إبراهيم الوزير بمصنّف سمّاه «الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين» مخطوط بالجامع الكبير بصنعاء في (١٣٦ق). وعندي نسخة منه.
[ ١ / ١٢ ]