السّنة: لُغَة الطَّرِيقَة والسيرة السُّرَّة، حميدة كَانَت أَو ذميمة، وَالْجمع سنَن مثل غرفَة وغرف. وَشرعا هِيَ مَا بَين بِهِ النَّبِي [ﷺ] كتاب الله تَعَالَى بِالْفِعْلِ، فَهِيَ طَرِيقَته المتبعة فِي بَيَان هَذَا الدّين الَّتِي جرى عَلَيْهَا أَصْحَابه قولا وفعلا وتقريرًا وتركا، وتنقسم إِلَى وَاجِبَة: كَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ، ومؤكدة كَصَلَاة الْوتر عِنْد دُخُول الْمَسْجِد والكسوفين والركعتين اللَّتَيْنِ أَمر بهما سليك الْغَطَفَانِي والرواتب: كمقبل الظّهْر وَبعدهَا: وَبعد الْمغرب وَالْعشَاء وَقبل الْفجْر، والمندوبة: كالضجعة بعد رَكْعَتي الْفجْر. وكصلاة الضُّحَى والتراويح، وَبَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة والمواظبة على ذكر الله تَعَالَى، وكصيام التَّطَوُّع أَكثر شعْبَان وست من شَوَّال، وَيَوْم عَرَفَة، وتاسوعاء، وعاشوراء، وَالْأَيَّام الْبيض من كل شهر، والإثنين وَالْخَمِيس من كل أُسْبُوع وهلم جرا، وَسنة رَسُول الله [ﷺ] فِي المأمورات أَن نأتي مِنْهَا مَا استطعنا، وَفِي المنهيات اجتنابها كليًا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه [ﷺ] قَالَ: " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَاجْتَنبُوهُ ".
(والبدعة): هِيَ الحَدِيث فِي الدّين بعد الْإِكْمَال، وَمَا استحدث بعد النَّبِي [ﷺ] من الْأَهْوَاء والأعمال. وَالْجمع بدع، كعنب كَذَا فِي الْقَامُوس، وَقيل: هِيَ مَا أحدث على خلاف الْحق المتلقى عَن رَسُول الله [ﷺ] وَجعل دينا قويمًا وسراطًا مُسْتَقِيمًا.
وتنقسم الْبِدْعَة إِلَى دينية ودنيوية: فَكل بِدعَة فِي الدّين ضَلَالَة، كَمَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله [ﷺ] وَأَصْحَابه، فَلَا يمكننا أَن نغير وَلَا نحرف وَلَا نؤول مَا قَالَ فِيهِ الرَّسُول: إِنَّه ضَلَالَة وَفِي النَّار، إِلَى أَنه مستحسن، لَكنا نقُول:
[ ١٥ ]
قد تكون الْبِدْعَة الضَّلَالَة كفرا صراحا، وَقد تكون من كَبَائِر الْمُحرمَات. وَقد تكون من صغائرها، وَلِهَذَا نقُول: إِن الْبِدْعَة الدِّينِيَّة تَنْقَسِم إِلَى أَقسَام أَرْبَعَة.
(الْقسم الأول): الْبِدْعَة المكفرة، وَهِي كدعاء غير الله من الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ، والاستغاثة بهم، وَطلب تفريج الكربات، وَقَضَاء الْحَاجَات مِنْهُم، وَهَذِه أعظم بِدعَة كيد بهَا الْإِسْلَام وَأَهله، وَقد فَشَتْ هَذِه الرزية فِي الْمُسلمين حَتَّى قل أَن يسلم مِنْهَا عَالم، فضلا عَن عَامي وجاهل إِلَّا من عصمَة الله. وَلِهَذَا ترى كثيرا مِمَّن ينتسبون للْعلم يؤلفون فِي ذَلِك النّظم والنثر، فَمن ذَلِك قَول بَعضهم:
(يَا سادتي من أمكُم لرغبة فِيكُم جبر وَمن تَكُونُوا ناصريه ينتصر)
وَمِنْه:
(يَا كعبة الْأَسْرَار أَنْت غياثنا يَا كاشف الكربات يَا شيخ الْعَرَب)
وَمِنْه:
(عساكي أَن تَكُونِي لي مغيثة أجيبي لي دعائي يَا أنيسَة)
(وَكَيف أضام إِذْ أَنْت الرئيسة وصاحبة الْمَوَاهِب يَا نفيسة)
وَكَذَا قَوْلهم: الْعَارِف لَا يعرف، والشكوى لأهل الْبَصِير عيب، مدد يَا سَيِّدي فلَان، نظرة إِلَيْنَا بِعَين الرِّضَا، راعني أَنا محسوبك، وَكَذَا قَوْلهم: مَلْعُون ابْن مَلْعُون من كَانَ فِي شدَّة أَو فِي ضيق وَلم يقل يَا سِتّ أَو يَا سيد، وَهَذَا هُوَ عين الشّرك الْأَكْبَر.
(الْقسم الثَّانِي): الْبِدْعَة الْمُحرمَة، وَهِي كالتوسل إِلَى الله بالأموات، وَطلب الدُّعَاء مِنْهُم، وَكَذَا اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد وَالصَّلَاة إِلَيْهَا. وَإِيقَاد السرج عَلَيْهَا وَنذر الشموع والذبائح لَهَا، وَالطّواف بهَا، واستلامها، وَقد عدهَا ابْن حجر الهيتمي فِي كِتَابه الزواجر: من الْكَبَائِر، فَهِيَ بِدعَة ضَلَالَة، لَكِنَّهَا دون الَّتِي قبلهَا.
(الْقسم الثَّالِث): الْبِدْعَة الْمَكْرُوهَة تَحْرِيمًا وَهِي كصلاتهم فَرِيضَة الظّهْر
[ ١٦ ]
بعد الْجُمُعَة، فَإِن هَذَا شرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله، وكقراءة الْقُرْآن بِالْأُجْرَةِ، وكالسبحة، والعتاقة، والختمة الَّتِي يعملونها عَن الْمَيِّت، وكالاحتفال بِدُعَاء لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، وبليلة مولد النَّبِي [ﷺ]، وكرفع الصَّوْت بالصلات وَالتَّسْلِيم عقب التأذين، وكالصلاة الَّتِي يصلونها فِي أَوَاخِر رَمَضَان لتكفير الْفَوَائِت من صلوَات الْعَام الْمَاضِي، وكالجهر بِقِرَاءَة سُورَة الْكَهْف فِي الْمَسَاجِد إِذْ السّنة الْإِسْرَار بهَا وأمثال ذَلِك. وَهَذِه أَيْضا بدع ضلالات كَمَا قَالَ الْمَعْصُوم [ﷺ] لَكِنَّهَا دون اللَّتَيْنِ قبلهَا.
(الْقسم الرَّابِع): الْبِدْعَة الْمَكْرُوهَة تَنْزِيها، وَهِي كالمصافحة فِي أدبار الصَّلَوَات، وَكَذَا تَعْلِيق الستائر على المنابر، وكدعاء عَاشُورَاء وَدُعَاء أول السّنة وَآخِرهَا، وَالله أعلم.
وَقد ذهب كثير من محققي الْعلمَاء إِلَى أَن كل بِدعَة فِي الدّين صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة، فَهِيَ مُحرمَة، وَاسْتَدَلُّوا لذَلِك بالأحاديث الَّتِي جَاءَت فِي ذمّ الْبدع بصيغ الْعُمُوم كَحَدِيث: " فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار، وَحَدِيث: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد "، وَحَدِيث: " من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد "، وَهَذَا مُوَافق لما ذَكرْنَاهُ، لِأَن الْمُحرمَات لَيست كلهَا كَبَائِر وَلَا صغائر، بل مِنْهَا مَا يخرج صَاحبه من الدّين وَالْعِيَاذ بِاللَّه، وَمِنْهَا مَا هُوَ من الْكَبَائِر، وَمِنْهَا مَا هُوَ من الصَّغَائِر، وَمِنْهَا مَا هُوَ دون ذَلِك، وَالله سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿كل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَالله تَعَالَى أعلم.
وتقسيم بعض متأخري الْفُقَهَاء الْبِدْعَة إِلَى خَمْسَة أَقسَام خطأ وَظن: ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ بل هَذَا مِنْهُم مشاقة ومحادة للرسول [ﷺ] الْقَائِل: " وكل بِدعَة ضَلَالَة، فَلهم نصيب من الْوَعيد الْمَذْكُور فِي آيَة ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم﴾ .
[ ١٧ ]
أما الْبِدْعَة فِي الْمصَالح وَالْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة المعاشية، فَلَا حرج مَا دَامَت نافعة غير ضارة، وَلَا جَارة إِلَى شَرّ يعود على النَّاس، وَلَا ارْتِكَاب محرم، أَو هدم أصل من أصُول الدّين، فَالله سُبْحَانَهُ يُبِيح لِعِبَادِهِ أَن يخترعوا لمصَالح دنياهم وَأُمُور معاشهم مَا شَاءُوا، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ (وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى، وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ وَقَالَ [ﷺ]: " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا "، الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم وَغَيره، فَإِن لم يحمل هَذَا الحَدِيث على الْمصَالح الكونية كَانَ مَعْنَاهُ أَن يخترع كل ضال زنديق فِي دين الْإِسْلَام مَا شَاءَ، فيزيد فِي رَكْعَات الصَّلَاة وسجداتها وَينْقص مِنْهَا مَا شَاءَ، ويخترع أذكارًا وأدعية وعبادات وصلوات وصيامًا غير مَا نَحن عَلَيْهِ، وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ إِفْسَاد الدّين، وإضلال الْمُسلمين، وَهل يتَّفق هَذَا مَعَ قَوْله [ﷺ] . " وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار "، وَقَوله [ﷺ]: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَقَول ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ قَالَ: تبيض وُجُوه أهل السّنة، وَتسود وُجُوه أهل الْبِدْعَة؟ .
هَذَا وعَلى الَّذِي قُلْنَا ينطبق قَول الشَّافِعِي، ﵀، الْبِدْعَة بدعتان، بِدعَة محمودة، وبدعة مذمومة، فَمَا وَافق السّنة فَهُوَ مَحْمُود، وَمَا خَالف السّنة فَهُوَ مَذْمُوم.
(وَقَول) بعض متأخري الْفُقَهَاء. إِن من ترك سنة رَسُول الله [ﷺ]، يعاتبه النَّبِي [ﷺ] يَوْم الْقِيَامَة بقوله: " يَا فلَان لم تركت سنتي؟ "، فَعِنْدَ ذَلِك يتساقط وَجه المعاتب - قَول على الله بِغَيْر علم - وَوُقُوع مثل هَذَا فِي كتب ودروس كثير من أَرْبَاب العمائم عَجِيب وغريب، وَمَا أَدْرِي مَا الَّذِي أعماهم عَن قَوْله [ﷺ]: " وَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقَوله: " سَبْعَة لعنتهم - وَفِيه التارك لسنتي " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَحسنه صَاحب الْجَامِع الصَّغِير وشارحه، مَا أصمهم وأعمى قُلُوبهم وأبصارهم عَن خير الْهدى هَدْيه [ﷺ] إِلَّا إعراضهم عَن الْكتاب وَالسّنة!
[ ١٨ ]