إِن من أَشد الْعَيْب اللَّاحِق بالألوف من الْمُسلمين؛ أَنهم لَا يحسنون بل لَا يعْرفُونَ كَيْفيَّة صَلَاة الْجِنَازَة على سهولتها، وَلذَا تراهم يضعون الْمَيِّت عَن أَعْنَاقهم ثمَّ يدورون فِي الْبَلَد يبحثون عَن (الفقي) ليُصَلِّي لَهُم على ميتهم. وتقاعد وتكاسل الكثيرين من أهل الْعلم عَن صلَاتهَا فَوت لفضل عَظِيم وَربح كَبِير،
[ ١٠٧ ]
وَقد أَخْبرنِي بعض الْمَشَايِخ الْكِبَار المنتمين للْعلم أَنه يتشاءم من صلَاتهَا، فَإنَّا لله! وَكثير من أدعية صَلَاة الْجِنَازَة الْمَوْجُود فِي متون وشروح وحواشي الْفُقَهَاء لَيْسَ لَهُ أصل فِي السّنة، وَإِنَّمَا هُوَ من مخترعاتهم فَاحْذَرُوهُ وَرفع أصوات بعض المتفيقهة عِنْد الصَّلَاة على الْمَيِّت بقوله: سُبْحَانَ من قهر عباده بِالْمَوْتِ، وَسُبْحَان الْوَاحِد الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت بِدعَة، وإحداث شرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله. وَرفع أَصْوَاتهم بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة جمَاعَة بعد التَّسْلِيم من صَلَاة الْجِنَازَة، وقراءتهم بعْدهَا آيَة ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ الْآيَة: بدعتان شنيعتان، وَقَوْلهمْ مَا تَشْهَدُون فِيهِ؟ وإجابتهم لهَذَا الْقَائِل بقَوْلهمْ: صَالح، وَرُبمَا كَانَ تَارِكًا للصَّلَاة أَو شاربا للخمر، أَو فاسقاُ فَاجِرًا فحاشًا - كَمَا شاهدنا ذَلِك مرَارًا، وَمَا زلنا نشاهده وَلم نقدر على إِنْكَاره إِلَّا قَلِيلا - زور وكبيرة من الْكَبَائِر وبدعة مُنكرَة ضَلَالَة، وَقد سمع رَسُول الله [ﷺ] أم الْعَلَاء وَهِي تَقول فِي عُثْمَان ابْن مَظْعُون لما توفّي ببيتها " رَحْمَة الله عَلَيْك أَبَا السَّائِب، فشهادتي عَلَيْك لقد أكرمك الله فَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: وَمَا يدْريك أَن الله أكْرمه؟ فَقَالَت بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله، فَمن يُكرمهُ الله؟ فَقَالَ: أما وَالله لقد جَاءَهُ الْيَقِين، وَالله إِنِّي لأرجو لَهُ الْخَيْر، وَالله مَا أَدْرِي وَأَنا رَسُول الله مَا يفعل بِي، قَالَت: فوَاللَّه لَا أزكي أحدا بعده أبدا " والقصة فِي البُخَارِيّ ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ .
وَصَلَاة الْجِنَازَة كل لَيْلَة على من مَاتَ من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْيَوْم بِدعَة مُنكرَة وتلقين الْمَيِّت ورد فِيهِ حَدِيث ضعفه فِي أَسْنَى المطالب، وَابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَابْن الْقيم والعراقي وَابْن حجر، وَصَاحب سبل السَّلَام، بل عد الْعَمَل بِهِ بِدعَة لِأَنَّهُ بَالغ فِي تَضْعِيفه وَالذكر خلف الْجِنَازَة بالجلاله أَو الْبردَة أَو الدَّلَائِل أَو الْأَسْمَاء الْحسنى كُله لم يشرع، بل يجب أَن يمْنَع، وَفِي قفا صَاحبه يصفع وبعرض الْحَائِط يدْفع، إِذْ لَيْسَ من عمل الشَّفِيع المشفع [ﷺ] وعَلى من بسنته استكفى واستقنع. وَالذكر حول سَرِير الْمَيِّت قبل دَفنه، كَمَا يَفْعَله أغفال الْفُقَرَاء جهل
[ ١٠٨ ]
وبدعة فِي الدّين. وَالطّواف بِالْمَيتِ حول أضرحة الْأَوْلِيَاء. بِدعَة وثنية مُنكرَة وشنيعة.
واعتقادهم أَن الْمَيِّت حَال السّير بِهِ إِلَى الْجَبانَة يثقل أَو يخف على الحاملين أَو يسْرع فِي مشيته أَو يبطئ أَو يتَأَخَّر لأجل عِيَاله أَو أحد أَقَاربه أَو غير ذَلِك، تغفيل كَبِير، وَجَهل بِالدّينِ شنيع، وضلال عَن هدى الرَّسُول فظيع، نسْأَل الله السَّلَام. واعتقادهم أَن سُؤال الْقَبْر يكون بالسرياني. هَكَذَا: أطره أطرح كَارِه سالحين بَاطِل وزور، وَإِثْبَات هَذَا فِي كتب المؤلفين من أكبر الْكبر وأعجب الْعجب فَلَا تلْتَفت أَيهَا الْمُسلم إِلَى هَذَا الْجَهْل والضلال مِمَّن يَقُول: وَمن عَجِيب مَا ترى العينان أَن سُؤال الْقَبْر بالسريان. فابصق عَلَيْهِ وَأعْرض عَنهُ، وتوكل على الله، فَإِنَّهُ من وَحي الشَّيْطَان، وَإِلَيْك حَدِيث البُخَارِيّ قَالَ [ﷺ]: " إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه وَإنَّهُ ليسمع قرع نعَالهمْ إِذا انصرفوا، أَتَاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ؛ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كنت تَقول فِي هَذَا النَّبِي مُحَمَّد؟ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول: أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار، أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة، قَالَ النَّبِي [ﷺ] فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيَقُول: لَا أَدْرِي، كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فِيهِ، فَيُقَال: لَا دَريت وَلَا تليت، ثمَّ يضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنه فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن ".