روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي مسلمة سعيد بن يزِيد قَالَ: قلت لأنس بن مَالك: " أَكَانَ رَسُول الله [ﷺ] يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نعم " وروى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن سعيد المَقْبُري، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله [ﷺ] قَالَ إِذا وطئ أحدكُم بنعليه الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور ".
وروى النَّسَائِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: " رَأَيْت رَسُول الله [ﷺ] يشرب قَائِما وَقَاعِدا، وَيُصلي حافيًا ومنتعلا، وينصرف عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك، وَفِيه: " كَانَ جدي أَوْس أَحْيَانًا يُصَلِّي، فيشير إليّ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَأعْطِيه نَعْلَيْه، وَيَقُول: رَأَيْت رَسُول الله يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه ".
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير أَنه [ﷺ] قَالَ: " صلوا فِي نعالكم وَلَا تشبهوا باليهود " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن شَدَّاد بن أَوْس وَصَححهُ، وَفِيه عَنهُ [ﷺ]
[ ٤٥ ]
" خالفوا الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يصلونَ فِي نعَالهمْ وَلَا خفافهم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن شَدَّاد صَححهُ.
فَهَذِهِ الْكتب السِّتَّة الَّتِي عَلَيْهَا الْمعول فِي الدّين، وفيهَا أُصُوله وفروعه وَغَيرهَا، قد نطقت فِيهَا السّنة الصَّحِيحَة بِجَوَاز، بل الْأَمر بِالصَّلَاةِ فِي النِّعَال وَهَا هِيَ أَقْوَال أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة:
(مَذْهَب أبي حنيفَة) أفتى صَاحب الْفَضِيلَة الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الْمجِيد سليم مفتي الديار المصرية، وَنشر على صفحات الجرائد الْفَتْوَى الصادرة بتاريخ ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٢٨ - المسجلة برقم ٤٣ مسلسلة جُزْء ٣٢ بعد ذكر الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قَالَ مَا نَصه:
وَفِي شرح منية الْمُصَلِّي لإِبْرَاهِيم الْحلَبِي نقلا عَن فَتَاوَى الْحجَّة مَا نَصه: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ تفضل على صَلَاة الحافي أضعافا مُخَالفَة للْيَهُود. أهـ.
قَالَ: وَمن هَذَا يعلم صِحَة الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ الطاهرين، بل ذهب كثير من عُلَمَاء الْمُسلمين إِلَى أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. أهـ بِاخْتِصَار.
(مَذْهَب الْمَالِكِيَّة) قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي - ﵀ - فِي شَرحه على سنَن الإِمَام التِّرْمِذِيّ عِنْد الْكَلَام على بَاب الصَّلَاة فِي النِّعَال مَا نَصه: ثَبت أَن النَّبِي [ﷺ] صلى فِي نَعْلَيْه، كَمَا ثَبت أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي نَعْلَيْه. أه.
(مَذْهَب الشَّافِعِيَّة) قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ جَائِزَة، وَإِن كَانَ نزع النَّعْلَيْنِ سهلا، وَلَيْسَت الرُّخْصَة فِي الْخُف لعسر النزع، بل هَذِه النَّجَاسَة مَعْفُو عَنْهَا، وَفِي مَعْنَاهَا المداس. صلى رَسُول الله [ﷺ] فِي نَعْلَيْه، ثمَّ نزع فَنزع النَّاس نعَالهمْ، فَقَالَ: " فَقَالَ: " لم خلعتم نعالكم؟ قَالُوا رَأَيْنَاك خلعت فخلعنا. فَقَالَ [ﷺ]: إِن جِبْرِيل أَتَانِي فَأَخْبرنِي أَن بهما خبثا،
[ ٤٦ ]
فَإِذا أَرَادَ أحدكُم الْمَسْجِد فليقلب نَعْلَيْه، ولينظر فيهمَا؛ فَإِن رأى خبثا فليمسحه بِالْأَرْضِ وَليصل فيهمَا ".
وَقَالَ بَعضهم: الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ أفضل: لِأَنَّهُ [ﷺ] قَالَ: " لم خلعتم نعالكم؟ " وَهَذِه مُبَالغَة، فَإِنَّهُ [ﷺ] سَأَلَهُمْ ليبين لَهُم سَبَب خلعه، إِذْ علم أَنهم خلعوا لموافقته، أه قَالَ شَارِحه الزبيدِيّ.
وأجمعت الْعلمَاء على أَن الصَّلَاة فِي النِّعَال وَمَا فِي حكمهَا مِمَّا هُوَ ملبوس للرِّجل جَائِزَة، فرضا، أَو نفلا، أَو جَنَازَة، أَو سفرا، أَو حضرا، بل قيل بالسنية لِلِاتِّبَاعِ، وَسَوَاء كَانَ يمشي بهما فِي الْأَزِقَّة أَو لَا. فَإِن النَّبِي [ﷺ] وَأَصْحَابه كَانُوا يَمْشُونَ فِي طرقات الْمَدِينَة وَيصلونَ فِيهَا، بل كَانُوا يخرجُون بهَا إِلَى الحشوش حَيْثُ يقضون الْحَاجة.
(مَذْهَب الحنبلية) قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم فِي إغاثة اللهفان: وَمِمَّا لَا تطيب بِهِ قُلُوب الموسوسين. الصَّلَاة فِي النِّعَال، وَهِي سنة رَسُول الله [ﷺ] وَأَصْحَابه فعلا مِنْهُ وأمرًا. فروى أنس: " أَن رَسُول الله [ﷺ] كَانَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْه " مُتَّفق عَلَيْهِ وسَاق حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس، ثمَّ قَالَ: وَقيل للْإِمَام أَحْمد: أيصلي الرجل فِي نَعْلَيْه. فَقَالَ: أَي وَالله، وَيرى أهل الوسواس إِذا بلَى أحدهم بِصَلَاة الْجِنَازَة فِي نَعْلَيْه قَامَ على عقبهما كَأَنَّهُ وَاقِف على الْجَمْر حَتَّى لَا يُصَلِّي فيهمَا.
يَقُول مُحَمَّد بن أَحْمد معمر عبد السَّلَام. أَن مَسَاجِد زَمَاننَا أَصبَحت مفروشة برخيص وغالى الفراشات فَيَنْبَغِي أَن لَا نتلفها بالنعال، فَإِن منعنَا مَانع فِي غير ذَلِك من الصَّلَاة فِي النِّعَال بَينا لَهُ السّنة المحمدية، فَإِن أبي وعارض صككناه بالنعال على أم رَأسه.
[ ٤٧ ]